عبدالرقيب عبدالوهاب بين الرواية الرسمية وحقيقة الصراع(4-1)

في الذكرى الثامنة والخمسين لاستشهاد القائد الوطني النقيب عبدالرقيب عبدالوهاب، نستعيد سيرة رجل اختصر في سبع سنوات فقط (1962-1969) جوهر الثورة اليمنية: الإيمان، والنزاهة، والشجاعة، والانحياز المطلق للجمهورية والشعب.
لم يكن عبدالرقيب مجرد ضابط مرّ في تاريخ الجيش اليمني، وإنما كان واحدًا من ذلك الجيل الذي خرج من رحم ثورة 26 سبتمبر، وحمل الجمهورية باعتبارها مشروع دولة لا مجرد تغيير في رأس السلطة. ولذلك بقي اسمه مرتبطًا بأصعب لحظة مرت بها الجمهورية الوليدة: حصار صنعاء، ثم بالصراع الذي أعقب الانتصار، حين بدأ السؤال ينتقل من: كيف نحمي الجمهورية؟ إلى سؤال أكثر خطورة: أي جمهورية نريد؟ وأي جيش سيحميها؟
ولد الشهيد في 28 يناير 1943م بقرية ذلقيان، عزلة ذبحان، مديرية الشمايتين بمحافظة تعز. تلقى تعليمه الأولي في قريته، ثم انتقل إلى عدن حيث درس وعمل في المطابع، قبل أن يلتحق مبكرًا بالحركة الوطنية.
ومع اندلاع ثورة 26 سبتمبر 1962م التحق بالجيش الجمهوري، وبرز سريعًا كأحد الضباط الأحرار الذين جمعوا بين الكفاءة العسكرية والروح الوطنية.
تلقى تدريبه العسكري في الكلية الحربية بالقاهرة وتخرج عام 1964م، كما تلقى دورات في الصاعقة والمظلات. وبعد عودته إلى صنعاء عُيّن قائدًا لمدرسة الصاعقة، ثم قائدًا لقوات الصاعقة، وفي عام 1968م أصبح رئيس هيئة الأركان العامة.
وتنسب إليه واحدة من أكثر الوقائع دلالة على مكانته بين العسكريين، إذ انتُخب رئيسًا لهيئة الأركان من قبل وحدات القوات المسلحة، جنودًا وضباطًا، في سابقة تعكس حجم الثقة التي كان يحظى بها داخل الجيش.
بطل حصار السبعين
حين حوصرت صنعاء سبعين يومًا في أواخر عام 1967 وبدايات عام 1968، كانت الجمهورية أمام أخطر اختبار منذ قيامها.
وبعد انسحاب القوات المصرية، واشتداد الهجمات الملكية، وفرار عدد من القيادات أو ابتعادها عن ميدان المواجهة، وجد الضباط الشباب أنفسهم في مقدمة المعركة.
وكان عبدالرقيب واحدًا من أبرز هؤلاء.
قاد قوات الصاعقة والمظلات، وشارك في معارك حاسمة على عدد من الجبهات، وكان حضوره في ميدان القتال جزءًا من القيادة العسكرية التي أدارت الدفاع عن العاصمة حتى انكسر الحصار.
وتؤكد شهادات معاصرين أن قوات المقاومة والجيش الجمهوري استطاعت تنفيذ عمليات هجومية ناجحة ضد القوات الملكية، وأن عبدالرقيب كان في قلب تلك العمليات. وتذكر شهادات عن معارك الحصار أن قوات من الشرطة العسكرية والصاعقة نفذت هجومًا مضادًا على مواقع الملكيين قرب جبل عصر، وتمكنت من مطاردتهم وأسر عدد منهم والاستيلاء على أسلحتهم.
ولهذا فإن محاولة اختزال انتصار السبعين في شخص واحد، أيًا كان ذلك الشخص، تظلم عشرات الضباط والجنود والمقاومين الذين قاتلوا في تلك الملحمة.
كان الانتصار عملًا جماعيًا.
لكن عبدالرقيب كان أحد أبرز رموزه العسكرية.
من انتصار الجمهورية إلى الصراع داخل الجمهورية
بعد فك الحصار بدأت مرحلة أكثر تعقيدًا.
فقد انتقل الصراع من الجمهورية والملكية إلى صراع داخل المعسكر الجمهوري نفسه. وبدأ الخلاف حول طبيعة الدولة والجيش ومراكز النفوذ، وحول الدور الذي ينبغي أن تؤديه القوى التقليدية والقبلية في الدولة الجديدة.
