الجغرافيا الخاطئة للحرب: التناقض بين الوظيفة الإقليمية واقتصاد الحرب المحلي
ما يجري في التصعيد العسكري الراهن بين جماعة الحـ..وثي والحكومة اليمنية لا ينبغي أن يُقرأ فقط من زاوية اتساع رقعة الاشتباك أو ارتفاع مستوى القوة النارية، وإنما من زاوية أكثر أهمية: هل تقاتل جماعة الحـ..وثي في الجبهات التي تحقق لها أعلى عائد استراتيجي واقتصادي داخل اليمن، أم أنها تتحرك في جبهات تفرضها عليها وظيفة إقليمية تتجاوز حسابات الاقتصاد المحلي للحرب؟
هذه المسألة تكشف تناقضاً جوهرياً بين اقتصاد الحرب المحلي وبين الوظيفة الجيوسياسية الإقليمية للجماعة. فمن منظور الاقتصاد السياسي للحرب، ليست كل الأراضي متساوية في قيمتها العسكرية. الجبهة الأكثر أهمية ليست بالضرورة الجبهة التي تحقق أكبر قدر من السيطرة الجغرافية، وإنما تلك التي تمكن الطرف المتحارب من تحويل السيطرة العسكرية إلى موارد، وإيرادات، وممرات، ومراكز إنتاج، وقدرة على تمويل الحرب، أو تحسين موقعه التفاوضي. ومن هذه الزاوية تحديداً تبدو المفاضلة بين الجبهة الساحلية- وباب المندب بصورة خاصة- وبين الجبهات الداخلية الغنية بالموارد أكثر وضوحاً.
فالتوجه نحو الساحل الغربي وباب المندب يمنح الحوثيين قيمة استراتيجية دولية تفوق بكثير قيمته الاقتصادية المباشرة بالنسبة إلى اقتصاد الجماعة داخل اليمن. فالمضيق يمثل نقطة اختناق في التجارة الدولية، ويمكن استخدامه كورقة ضغط على الملاحة، وعلى السعودية، وعلى الولايات المتحدة، كما يمكن أن يتحول إلى أداة في إدارة الصراع الإقليمي الأوسع مع إيران. وهذا أصبح أكثر وضوحاً خلال تصعيد 2026، حيث ارتبط التهديد الحوثي للملاحة في البحر الأحمر بصورة مباشرة بالتوتر حول مضيق هرمز والحرب الأمريكية الإيرانية.
لكن المشكلة أن القيمة الجيوسياسية لباب المندب لا تعني بالضرورة أنه أفضل مسرح لبناء اقتصاد حرب حوثي مستدام داخلياً. فالساحل، رغم أهميته الاستراتيجية، يضع الجماعة أمام معادلة عسكرية مختلفة: قوات كبيرة مضادة، مراقبة إقليمية ودولية مكثفة، حساسية مفرطة للممر الملاحي، وقابلية عالية لتحويل أي تقدم ميداني إلى مواجهة إقليمية مباشرة أو غير مباشرة أذا كانت غير راضية. وقد شهدت جبهات الساحل بالفعل تصعيداً حول تعز والمخا وجنوب الحديدة، بالتزامن مع نشاط عسكري متزايد في جبهات أخرى. وهنا تظهر المفارقة "كلما ارتفعت القيمة الدولية للموقع، ارتفعت في الوقت نفسه كلفة الاحتفاظ به والسيطرة عليه".
حساب الداخل اليمني:
كانت ولا تزال مأرب والجوف ومحيطهما تمثلان مجالاً أكثر ارتباطاً بمنطق اقتصاد الحرب المحلي التي كانت تركز عليه الجماعة؛ ليس فقط بسبب موقعهما، وإنما بسبب علاقتهما بمصادر النفط والغاز، والبنية التحتية للطاقة، والطرق، ومراكز الإنتاج والإيرادات، والكتلة السكانية، والموقع العسكري. وقد أعادت محاولة استئناف صادرات النفط في يوليو 2026 إبراز القيمة الاقتصادية لمأرب وقطاع الطاقة مرة أخرى؛ فالحكومة تعتبر النفط أحد أهم مصادر النقد الأجنبي والإيرادات التي تحتاج إليها لاستعادة قدرتها المالية. ومن ثم فإن السؤال الذي ينبغي طرحه ما العائد الاقتصادي الصافي الذي يحصل عليه الحوثيون من كل جبهة مقابل تكلفة السيطرة عليها والدفاع عنها؟ وليس: لماذا يريد الحوثيون الوصول إلى باب المندب؟
معادلة العائد الاستراتيجي للميدان:
المعادلة تنص على أن: "الجبهة الأكثر فائدة في اقتصاد الحرب هي التي تحقق أعلى صافي عائد من الموارد والتمويل والنفوذ مقارنة بتكلفة السيطرة والدفاع والمخاطر الإقليمية". وبهذا المعيار قد تكون هناك فجوة بين الجبهة ذات القيمة الإقليمية والجبهة ذات القيمة الاقتصادية المحلية. فباب المندب يمنح الحوثيين قدرة على التأثير في الاقتصاد الدولي والتفاوض؛ أما مأرب والجوف ومناطق الطاقة فتمنحهم، في حال السيطرة عليها، قدرة أكبر على إنتاج وتمويل اقتصاد الحرب من الداخل وستدامته.
