السبت 12 سبتمبر 2026

سجن العمق... وحرية السطحية الواعية

سجن العمق... وحرية السطحية الواعية

في زمنٍ تتلاطم فيه عواصف الحياة وتتواتر فيه الأحداث المدمرة، لا خيار أمامنا سوى أن نختبئ في زوايا السطحية الواعية؛ لننجو بأرواحنا من شتات لا ينتهي. هناك فقط، نعيد التوازن لأعماقنا المنهكة، ونمنح النفس استراحة مشروعة بعيدًا عن دمار الواقع وصخب التحليل وثقل الوجود.

زاوية خفية من هذا العالم المتعب، حيث يتلاشى المنطق وتتخشب أوردة حياة اللاإنسان، نجد أنفسنا في حاجة ملهوفة إلى سكون غريب... سكون يلتحف بسطحية واعية، نمنح بها أرواحنا حق الهرب البناء، ونقتنص بها لحظات لا تحفل بوقار الفكر ولا ثقل المعاني.
ما أجمل أن تغازل أسرار المروج الخضراء، أو أن تبوح للبحر بانكساراتك، أن تهمس للجياد بسرك العتيق وعشقك الهائم للبحر ولها، أن تمشي في الأزقة بلا وجهة تُرصَد، أو أن تغني بصوت مرتفع يكسر صمت المدى. ما أروع أن تشاهد فيلمًا يصف الجادين بالسخف لمجرد أنك أردت الركض خلف المرح، أن تبتسم لنكتة ساذجة، أن تسترق الأحاديث البسيطة مع رفاق العمر، أو تلعب لعبة طفولية غاب عنها الزمان، أو تخرج هائمًا بلا هدف، وتدندن مع نغمة شاردة تُحيي فيك ما مات!
إن فكر المرء، وصحة روحه، وسكينة باله، بل حتى خفوق علاقاته الإنسانية، تتآكل حين يربط هويته بعبودية العمق المرهق. حين يتخذ من كل حدثٍ مشهدًا يقتضي التحليل والسببية، فيستحيل العقل معتقلًا يخوض فيه الإنسان امتحانًا أبديًا لا ينتهي.
فذاك الذي يقتفي أثر كل حدث أو كلمة، ويحللها، يشيّع هدوءه الذاتي، وينحر تلقائية حديثه. والذي يحفر أبدًا خلف الدوافع الخفية، سيسقط في جب الشك حتى وإن خلت الأيام من أي سببٍ له! غير أن العاقل الناضج هو من أدرك سر لعبة الحياة؛ يدرك متى يسرج عقله، ومتى يلقي الأعنة ويترك الحياة تمضي وتحدث.
فهناك زوايا في هذا الوجود، وأحداث ولحظات، لا تطالبك بشيء سوى أن تذوب فيها مجرد وجود... فلا تجعل من العمق سجنًا يطبق عليك قيدَه، ولا تنقب عن الرسائل المخبوءة خلف كل جملة، أو ضحكة، أو عابر سَبيل. لا تحول أسرار العلاقات إلى معمل للدراسات النفسية، ولا تجعل من كل عاصفة تصيبك زلزالًا يغير رؤيتك للوجود.
ثمة محطات وأشياء وأحداث، تكمن قيمتها المطلقة والوحيدة في أنها رسمت على وجهك ابتسامة سعادة... وذاك، لعمري، سبب كافٍ وجليل!
ففي أحيان كثيرة، لا يكمن الوعي في أن تستوعب مجريات الآتي وما حدث... بل في أن تتلمس اللحظة الحساسة التي تتوقف فيها عن الفهم، وتترك الحياة تتدفق كما تشاء.
نحن جميعًا، يحرقنا عطش دائم لحياة يقلّ فيها ضجيج التحليل والتفسير وزوايا الحقيقة... وتتّسع فيها المساحة لنستمتع بمحطتنا العابرة قبل أن يطوينا الغياب...