وكان عبدالرقيب ينتمي إلى جيل من الضباط الذين رأوا في بناء الجيش الحديث شرطًا لبناء الجمهورية.
وهنا اصطدم مشروعان:
مشروع يريد جيشًا مؤسسيًا حديثًا، تكون ولاءاته للدولة والجمهورية؛ ومشروع آخر كانت فيه شبكة النفوذ التقليدية والقبلية والسياسية أكثر حضورًا في صناعة القرار.
وتكشف مذكرات القاضي عبدالرحمن الإرياني، بحسب ما نُقل منها، جانبًا مهمًا من طبيعة هذا الصراع. ففي حديثه عن الخلافات التي سبقت أحداث أغسطس 1968، حمّل الإرياني عبدالرقيب ورفاقه مسؤولية كبيرة، واتهمهم بالحزبية والتأثر بعدن.
لكن المفارقة اللافتة أن رواية الإرياني نفسها، كما يلاحظ دارسو مذكراته، تستعيد في مواضع أخرى الدور الذي قام به هؤلاء الضباط في حماية الجمهورية.
وهذه المفارقة تستحق التوقف عندها؛ لأن التاريخ لا يصبح أكثر عدلًا عندما نختار منه ما يخدم رواية سياسية واحدة.
التحذير الذي لم يُسمع
ومن الشواهد التي تكشف طبيعة الصراع ما ينقل عن مذكرات الإرياني من حوار بينه وبين عبدالرقيب، قال فيه له:
«أنا أنذرك من الآن، إنك إذا كنت مرتكنًا إلى تفوقك العسكري على الجناح الثاني؛ فإنك قد أهملت الجانب الأهم وهو جانب القبائل».
وتكشف هذه العبارة، بصرف النظر عن تقييمنا السياسي لها، أن الصراع لم يكن مجرد خلاف شخصي بين ضباط، وإنما كان صراعًا على موازين القوة داخل الجمهورية.
فعبدالرقيب كان يملك قوة عسكرية ومكانة كبيرة بين الضباط، بينما كانت القوى التقليدية تمتلك شبكة اجتماعية وقبلية وسياسية واسعة.
وفي أحداث أغسطس ظهر أثر هذا الاختلاف بصورة واضحة.
الاستقالة والإبعاد
بعد انتهاء حصار السبعين، دخل عبدالرقيب في صدامات سياسية وعسكرية متزايدة.
وقدم استقالته في أبريل 1968، ثم عاد عنها تحت ضغوط القيادات السياسية والعسكرية.
وبعد أحداث أغسطس تعرض مع عدد من الضباط للإبعاد إلى الجزائر.
ولم يكن الإبعاد مجرد انتقال جغرافي.
فإبعاد الضباط الذين صنعوا شرعية الجيش الجمهوري من ميدان المواجهة كان يعني إبعاد قوة اجتماعية وعسكرية كان لها وزنها داخل المؤسسة العسكرية.
وكان عبدالرقيب تحديدًا يمثل مشكلة أكبر؛ لأنه لم يكن مجرد ضابط يمكن استبداله، بل كان يحمل رصيدًا رمزيًا صنعته المعارك وثقة الجنود والضباط به.
العودة إلى صنعاء
عاد عدد من الضباط المبعدين إلى صنعاء، بينما توجه آخرون إلى عدن.
أما عبدالرقيب، فقد عاد من عدن إلى الشمال، مدفوعًا -بحسب عدد من الروايات- بقناعته بأن بقاءه خارج البلاد ليس حلًا، وأن الجمهورية التي قاتل من أجلها تستحق أن يبقى فيها.
وتبدأ هنا واحدة من أكثر صفحات حياته غموضًا.
رواية أحمد حنظل
من أهم الشهادات التي وصلتنا رسالة اللواء أحمد حنظل، التي كتبها تعقيبًا على رواية سابقة عن اللحظات الأخيرة من حياة عبدالرقيب.
يقول حنظل إن عبدالرقيب عاد إلى جبل المدور، حيث كانت توجد قوات من الصاعقة، ثم سعى عبر العميد حسين الدفعي إلى الحصول على ضمان للقاء الفريق حسن العمري.
وبحسب روايته، وافق العمري على استقباله، فجاء عبدالرقيب إلى منزله ومكث هناك يومين.
لكن زيارة سالم صالح الهمامي، قائد الصاعقة الذي خلف عبدالرقيب، إلى منزل العمري أثارت شكوكه، فخشي أن يكون وجوده هناك مقدمة لتسليمه أو اعتقاله.