التناقض الاستراتيجي بين الوظيفة والاستدامة:
فالوظيفة الإقليمية للجماعة قد تتطلب منها أن تكون أداة ضغط على الممرات البحرية ومصالح الخصوم، بينما تفرض عليها ديناميكية الحرب الأهلية أن تبحث عن مراكز الموارد والإيرادات التي تمكّنها من تمويل استمرار الحرب وتقليل اعتمادها على التمويل الخارجي. فإذا غلبت الوظيفة الإقليمية على الحساب الداخلي، فقد يجد الحوثيون أنفسهم يستهلكون جزءاً مهماً من قدرتهم العسكرية في جبهات ذات عائد اقتصادي محلي محدود، لكنها ذات قيمة سياسية وإقليمية مرتفعة. وإذا غلب منطق اقتصاد الحرب المحلي للبقاء، فإن الأولوية المنطقية تصبح ضرب أو تطويق مراكز الموارد والإيرادات، ولا سيما تلك المرتبطة بالطاقة والنفط والغاز. وهذا لا يعني أن باب المندب عديم القيمة للحوثيين؛ على العكس، قيمته استثنائية من حيث النفوذ والتفاوض والردع والقدرة على تدويل الحرب. لكن القيمة أكبر بالنسبة إلى الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية منها بالنسبة إلى عملية تراكم الموارد التي يحتاج إليها الحوثيون لبناء اقتصاد حرب ذاتي ومستدام.
وهنا يمكن فهم التصعيد البحري الأخير باعتباره انتقالاً من اقتصاد السيطرة على الأرض إلى اقتصاد السيطرة على الممرات. فالجماعة لا تحتاج بالضرورة إلى احتلال المضيق حتى تستخرج منه قيمة اقتصادية وسياسية؛ يكفيها أحياناً امتلاك القدرة على تهديد الملاحة ورفع تكلفة المرور وتحويل الموقع الجغرافي إلى ورقة تفاوض. وقد أصبحت هذه الوظيفة أكثر وضوحاً في 2026 مع الربط بين باب المندب وهرمز في الحسابات الإيرانية والإقليمية.
الحرب ومفارقة القرار الداخلي:
كلما نجح الحوثيون في تدويل الجبهة البحرية، تقلصت استقلالية قرارهم العسكري المحلي. فالجبهة التي تتحول إلى ورقة في صراع إقليمي تصبح مرتبطة بحسابات أطراف أخرى، وقد لا تعود الأولوية فيها لتعظيم الموارد الداخلية للجماعة، وإنما لتعظيم تكلفة الخصم الإقليمي. ومن هنا يواجه الحوثيون أخطر التناقضات في المرحلة القادمة حتى وإن توقفت الحرب:(قد يحققون انتصارات تكتيكية ذات قيمة إقليمية، بينما يخسرون تدريجياً شروط البقاء الاقتصادي للحرب).
بداية السقوط الدرامتيكي:
يبدأ السقوط الدراماتيكي ليس بالضرورة من هزيمة عسكرية مفاجئة، أو من تحقيق سيطرة هنا وهناك، وإنما من انهيار في العلاقة بين حجم الالتزامات العسكرية وبين القدرة على تمويلها. فالجماعة التي تسيطر على جغرافيا ذات كثافة سكانية عالية تستطيع تحصيل موارد كبيرة، لكنها في الوقت ذاته تتحمل تكلفة أمنية وعسكرية وإدارية متزايدة. وإذا أصبحت الجبهات ذات العائد الاقتصادي المرتفع بعيدة عن متناولها، بينما تستهلك الجبهات ذات القيمة الإقليمية قدراتها العسكرية، فإن اقتصاد الحرب يبدأ في الدخول في فجوة تمويلية استراتيجية. وهنا يتجلى مفهوم "تكلفة التمرد" الذي يمثل أحد المفاتيح الأساسية لفهم مستقبل الجماعة. فالتمرد لا يسقط عندما يصبح ضعيفاً عسكرياً فقط؛ وإنما عندما تصبح تكلفة استمرار التمرد أكبر من قدرته على توليد الموارد التي تموّله وتجعله قابلاً للحياة. وهنا يكمن التناقض: ما قد يكون مفيداً لإيران في حرب المضايق قد لا يكون بالضرورة الخيار الأمثل للحوثيين في اقتصاد الحرب. قد يستطيع الحوثي أن يكون قوة إقليمية وقوة جباية في آن واحد، لكن السؤال الحاسم هو: هل يستطيع أن يكون الاثنين بالقوة نفسها، وفي الوقت نفسه، وتحت ضغط حرب طويلة؟
وإذا استمر هذا الانفصال بين الجغرافيا المطلوبة إقليمياً والجغرافيا الأكثر إنتاجاً للموارد محلياً، فقد يجد الحوثيون أنفسهم في وضع شديد التعقيد: قوة قادرة على إحداث اضطراب إقليمي كبير، لكنها أقل قدرة على تحويل ذلك الاضطراب إلى موارد مستدامة تعوض تكاليف الحرب الداخلية. وبذلك لا يكون الخطر الحقيقي على الحوثيين هو مجرد فتح جبهات متعددة فقط، وإنما اختلال العلاقة بين الجبهة والموارد. وعندما ينفصل القرار العسكري عن هذه القاعدة، تتحول القوة العسكرية من أداة لتراكم الموارد إلى أداة لاستنزافها. وتبدأ نهاية التمرد من المكان الذي بدا منه مصدر القوة الخارجية "إيران".



