انسحابات الساحل وباب المندب: قرار سياسي أم هزيمة عسكرية؟
لا يمكن قراءة الانسحابات التي شهدها الساحل الغربي ومحيط باب المندب باعتبارها مجرد تحولات عسكرية ميدانية، أو هزائم تتحمل مسؤوليتها القيادات العسكرية الموجودة على الأرض وحدها. فمثل هذه الانسحابات، بحجمها وموقعها الجغرافي ودلالاتها الاستراتيجية، تستدعي قراءة أوسع تربط بين الميدان وبين القرار السياسي الذي يحدد اتجاه الحرب وأولوياتها وحدودها.
ومن هذه الزاوية، يصبح الخطاب الرسمي للرئاسة اليمنية بشأن البحر الأحمر وباب المندب مفتاحًا مهمًا لفهم ما يجري. فالتأكيد على أن أمن البحر الأحمر وباب المندب «شأن عربي ودولي وليس شأنًا يمنيًا فحسب» يعكس، في أحد أبعاده، تحولًا في طريقة تقديم القضية، من مسؤولية يمنية مباشرة عن حماية الأرض والممرات البحرية إلى قضية أمن إقليمي ودولي تحتاج إلى مشاركة قوى عربية ودولية.
وقد يكون هذا الخطاب، في أحد أبعاده، محاولة لإعادة تعريف المشكلة في ظل واقع عسكري وسياسي معقد. فحين تعجز القوات الحكومية، نتيجة إنهاك الحرب وتعدد مراكز القرار والتشكيلات العسكرية، عن الاحتفاظ بقدرة مستقلة على حماية الساحل والممرات البحرية، يصبح في نظر الرئاسة قرار تدويل حماية باب المندب أحد الخيارات التي يمكن أن تغطي جانبًا من عجز الحكومة اليمنية عن حماية أمنها المائي، في ظل التفوق العسكري لسلطة صنعاء الانقلابية.
وهنا لا يعود الانسحاب مجرد تحرك عسكري، وإنما يمكن أن يُقرأ باعتباره رسالة سياسية إلى المجتمع الإقليمي والدولي، مفادها أن القوات الحكومية اليمنية والسعودية لا تستطيعان الاستمرار في تحمل مسؤولية حماية الساحل الغربي وباب المندب بمفردهما، وأن حماية الممر المائي الدولي في البحر الأحمر تتطلب إسنادًا عسكريًا مصريًا وعربيًا ودوليًا مباشرًا في مواجهة سلطة صنعاء الانقلابية.
ومن ثم، فإن قرار الانسحاب من الساحل قرار سياسي قبل أن يكون قرارًا ميدانيًا، ومن الخطأ، في تقديري، تحميل القيادات العسكرية الموجودة في الميدان وحدها مسؤولية الانسحاب من مواقع استراتيجية، مادام القرار في اعتقادي جاء في إطار توجيهات سياسية أو تفاهمات بين الرئاسة اليمنية والجانب السعودي.
فالقيادة العسكرية تنفذ، في نهاية المطاف، قرارًا سياسيًا يتعلق بحدود المواجهة، وحجم الدعم الجوي واللوجستي، وطبيعة الانتشار، والأهداف المطلوب تحقيقها. ولذلك فإن تقييم الانسحاب باعتباره خيانة عسكرية أو هزيمة ميدانية، دون البحث في الجهة التي اتخذت قرار إعادة التموضع، والظروف التي سبقت القرار، والأهداف السياسية والعسكرية الكامنة وراءه، قد يؤدي إلى تحميل المسؤولية لمن لا يملك القرار الحقيقي.
وبهذا المعنى، فإن السؤال الأهم ليس فقط: لماذا انسحبت القوات الحكومية؟ وإنما من قرر الانسحاب؟ ولماذا؟ وما الذي كان مطلوبًا تحقيقه من خلاله؟ وهل كان الانسحاب نتيجة عجز عسكري فرض نفسه في الميدان، أم أنه جاء في إطار إعادة ترتيب للأولويات السياسية والعسكرية؟
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الحقيقي أكبر من توصيف الانسحاب بأن هزيمة أو قرار عسكري. فالمعيار الأهم هو معرفة الجهة التي اتخذت القرار، والأهداف التي أرادت تحقيقها، والنتائج التي ترتبت عليه. وعندها فقط يمكن تحديد ما إذا كانت الانسحابات تعبيرًا عن عجز عسكري، أم مناورة سياسية، أم جزءًا من ترتيبات إقليمية ودولية أوسع تتجاوز حدود الساحل الغربي وباب المندب.