فغادر المنزل وقفز من فوق السور، ولجأ إلى منزل العميد علي سيف الخولاني.
وتقول رواية حنظل إن الخولاني أبلغ القيادة بوجود عبدالرقيب لديه، فتحركت قوة إلى المنزل.
وهنا تبدأ الروايات في الاختلاف جذريًا.
فبحسب رواية حنظل، أطلق عبدالرقيب ست طلقات من مسدسه، ثم كانت الطلقة السابعة -بحسب شهادته- من نصيبه.
لكن هذه الرواية واجهت اعتراضات وشهادات أخرى تنفيها.
رواية يحيى مصلح: قتلٌ بعد حصار
اللواء يحيى مصلح مهدي يقدم رواية مختلفة تمامًا.
فبحسب شهادته، عاد عبدالرقيب إلى صنعاء واستقر فيها، وكان يزور بعض زملائه، الأمر الذي أثار مخاوف السلطة.
وتقول روايته إن عبدالرقيب استُدعي إلى منزل الفريق حسن العمري، ودار بينهما حديث شديد اللهجة.
ثم أخبره أحد الأشخاص -بحسب الرواية- بأنه سيُقتل تلك الليلة.
فأخذ سلاحًا من أحد الجنود وقفز من فوق السور، ولجأ إلى منزل علي سيف الخولاني.
وتقول الرواية إن الخولاني أخلى المنزل من أسرته، ثم خرج وأبلغ عنه.
فحوصِر المنزل طوال الليل.
وفي الصباح أُرسلت إليه مجموعة من الضباط، وطُلب منه أن يسلم نفسه، وتذكر الرواية أن اللواء حمود الجائفي، الذي كان يسكن بالقرب من المنزل، كان يمكن أن يكون وسيطًا لتسليمه، لكنه لم يفعل.
ثم بدأ إطلاق النار.
وتقول رواية يحيى مصلح إن عبدالرقيب قاتل حتى قُتل، ثم سُحب جثمانه بواسطة مدرعة في شوارع صنعاء وصولًا إلى ميدان التحرير.
رواية جار الله عمر
وتأتي رواية منسوبة إلى جار الله عمر لتضيف بعدًا سياسيًا إلى المشهد.
فبحسب ما نُقل من مذكراته، فإن عبدالرقيب كان قد طلب من علي سيف الخولاني أن يوصل إلى حسن العمري رسالة مفادها أنه يريد أن يعيش في وطنه، لا أن يبقى في المنافي.
وكان هذا الطلب في حد ذاته ذا دلالة.
فالرجل لم يعد إلى صنعاء ليقود انقلابًا معلنًا، بحسب هذه الرواية، وإنما عاد إلى وطنه، وطلب أن يعيش فيه.
لكن منزل الخولاني تحول إلى آخر محطة في حياته.
وبحسب الرواية، أُبلغت القيادة بوجوده، فحُوصر المنزل، وانتهت المواجهة بمقتله، ثم سُحب جثمانه إلى ميدان التحرير.
وهذه الرواية تتقاطع مع شهادة يحيى مصلح في نقاط أساسية، وإن اختلفت بعض التفاصيل.
ماذا تقول هذه الشهادات مجتمعة؟
عندما نضع رواية أحمد حنظل إلى جانب رواية يحيى مصلح وما نُسب إلى جار الله عمر، نجد اختلافًا كبيرًا حول الطلقة الأخيرة، لكننا نجد نقاط تقاطع أكثر أهمية:
عاد عبدالرقيب إلى صنعاء.
حاول الاتصال بالقيادة.
دخل منزل حسن العمري.
غادره في ظروف أثارت مخاوفه.
لجأ إلى منزل علي سيف الخولاني.
أُبلغت القيادة بمكانه.
حُوصر المنزل.
وقُتل عبدالرقيب هناك.
ثم انتقل جثمانه إلى ميدان التحرير.
وهذه النقاط المشتركة تجعل من الصعب اختزال القضية في رواية بسيطة تقول إن ضابطًا مسلحًا اشتبك مع قوة جاءت للقبض عليه وانتهت الحادثة بموته.
فالظروف المحيطة بالحادثة، وتسلسل الاتصالات والزيارات والحصار، تجعلها واحدة من أكثر الوقائع السياسية والعسكرية غموضًا في تاريخ الجمهورية الأولى.
