الأحد 13 سبتمبر 2026

سقوط المخا حين ينهار الحلم مجددًا

اثنا عشر عامًا واليمن لا يزال يبحث عن طريقه إلى نفسه، اثنا عشر عامًا من الانقسام والحروب والمجاعة، ومن اقتصاد ينهار يومًا بعد يوم، ومن أزمة لا تنتهي حتى تستبدل بأخرى أشد قسوة. أرض واحدة تقاسمته ثلاث سلطات أمر واقع: الحوثي الذي أطبق قبضته في الشمال، والشرعية التي أنهكها الانقسام الداخلي، والانتقالي الجنوبي الذي لم يخف يومًا طموحه في مشروعه الانفصالي وحلم جمهورية الجنوب العربي. وبين هذه الأطراف الثلاثة، يعيش الشعب اليمني حالة استنزاف نفسي لا تقل خطورة عن الاستنزاف العسكري والاقتصادي.

في الأسابيع الأخيرة تسارعت الأحداث على نحو يعكس هشاشة كل التوازنات القائمة، فمنذ بدأت الحلقة بمحاولة الانتقالي فرض سيطرته على مفاصل الحكم، في خطوة قرأها كثيرون كمحاولة انقلاب على الشرعية.. لكن المحاولة لم تكتمل، إلا أنها لم تجهض بالمعنى الكامل للكلمة أيضًا؛ فقيادات الانتقالي لا تزال خارج أية مساءلة حقيقية، وخطابها لم يتراجع عن هدفه المعلن، مما يعني أن الأزمة أُجلت ولم تحل.
ثم جاء التحدي الأكبر بتجدد زحف الحوثيين نحو الساحل الغربي تحت ذريعة مواجهة الحصار والرد على المملكة العربية السعودية. وتظهر الوقائع الميدانية أن الجماعة تقدمت من الخوخة وحيس جنوبي الحديدة، ومدينة المخا وسط انسحاب لقوات الشرعية إلى إعادة التموضع باتجاه جنوب المخا وذوباب، قبل أن تسقط المخا بالكامل بيد الحوثيين، في تطور وصف بأنه يعيد رسم خريطة النفوذ على الساحل الغربي لليمن بأكمله، حيث سقط الميناء في ساعات، بعد أن كان لأيام قليلة مسرحًا لمعارك احيت الأمل الشعبي بالتحرير وحلم بداية التحرير الذي سرعان ما انحل وانكسر.
هذا الانكسار هو جوهر المأساة، فالمعركة على المخا لم تكن معركة أرض فحسب، بل كانت اختبارًا نفسيًا جماعيًا لشعب أرهقته الحرب، تمسك اليمنيون، ولو للحظات، بحلم استعادة الدولة، وبوعود رنانة أطلقتها قيادات ميدانية وسياسية عن قرب "التحرير" وعودة "الجمهورية الواحدة" في الأيام الأولى، وعود حملت بصيص انتصار بصد الزحف واستعادة المواقع، وشعور بأن الاتجاه بدأ يتغير أخيرًا. لكن سرعان ما انقلب المشهد؛ فتراجعت القوات، وانسحبت من حيس والخوخة، وتركت الطريق مفتوحًا أمام سقوط المخا وسط نزوح جديد طال آلاف الأسر، معظمهم في تعز، في مشهد يتكرر مجددًا، لكنه لا يفقد قسوته أبدًا.
إن الأخطر من الخسارة الميدانية نفسها هو ما تكشفه من اختلال موازين القوة على الأرض، فالتقارير الميدانية تتحدث عن انتقال عشرات الخبراء والضباط الإيرانيين والعراقيين إلى جبهات الساحل الغربي، وعن توسع الدور الإيراني من الإشراف على الهجمات الصاروخية والبحرية إلى المشاركة في التخطيط للعمليات البرية، في مؤشر إلى أن المعركة لم تعد محصورة بين أطراف يمنية بحتة، بل باتت جزءًا من صراع إقليمي أوسع تستخدم فيه المخا وباب المندب كأوراق ضغط استراتيجية.
أما على الصعيد النفسي، فإن ما يجعل سقوط المخا مختلفًا عن غيره من الانتكاسات، هو توقيته وسياقه، فهو يأتي بعد أزمة الثقة التي خلفتها محاولة الانتقالي، وبعد موجة أمل قصيرة صنعتها الأيام الأولى من المعركة، فالشعب الذي اعتاد الخذلان لا يزال رغم كل شيء يحمل بقايا رغبة في التصديق، وهذا بالضبط ما يجعل كل انكسار جديد أثقل من سابقه: لأنه لا يهدم أرضًا فحسب، بل يهدم قدرة الناس على الأمل من جديد.
اليمن اليوم لا يحتاج فقط إلى معارك تكسب أو تخسر، بل إلى مشروع سياسي يعيد للناس معنى الدولة الواحدة، بعيدًا عن الوعود التي تتبخر عند أول اختبار ميداني، فبين انقلاب عسكري لم يكتمل، وزحف لم يصد، وميناء سقط في ساعات بعد أيام من الأمل، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: كم مرة يمكن لشعب أن يخذل قبل أن يفقد القدرة على الحلم؟