سراب السياسة ودخان الميدان
تتزاحم الأوهام في زوايا الذهن كالدخان الخانق..
ويرى البعض أطياف خيالات تحرك العروش نحو عاصمة اليمن..!
أتراه حقًا يقين يضيء العتمة الداكنة التي تتسع كل يوم..؟
أم أنه مجرد سراب خادع يعزفه الإعلام لإغواء الحالمين بالانتصارات..؟
لو أردت أن أبيعكم زيف الأحلام وخسيس الأوهام لقلت نعم بكل يسر.
لكن الأيام القادمة ستعرّي الزيف وتكشف الهشاشة حتمًا أمام الجميع.
وسنصحو غدًا لنردد بأسى خُدعنا وتوارى الخيط الأبيض خلف كواليس الظلام.
ويصمت صهيل الحرب المفتعلة حين تلتقي مصالح الكبار خلف الأبواب المغلقة.
•••
إنها حكاية اختناق البحر وصراخ الموانئ التي تكبلها القيود الظالمة.
حين صرخت صنعاء وأعلنت كسر القيد المكبّل لمعصميها بكل قوة.
مطار بمطار وميناء بميناء ليتنفس الشارع الضيق الصعداء.
وعبر مياه البحر تكسرت أطماع العبور في مضيق الشريان الشديد.
هناك استفاقت الحسابات المعقدة على نزيف الخسائر المليارية اليومية القاسية.
فماذا يصنع من يحاصر نفسه بنفسه في زوايا الضغط المتزايد..؟
بدلًا من أخذ بيد الجار نحو الخلاص الأبدي والسكينة الدائمة.
ارتفعت الصيحات العالية لرفع بيارق الحشد الموهوم نحو العاصمة.
وأُطلقت الطائرات المسيّرة كألعاب نارية تشتت العيون والأنظار عن الحقيقة.
هل كان الهدف حقًا استعادة عاصمة العز والشموخ التاريخية..؟
لا ولن يكون ذلك الهدف الأسمى إطلاقًا.
إنها محاولة يائسة لتخفيف لهيب الضغط المشتعل في العمق الداخلي.
وإشغال الجبهات بالداخل المشتعل لتغرق في دماء أبنائها والرماد.
وتحريك جيوش الإعلاميين المأجورين لبيع السراب ونسج الانتصارات الخيالية والوهمية.
•••
حذرنا مرارًا وتكرارًا حين كانت العاصفة تبتلع العقول والقلوب الصافية.
قلنا اتركوا الخصوم في حلبة النزاع المباشر يستنزفون بعضهم البعض.
فإن نجح مظلوم في فك القيد المضروب فهذا مطلب كل أحرار الأرض.
وإن انكسر العود فهذا ما تبحث عنه الرغبات السياسية الأخرى.
لكن صوت العقل والمنطق يضيع دائمًا في ضجيج المزايدات السياسية.
وتحركت الأقدام المسكينة نحو المحرقة بلا بصيرة ولا هدى.
فجاءت الضربات الموجعة والقاسية لتعيد ترتيب الخارطة بالدم والحديد.
من صحارى العبر ومأرب وحتى الرمال الملتهبة في أرجاء الساحل الغربي.
•••
فقد بدأ التداعي الأول حين سقطت القواعد الحاكمة في ريف تعز الغربي:
* انكسرت أطواق مقبنة وشاهق جبل جرداد وحصون حمير والكدحة..!
* تداعى الساتر الجغرافي الأول وانفتحت الثغرة العارية نحو شريان الساحل الممتد.
ثم انتقلت الصدمة لتعصف بأروقة القيادة في الساحل وتداعي خطوط الإسناد بالمخا:
* اختلت منظومة الإدارة والسيطرة وسط صمت القرارات وتجمد الغطاء والتخلي المريب..!
* باتت الخطوط الدفاعية عارية أمام ضربات الخصوم وسقطت القلاع متتالية كأوراق الخريف.
ولم يسلم من طوفان الانكسار محور الخوخة وجبهات حيس:
* انقطعت شريانات الإمداد الرئيسية عن ألوية العمالقة والقوات التهامية الشجاعة..!
* أُربكت خطوط القتال وصار المقاتل في مواجهة المكشوف بلا ظهر يحميه.
واكتملت مأساة المسرح بخديعة إعادة الانتشار المثير للجدل في الدريهمي والجاح:
* انسحاب مفاجئ من تخوم الحديدة وتخلٍّ مجاني عن الجاح والمجيلس للرياح الداكنة..!
* تُركت المساحات الشاسعة لقمة سائغة للخصم ليعيد رسم النفوذ دون قطرة دم واحدة.
•••
هذا ليس حديث التثبيط أو نشر اليأس في نفوس الشباب.
بل هو الشفافية المقنعة بيقين القراءة الصحيحة لواقع الميدان العسكري.
المشروع الحقيقي الخفي يسعى لرسم حدود جديدة بالرمال والدماء الزكية.
بسط النفوذ السلفي من شريان منفذ الوديعة إلى موج الحديدة الداكن.
وتترك الجبال العالية العتيدة لأهلها لتخوض بعدها لعبة الحوار الممتد.
فهل يكتمل هذا المخطط الخطير المراد إخراجه للنور..؟
أولًا: لا وألف لا ولن تمر هذه الأوهام بسلام إطلاقًا.
ثانيًا: ستكون الخسارة فادحة والندم يعصر قلوب صانعيها إلى الأبد.
•••
أيها المخدوع في زحام المعركة والضجيج الإعلامي المتصاعد بكثافة.
لا تجعل من جسدك الغالي وقودًا لمعركة ليست معركتك الوطنية الحقيقية.
دمك أطهر وأغلى من كل نفط الأرض وذهبها الزائف والمؤقت.
ستمر الأيام القادمة وتتجلى الحقائق ساطعة كالشمس في ظهيرة النهار.
وسيعلم المخدوعون جميعًا أن المحذرين كانوا عين الحقيقة الناظرة بوضوح.
وأن المتغطي بالسراب السياسي سيبقى عاريًا تمامًا أمام مهب الرياح العاتية.