وماذا عن السحل؟
أما قصة سحل الجثمان، فهي من أكثر الوقائع إثارة للجدل.
هناك شهادات وروايات تاريخية تؤكد أن جثمان عبدالرقيب سُحب في شوارع صنعاء إلى ميدان التحرير.
وتشير إحدى الروايات إلى أن الجثمان سُحب من منطقة الشرطة والقاع، مرورًا بعدد من الشوارع، حتى وصل إلى التحرير.
كما تروي شهادات أن الشيخ أحمد علي المطري والعميد مجاهد أبو شوارب تدخلا بعد وصول الجثمان إلى ميدان التحرير، واستنكرا ما جرى، وساهما في وقف المشهد، ثم سُلّم الجثمان لأبناء منطقته، فكُفّن وصُلي عليه ودُفن في مقبرة خزيمة.
لكن، في مقابل هذه الروايات، توجد رواية من أسرة الشهيد تنفي تعرض الجثمان للسحل.
ومن الإنصاف التاريخي ألا نتعامل مع هذه الجزئية بوصفها حقيقة نهائية ما لم نضع جميع الشهادات والوثائق الأصلية أمام الباحث.
لكن حتى إذا وضعنا خلاف السحل جانبًا، تبقى واقعة مقتل رئيس أركان الجيش الجمهوري في تلك الظروف مسألة تستحق التحقيق التاريخي العميق.
المفارقة الكبرى في الرواية الرسمية
هنا تبرز نقطة أخرى بالغة الأهمية.
فالرواية التي نُقلت عن الرئيس القاضي عبدالرحمن الإرياني وعن الفريق حسن العمري قدمت تفسيرًا لمقتل عبدالرقيب يختلف عن روايات الشهود الذين رأوا الحادثة من زاوية أخرى.
وهذا يجعل مذكرات الإرياني مصدرًا مهمًا، لكن ليس باعتبارها شهادة عيان بالضرورة، وإنما باعتبارها شهادة طرف سياسي كان في قمة هرم الدولة آنذاك.
والفرق كبير بين الأمرين.
فإذا كان الإرياني ينقل رواية السلطة عن الحادثة، فإن قيمة مذكراته لا تكمن فقط في إثبات الرواية، وإنما في كشف الطريقة التي كانت السلطة تنظر بها إلى عبدالرقيب وإلى الصراع الذي انتهى بمقتله.
ومن هنا ينبغي قراءة مذكراته إلى جانب شهادات أحمد حنظل ويحيى مصلح وجار الله عمر، لا بدلًا منها.
وقد أشارت دراسات تناولت مذكرات الإرياني إلى أن الرجل حمل عبدالرقيب ورفاقه مسؤولية كبيرة عن تفجر الصراع داخل الجيش، واعتبرهم أصحاب توجهات حزبية مرتبطة بعدن، لكنه في الوقت نفسه يذكر دورهم في حماية الجمهورية في مواضع أخرى من روايته.
وهذه الازدواجية ليست تفصيلًا هامشيًا؛ إنها مفتاح لفهم المرحلة كلها.
لماذا كان عبدالرقيب خطرًا؟
ربما يكون السؤال الأهم ليس:
من أطلق الرصاصة التي أنهت حياة عبدالرقيب؟
وإنما:
لماذا أصبح عبدالرقيب نفسه مشكلة سياسية؟
كان الرجل يمتلك ثلاثة أنواع من الشرعية:
شرعية الثورة.
وشرعية الميدان.
وشرعية الجيش.
فهو ضابط جمهوري شارك في الثورة، وقائد عسكري ارتبط اسمه بالدفاع عن صنعاء، ورئيس أركان حظي بثقة داخل وحدات القوات المسلحة.
وهذه الشرعيات الثلاث جعلته مختلفًا عن ضابط يمكن عزله أو نقله بقرار إداري.
ولذلك فإن الصراع حوله لم يكن صراعًا على وظيفة رئيس الأركان فقط.
كان صراعًا على مستقبل المؤسسة العسكرية نفسها.
من يكتب تاريخ السبعين؟
ثمة محاولة لاحقة في بعض الروايات لتهميش عبدالرقيب في قصة الانتصار على حصار صنعاء.
وتوجد بالفعل روايات تجعل الفريق حسن العمري الشخصية العسكرية الأساسية في فك الحصار، بينما تقلل من دور عبدالرقيب أو تنفي عنه دورًا رئيسيًا.
لكن شهادات أخرى، ومواد تاريخية عن الحصار، تؤكد وجود عبدالرقيب في القيادة العسكرية للمقاومة، وتذكر دوره في العمليات العسكرية.
