التقاء المصالح على حساب أمن السعودية واليمن؟
الذين يختصرون كل ما تتعرض له السعودية اليوم في عبارة "الضغط من أجل التطبيع مع إسرائيل" لا يلتقطون، قصدًا أو من دون قصد، جوهر المسألة. التطبيع قد يكون واحدًا من الملفات المطلوبة من الرياض، لكنه ليس أصل المشكلة ولن يكون نهايتها.
السعودية ستظل عرضة للضغط ما دامت دولة غنية تملك النفط والمال والموقع والأسواق والقدرة الهائلة على الاستثمار. إسرائيل مؤثرة في واشنطن بلا شك، لكنها لا تتحكم وحدها بالسياسة الأمريكية في كل وقت وكل ملف. وهناك في أمريكا اليوم، وخصوصًا مع ترامب، تيار أكثر خشونة ووضوحًا: يريد المال والاستثمارات والصفقات، ويرى حتى ثراء الحليف ورقة يمكن استخدامها.
ولترامب، رغم أسلوبه السياسي الفظ والمنحط أحيانًا، ميزة تكشف الكثير: يقول أمام الكاميرا ما كانت الإدارات الأمريكية السابقة تغلفه بعشرات العبارات الدبلوماسية.
وهنا تأتي تصريحاته الأخيرة عن الحوثيين.
يقول ترامب، بالمعنى الذي عبّر عنه، إن الحوثيين تواصلوا معه، وأبلغوه أنهم لا يريدون قتال الولايات المتحدة ولا يريدون تدخلها ضدهم، وإن معظم الملاحة عبر باب المندب ستظل تمر، وإن تركيزهم منصب على دولة واحدة. ثم يضيف عبارة أهم: "ونحن نعمل على حل ذلك".
السؤال هنا: ما هذا "الحل"؟
قد يكون ببساطة ترتيبًا أو اتفاقًا مؤقتًا بين السعودية والحوثيين: تهدأ الحرب، وتبقى الملاحة ضمن خطوط لا تستفز واشنطن، ويبقى الحوثي في الوقت نفسه قوة مسلحة كبيرة على الحدود السعودية، تحتفظ بصواريخها ومسيّراتها وقدرتها على إعادة التصعيد كلما تغيرت الحسابات الإيرانية أو الإقليمية.
وهنا قد يتحول "الحل" من إنهاء للمشكلة إلى إدارة دائمة لها.
كلما أرادت إيران الضغط على الرياض ارتفعت حرارة الجبهة اليمنية، وكلما ارتفع الخطر ازدادت حاجة السعودية إلى الحماية والوساطة الأمريكية، وعادت واشنطن ومعها فاتورة جديدة.
فالابتزاز لا ينتهي عندما تدفع مرة؛ الذي يتغير فقط هو اسم الفاتورة.
اليوم قد يكون المطلوب التطبيع. وغدًا استثمارات بمئات المليارات. وبعده صفقة سلاح، أو إيران أو موقفًا من الصين كايقاف تصدير النفط إليها أو الاستيراد منها، أو ترتيبات لسوق النفط، أو ترتيبات أمنية وعسكرية جديدة.
ولهذا من الخطأ الاعتقاد أن التطبيع سيشتري للسعودية نهاية الضغوط. مصر عقدت السلام مع إسرائيل منذ عقود، وطبّعت دول عربية أخرى، ولم تتحول علاقاتها بواشنطن إلى علاقات بلا شروط أو ضغوط. وإذا كانت مصر، وهي تعاني اقتصاديًا ولا تملك فوائض السعودية، ما زالت تواجه الضغوط، فكيف بدولة تملك مئات المليارات وصندوقًا سياديًا هائلًا ونفطًا وسوقًا وموقعًا استراتيجيًا؟
لكن في الحالة السعودية الحالية يوجد طرف آخر لا ينبغي تجاهله: الإمارات.
الإمارات لديها، في تقديري، أكثر من حساب مع السعودية في هذه اللحظة. المسألة ليست فقط أن الرياض أخرجت النفوذ العسكري الإماراتي من الجنوب، بل إن السعودية رفضت أيضًا الانخراط المباشر في الحرب ضد إيران بالطريقة التي كان يريدها المعسكر الأكثر اندفاعًا إلى المواجهة مع طهران. وهنا تباعدت الحسابات بوضوح: الرياض وضعت أمن المملكة واستقرارها أولًا، بينما تلاقت مصلحة أبوظبي مع إسرائيل ومع التيار الأمريكي الدافع إلى تشديد المواجهة مع إيران.
والأكثر إزعاجًا لهذا المعسكر أن السعودية لم تدخل الحرب مباشرة، ثم استطاعت في الوقت نفسه أن تكون من أكثر دول الخليج قدرة على امتصاص صدمة هرمز. لديها خط الشرق–الغرب إلى ينبع، فأصبح بإمكانها تحويل جانب كبير من صادراتها إلى البحر الأحمر: شمالًا نحو السويس وأوروبا، وجنوبًا عبر باب المندب نحو آسيا وأفريقيا.
أي أن الرياض رفضت المشاركة في الحرب التي أرادها الآخرون، ثم نجحت نسبيًا في الإفلات من إحدى أهم أدوات الضغط التي صنعتها تلك الحرب.
وهنا يصبح ما يحدث في اليمن أكثر أهمية في قراءتي. فإذا تعرّض الطريق الآخر للخطر، واقترب الحوثيون أكثر من باب المندب، فإن الميزة التي سمحت للسعودية بتجاوز هرمز جزئيًا تصبح هي نفسها تحت الضغط.
وعند هذه النقطة تلتقي المصالح من دون الحاجة إلى افتراض غرفة عمليات مشتركة: إسرائيل تريد إضعاف قدرة إيران، لكنها تريد أيضًا إعادة تشكيل المنطقة ودفع السعودية إلى ترتيبات أمنية وسياسية جديدة؛ ترامب يريد من الرياض أثمانًا سياسية واستثمارات وأموالًا مقابل الحماية؛ بن زايد لديه حسابه مع السعودية ويريد الحفاظ على نفوذه الإقليمي؛ وإيران تريد أن تثبت أن تجاوز هرمز لا يعني تجاوز قدرتها على الضغط.
أما السعودية، فتجد نفسها أمام مفارقة قاسية: رفضت أن تصبح أرضها منصة لحرب الآخرين على إيران، فوجدت الحرب وأدوات الضغط تنتقل إلى الطرق التي تعتمد عليها لحماية اقتصادها..



