السبت 12 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • نصوص وهوامش (3) حول "حكايات واساطير يمنية" لعلي محمد عبده

نصوص وهوامش (3) حول "حكايات واساطير يمنية" لعلي محمد عبده

تشبه لوحات فن رسم نبيل قاسم، لوحات المنمنمات؛ لأن فيها لحظة مائتة، ما تلبث وتصبح لحظة أخرى للرسم؛ فمعظم لوحاته على أوراق عادية وهشة (مسطرة أو ايفور).

لديه أوراق فقط .. أوراق اللحظة، للحظة.. كل رسم لوحة فنيه لديه هي لحظة مبتورة ومقطوع لسانها.
وكأن لحظة فن الرسم، كلحظة ورق شجر وحيد، ساقط على الأرض؛ مقطوع ووحيد.
..
فن الرسم كلوحاته؛ خرساء، لا تتكلم. – لأن فن الرسم لا يتوفر على لسان، وانما يتوفر على شفاه.
- ولكن - ما علاقة ذلك بالحكي والحكايات الشعبية؟.
– فن الحَكَّي كفن الرسم؛ بلا لسان.
ولحظات الحكايات كلحظات الرسم؛ مبتورة ومقطوع لسانها، حتى ولو كان حَكَّيِها كلام، فحكيها يقع على الشفاه.
وكلام الحكايات كلام مائت، لديه كلمات متلعثمة.. وكتابته ككتابة رسم المنمنمات وككتابة فن رسم الخط العربي.
والكلام المائت، بلا خلود وبلا فائدة، ولا يمكن القبض على معناه، لأنه متبدل ومتغير ومتحول، كأدب كافكا: أخرس.
ولذلك ينشأ صداقة بين فن الرسم وفن الحكايات، كصداقة الخرس، وهي من أقوى الصداقات المستمرة والمعمرة، لأن حريتها "لامحدودة".
...
حال صداقات الفن؛ حال حياة ما ينفك نهايتها حتى تبدأ.
وعمل "حكايات واساطير يمنية" لديه حال صداقة مع حَكّيْ جدتي: فيه عُزْلةٍ ومُوتٍ
وموسيقى..
فلا تجمع الحكايات الشعبية - فقط - بين جدتي (عاليا محمد سعد) وعلي محمد عبده، فهناك مصادفات ومفارقات أخرى بينهما.
فرغم اختلاف الاسمين (عاليا وعلي) في عدد الأحرف، إلَّا أنهما يلتقيان في الجذر اللغوي الدَّال على معنى الارتفاع والبعد، وكذلك يلتقيان في الاسم الثاني (محمد).
واسمي (عاليا وعلي) من الاسماء العربية القديمة، والشاهد منحوت الملك ذمار علي ونقشه، والشاهد الآخر، هو نقش ملالة الموسيقى في شعر الغناء الشعبي اليمني، حيث اسم (عاليا) منادى مكرر في بداية غناء شعري شعبي كهذا البيت:
يا عاليا يا سارية الاَنْكاب .. ضَيّْ سِراج قلبي لًاِنْغاب.
..
- يشير اسم عاليا في البيت الشعري الى سحاب طيف قوس قزح.
- الانكاب: تِلَل الجبال.
- لَاِنْغَاب: دمج لكلمتين (لَإن غاب).
..
للأرقام أيضًا حَض في لِعَبِ التشابه بين الجدة وعلي محمد عبده؛ حيث يتكرر الرقم (8) بينهما في مُناسبَّات عِدَّة.
وكما هو معروف، فالرقم (8) من الارقام الزوجية، ويظهر في نمنمة كتابة الأرقام العربية، في مظهرِ اِزدِّواجٍ واحد (حانٍ وملتفٍ على الرقم صفر (0) رمز الفراغ الكوني في الثقافة العربية) ولذلك يعد في الثقافة الشعبية العربية، رقم محظي بالسعادة.
..
كان العام الذي أخذت فيه الجَدَّة حَكَّيْ الحكايات، هو العام الذي صدر فيه عمل "حكايات وأساطير يمنيَّة " لعلي محمد عبده (1978).
ولَكَّن مفارقة التَّشابُه؛ عمل علي محمد عبده، صَدَر وهو في سِنِّ (47) بينما حَكَّي الجدة للحكايات كان في سن (78) أي مع بدايات حياة عزلة الجدة؛ فلاقتها الجدة بالحكايات.
..
في بدايات 1978 تقريبًا، تَسَلَّل العَمَّى والصَنَّج إلى حياة الجدة؛ فكان حَكَّيُ الجدة للحكايات، موسيقى وعلاج.
- الحكايات كالموسيقى؛ عَمَّياء ولا تَسْمَّع، وَتحيا معزولة ووحيدة، ولا تُشْبِّهُهَا سوى حياة عزلة الجدة.
..
ولجت الجدة حياة العزلة، قبل عشرة اعوام من وفاتها (1988) أما علي محمد عبده، فقد ولج حياة العزلة، عندما ولج الزهايمر إلى ذاكرته، نهايات التسعينيات تقريبًا (1998) أي قبل عشر سنوات من وفاته (2008).
..
كان علي محمد عبده وهو يلج حياة العزلة التامة، يفارق الذاكرة بالنسيان التام؛ وكأنه يحقق زمن تكرار الحكايات (زمن المستحيل المطلق) بالنسيان المطلق.
بينما كان حَكَّيُ الجدة في حياة عُزلَّتِها، وكأنه يُحَقُّق الممكن المستحيل الوجود مِنْ زَمنِ الحكايات اللانهائي: سعادة حياة عزلة لانا وحيد من "انا" متكثر تعدده: "انا" الحكايات الشعبية.