والإنصاف لا يقتضي أن نستبدل أسطورة بأسطورة.
فليس المطلوب أن نسحب بطولة السبعين من حسن العمري لنمنحها لعبدالرقيب، وإنما أن نعيد البطولة إلى مكانها الصحيح: إلى الجيش الجمهوري والمقاومة الشعبية والضباط والجنود الذين صمدوا في صنعاء سبعين يومًا.
لكن من الظلم التاريخي أيضًا أن يُمحى اسم عبدالرقيب من هذه الملحمة.
عبدالرقيب وسؤال الجمهورية
إن قصة عبدالرقيب عبدالوهاب ليست قصة رجل قتل في يناير 1969م وانتهى الأمر.
إنها قصة الجمهورية نفسها.
فالرجل الذي قاتل الملكيين دفاعًا عن النظام الجمهوري، وجد نفسه بعد الانتصار في مواجهة قوى جمهورية أخرى.
والضابط الذي كان مطلوبًا منه أن يحمي الدولة، وجد أن الدولة نفسها لم تعد قادرة على حمايته.
والجيش الذي كان يريد بناءه كمؤسسة وطنية، بدأ يتنازعه الولاء للأشخاص والمراكز والقوى التقليدية.
وهنا تصبح مأساة عبدالرقيب أعمق من اغتياله.
لقد كان السؤال الذي قاتل من أجله هو: هل تكون الجمهورية دولة مؤسسات، أم تتحول إلى موازين نفوذ؟
وكان الثمن الذي دفعه، في نهاية المطاف، حياته.
بطل لم تنصفه الجمهورية
اغتيل عبدالرقيب عبدالوهاب، أو قُتل في ظروف لا تزال تفاصيلها موضع خلاف تاريخي، لكنه لم يُقتل من الذاكرة.
فالذين حاولوا طمس اسمه لم يدركوا أن التاريخ لا يُكتب فقط في البيانات الرسمية.
التاريخ تكتبه شهادات الجنود.
وتحفظه ذاكرة المدن.
وتنقله مذكرات الرجال الذين عاشوا الأحداث.
وتبقى الأسئلة التي لم تجد جوابًا كاملًا أكثر إزعاجًا من الإجابات الجاهزة.
من أعطى الأمر؟
لماذا عاد عبدالرقيب إلى صنعاء رغم المخاطر؟
لماذا استُدعي إلى منزل العمري؟
لماذا غادره هاربًا؟
لماذا لجأ إلى منزل علي سيف الخولاني؟
من الذي أبلغ القيادة بمكانه؟
لماذا لم تتم عملية اعتقاله بصورة طبيعية إذا كان المطلوب مجرد اعتقاله؟
ومن الذي اتخذ القرار بشأن جثمانه بعد مقتله؟
هذه ليست أسئلة لإحياء خصومات الماضي، وإنما أسئلة المؤرخ.
فالأمم التي لا تحقق في قتل رموزها، تترك الباب مفتوحًا لإعادة إنتاج الجريمة بأسماء جديدة.
الخلود
كان عبدالرقيب عبدالوهاب أكبر من منصب، وأبعد من أن تختصره رتبة، وأقرب إلى الناس من أن يمحوه قرار سياسي.
كان واحدًا من أولئك الضباط الذين حملوا الجمهورية قبل أن تتحول إلى سلطة، ودافعوا عنها عندما كانت مهددة بالسقوط، ثم وجدوا أنفسهم بعد الانتصار أمام صراع جديد على معناها.
ولهذا سيبقى عبدالرقيب عبدالوهاب في الذاكرة اليمنية لا بوصفه مجرد رئيس أركان، وإنما بوصفه أحد رموز الجيل الجمهوري الذي دفع ثمنًا باهظًا من أجل دولة لم تكتمل.
لقد حاولوا أن يقتلوا الرجل.
ثم حاولت السياسة أن تقتل سيرته.
وحاولت الروايات المتصارعة أن تسرق منه بطولة السبعين.
لكن الأبطال لا يُمحون.
قد تتغير الروايات، وقد تتبدل السلطات، وقد تُطمس الوثائق، لكن تبقى الحقيقة تبحث عن طريقها.
