اليمن بين نشوة الانتصار وضرورة السلام
قرأت ما كتب، وقرأت كذلك النصيحة التي خصصت لي بالاسم، باعتباري السفير المقيم في الخارج علي الديلمي، لأنني أدعو إلى التعقل والحكمة، وأرفض أن يصبح قتل اليمني لليمني أمرًا طبيعيًا أو مبررًا تحت أي راية سياسية أو مذهبية، وأقول لمن وجه إلي هذه النصيحة إن الإقامة خارج اليمن لا تسقط حق الإنسان في وطنه، ولا تلغي معرفته بتاريخه وتعقيداته، ولا تجعل الدعوة إلى السلام ترفًا فكريًا، بل لعل النظر إلى المشهد بعيدًا عن ضجيج الجبهات يسمح أحيانًا برؤية ما تحجبه نشوة الانتصارات والهزائم، وهي حقيقة أن جميع الأطراف تستطيع أن تربح معركة، لكن أحدًا لن يستطيع إلغاء الآخر أو إخراجه من معادلة اليمن.
التطورات العسكرية الأخيرة في الساحل الغربي، وما أظهرته من قدرة الحوثيين على المبادرة والتقدم، ومن ضعف وتشتت في صفوف خصومهم، ينبغي أن تُقرأ بجدية بعيدًا عن المكابرة. فمن الواضح أن سنوات الحرب منحت الحوثيين خبرة قتالية وتنظيمية متراكمة، بينما ما تزال القوى المناوئة لهم تعاني تعدد مراكز القرار وتباين الأهداف والمشاريع والولاءات. لكن الاعتراف بهذه الحقيقة شيء، وتحويلها إلى دليل على امتلاك طرف واحد للحقيقة والوطنية شيء آخر. فالتفوق العسكري لا يساوي تفويضًا شعبيًا، والسيطرة على الجغرافيا لا تعني السيطرة على إرادة مجتمع شديد التنوع والتعقيد مثل المجتمع اليمني. وقد جرب اليمن مرارًا وهم المنتصر الذي يعتقد أن بإمكانه تحويل غلبة السلاح إلى صيغة دائمة للحكم، وكانت النتيجة في كل مرة ولادة صراع جديد.
ومن الضروري أن نتعامل مع مسألة التدخل الخارجي بمعيار وطني واحد، لا بمعايير تتغير بحسب هوية الحليف. فقد دعمت قوى إقليمية ودولية تشكيلات يمنية مختلفة، وسعت كل منها إلى حماية مصالحها ونفوذها. وفي المقابل، لا يمكن تجاهل علاقة الحوثيين بإيران، وما وفرته لهم هذه العلاقة من دعم سياسي وعسكري وتقني خلال سنوات الصراع. ومن هنا، فإن الوطنية لا تكون باستبدال ارتهان خارجي بارتهان آخر، ولا بتبرير تدخل لأن صاحبه حليف وإدانة تدخل آخر لأن صاحبه خصم. فالمعيار الذي يحتاجه اليمن اليوم هو أن يكون القرار اليمني يمنيًا، وأن تتقدم مصلحة الدولة والمجتمع على حسابات المحاور الإقليمية والدولية، وأن يدرك الجميع أن اليمن الذي يصبح ساحة لصراعات الآخرين لن ينتصر فيه أحد، مهما تغيرت خرائط السيطرة.
والأخطر من التدخل الخارجي نفسه هو تحويل الصراع السياسي إلى حرب هويات وعقائد. فعندما يصبح الخصم مجوسيًا أو رافضيًا أو تكفيريًا أو مرتزقًا، قبل أن يكون يمنيًا مختلفًا معنا سياسيًا، فإننا لا نمهد لانتصار وطني، بل لحرب أهلية طويلة تنتقل من جيل إلى آخر. واليمن عاش قرونًا من التعدد المذهبي والاجتماعي، ولم يكن اختلاف الزيدي والشافعي سببًا حتميًا للحرب، وما يهدد مستقبل البلاد اليوم هو الاستثمار السياسي في هذه الاختلافات، وتحويلها إلى حدود من الدم. ولذلك، فإن رفضي لقتل اليمني لليمني ليس مساواة بين الأخطاء والمسؤوليات، ولا تجاهلًا لمن بدأ الحرب أو لمن استعان بالخارج، وإنما هو رفض لفكرة أخطر، وهي أن يتحول قتل الخصم اليمني إلى فضيلة وطنية لمجرد أننا نختلف معه.
والسؤال الحقيقي بعد المخا والساحل الغربي، وبعد صنعاء وعدن ومأرب وصعدة وكل الجبهات، ليس من يستطيع التقدم بضعة كيلومترات أخرى، بل ماذا سيفعل المنتصر في اليوم التالي لانتصاره؟ وهل يستطيع الحوثيون، إذا أصبحوا القوة العسكرية الأكثر تفوقًا، أن يقدموا مشروع دولة تتسع لمن يختلف معهم؟ وهل تستطيع القوى المناوئة لهم مراجعة أخطائها وبناء مشروع وطني مستقل بدلًا من الاتكال على الخارج؟ وهل يستطيع الجميع إدراك أن اليمن لا يمكن أن يستقر إذا حكمه طرف بمنطق الغلبة، وانتظر الطرف الآخر فرصته للثأر؟ وتلك هي الأسئلة التي تستحق أن ينشغل بها المثقف والسياسي والدبلوماسي في الداخل أو الخارج. أما أنا فسأظل أقول ما قلته من قبل: لا أبحث عن يمن ينتصر فيه الشمال على الجنوب، أو صنعاء على عدن، أو الحوثي على خصومه، وإنما عن يمن ينتصر فيه اليمنيون على الحرب؛ لأن البندقية قد تمنحك مدينة، لكنها لا تمنحك وطنًا، والانتصار الذي يحتاج إلى استمرار دم اليمنيين ليس نهاية الحرب، بل بداية حرب أخرى.