وسيظل عبدالرقيب عبدالوهاب واحدًا من أنقى ضباط الثورة اليمنية، وبطلًا من أبطال السبعين، ورمزًا لذلك السؤال الذي لم تجب عليه الجمهورية اليمنية حتى اليوم:
هل نبني دولة تحمي رجالها ومؤسساتها، أم دولة يظل فيها الرجال والمؤسسات رهائن لمراكز القوة؟
المجد والخلود للشهيد عبدالرقيب عبدالوهاب.
والمجد لكل شهداء الثورة والجمهورية.
وعاشت الجمهورية اليمنية حرة، مستقلة، دولةً للمواطنة والقانون.
-------
تذييل توثيقي
مصدر مهم يستحق القراءة: «عبدالرقيب عبدالوهاب.. سؤال الجمهورية»
ومن المصادر الحديثة التي أضافت إلى قضية عبدالرقيب عبدالوهاب مادة بحثية تستحق التوقف، كتاب «عبدالرقيب عبدالوهاب.. سؤال الجمهورية» للباحث والصحفي توفيق السامعي، الصادر عن مؤسسة أروقة للنشر والدراسات والترجمة في يناير 2025م، في نحو 300 صفحة موزعة على ثمانية عشر بابًا.
وتنبع أهمية الكتاب من أنه لا يكتفي بسرد سيرة عبدالرقيب أو إعادة رواية حادثة مقتله، وإنما يحاول البحث في الجذور السياسية والعسكرية التي أفضت إلى تصفيته، ابتداءً من الظروف التي أحاطت بالجمهورية والجيش بعد ثورة 26 سبتمبر، مرورًا بحصار السبعين، ثم الصراع الجمهوري ـ الجمهوري وأحداث أغسطس 1968، وصولًا إلى النهاية المأساوية لعبدالرقيب.
وبحسب التعريف المنشور للكتاب، اعتمد مؤلفه على مذكرات عدد من الشخصيات الفاعلة في الجمهورية، وعلى روايات شفوية لمعاصري تلك المرحلة، محاولًا تقديم قراءة من مختلف زوايا الصراع، لا الاكتفاء بالرواية الرسمية التي تشكلت في ذلك الوقت.
واللافت في عنوان الكتاب نفسه، «سؤال الجمهورية»، أن المؤلف لا يجعل عبدالرقيب هو السؤال الوحيد، وإنما يجعل من مصيره سؤالًا للجمهورية التي دافع عنها:
كيف أمكن لجمهورية حماها عبدالرقيب في حصار السبعين أن تنتهي إلى تصفيته بعد أقل من عام من ذلك الانتصار؟
وهذا السؤال يتجاوز شخص عبدالرقيب إلى جوهر التحول الذي أصاب الجمهورية والجيش بعد حصار السبعين؛ إذ يرى الكتاب أن تصفية بطل السبعين لا يمكن فصلها عن الصراع على طبيعة الدولة، وعن التحولات التي طرأت على المؤسسة العسكرية، وعن صعود نفوذ القوى التقليدية والقبلية على حساب المشروع المؤسسي الذي حمله عدد من ضباط الثورة.
ومن هنا فإن قراءة عبدالرقيب عبدالوهاب لا ينبغي أن تتوقف عند لحظة مقتله في يناير 1969م؛ فالرصاصة التي أنهت حياته كانت خاتمة لمسار أطول من الصراع على الجمهورية نفسها.
ويبقى كتاب «عبدالرقيب عبدالوهاب.. سؤال الجمهورية» إضافة مهمة إلى المصادر التي ينبغي الرجوع إليها، خصوصًا في ظل تعدد الروايات حول حياته الأخيرة، واختلاف الشهادات حول ظروف مقتله ومصير جثمانه.
والمأمول أن تتسع دائرة البحث في هذه القضية، وأن تُجمع شهادات من بقي من معاصري تلك المرحلة، وتُراجع المذكرات والوثائق العسكرية والسياسية، حتى تنتقل قضية عبدالرقيب من دائرة الروايات المتوارثة إلى دائرة التاريخ الموثق القابل للتحقيق والمراجعة.
فعبدالرقيب لم يكن مجرد رجل مات في صراع على السلطة؛ بل إن الطريقة التي انتهت بها حياته تقول شيئًا عميقًا عن الطريقة التي بدأت بها الجمهورية نفسها تنحرف عن بعض أحلام رجالها الأوائل.
ولهذا يظل السؤال قائمًا:
لماذا قتلت الجمهورية واحدًا من أبرز الذين قاتلوا من أجل بقائها؟
ولعل هذا هو بالضبط «سؤال الجمهورية» الذي أراد توفيق السامعي أن يفتحه بكتابه.



