الجمعة 11 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • من أجل من تتحاربون؟ لا تتحاربوا لتموتوا وتُميتوا

من أجل من تتحاربون؟ لا تتحاربوا لتموتوا وتُميتوا

اليوم، وأنا أتصفح مواقع شبكات التواصل الاجتماعي، أرى وجوهًا أعرفها جيدًا. أرى ابن الجار، وابن الخالة، وصاحب الدكان، وزميل الدراسة والعمل. أراهم جميعًا في صورة واحدة: بزات عسكرية، بنادق، وابتسامات قد تخفي وراءها الكثير من الألم.

أتساءل: من أجل من يتحارب هؤلاء؟ ومن المستفيد من استمرار هذه الحرب؟
هل يتحارب اليمنيون من أجل وطنهم؟
وهل الوطن يُبنى بالرصاص، ويُستعاد بالدماء، وتُحفظ كرامته بتدمير مدنه وقراه وتشريد أبنائه؟
لقد طال أمد الحرب، وتغيرت الوجوه والمواقع والشعارات، لكن شيئًا واحدًا لم يتغير: المواطن اليمني هو الذي يدفع الثمن.
ففي جبهات القتال، يقف يمني في مواجهة يمني، وقد يكون من يقابله في الخندق الآخر أخًا له، أو قريبًا، أو ابن قبيلة، أو جارًا، أو زميلًا عرفه بالأمس. وربما لا يعرف أحدهما لماذا يقاتل الآخر، ولا ماذا سيكون مصيرهما بعد أن تنتهي المعركة.
إنها مأساة أن يتحول أبناء الوطن الواحد إلى وقود لحرب لا يعرفون نهايتها، بينما أصحاب المصالح والحسابات السياسية يستطيعون أن يبقوا بعيدين عن خطوط النار.
يا أبناء وشباب اليمن، لا تتحاربوا من أجل أن يموت بعضكم ويعيش غيركم.
فالحرب لم تمنح المواطن أمنًا، ولم توفر له راتبًا، ولم تفتح له طريقًا، ولم تعالج مريضًا، ولم توفر للطفل مدرسة، ولم تمنح الأسرة حياة كريمة.
بل تركت خلفها الخراب والدمار، والفقر والجوع، والنزوح والمرض، وقطعت أوصال البلاد، وأغلقت الطرق والمطارات والمنافذ، وجعلت أبسط حقوق المواطن حلمًا بعيد المنال.
فما الذي جنيناه بعد كل هذه السنوات؟
هل أصبح اليمن أكثر أمنًا؟
هل أصبح اليمنيون أكثر رفاهًا؟
هل تحسنت الخدمات؟
هل عادت الدولة؟
هل انتهت معاناة المواطن؟
أم أننا ما زلنا ندور في الحلقة نفسها، ندفع الثمن من دمائنا وأموالنا ومستقبل أبنائنا؟
إن المواطن اليمني لا يريد المستحيل. يريد فقط أن يعيش بأمان، وأن يجد قوت يومه، وأن يتلقى العلاج عندما يمرض، وأن يستطيع السفر دون أن تتحول رحلته إلى معاناة طويلة، وأن يحصل على راتبه، وأن يرى أبناءه يتعلمون في مدارس مخرجاتها تحفظ لهم مستقبلهم.
يريد أن يعيش في وطن لا يخاف فيه من نقطة تفتيش، ولا يخشى فيها من انتمائه إلى منطقة أو محافظة أو طرف سياسي.
اليمنيون لا يحتاجون إلى مزيد من الشعارات، بل يحتاجون إلى دولة.
دولة يكون فيها القانون فوق الجميع، والحقوق متساوية، والوظيفة العامة لخدمة المواطن، والسلاح بيد الدولة، والخلاف السياسي يُحل بالحوار لا بالبندقية.
لقد آن الأوان لأن يسأل كل من يحمل السلاح:
هل أنا أقاتل من أجل اليمن، أم أقاتل اليمن؟
وأن يسأل كل من يدفع الآخرين إلى الحرب:
إلى أين تريدون أن تصلوا بهذا البلد؟
وأن يسأل كل سياسي وقائد وصاحب قرار:
كم تبقى من اليمن الذي نحاول إنقاذه إذا استمررنا في تدميره؟
إنني لا أكتب هذا الكلام دفاعًا عن طرف ضد طرف، ولا انحيازًا إلى جماعة أو حزب أو سلطة. أنا أكتب من موقع المواطن الذي يريد أن يرى اليمنيين أحياءً، متصالحين، آمنين، متساوين في الحقوق والواجبات.
فالاختلاف لا يبرر القتل، والخلاف السياسي لا يستحق أن تُهدم من أجله البيوت، ولا أن يُشرّد الناس، ولا أن يفقد الأطفال آباءهم وأمهاتهم.
اتركوا اليمنيين يعيشون.
اتركوا لهم فرصة أن يزرعوا بدل أن يقاتلوا، وأن يبنوا بدل أن يهدموا، وأن يتعلموا بدل أن يحملوا السلاح، وأن يختلفوا في الرأي دون أن يتحول الاختلاف إلى عداوة واقتتال.
لقد أرهقت الحرب اليمنيين، وأخذت من أعمارهم وأمنهم وأحلامهم أكثر مما ينبغي.
ولذلك فإن أعظم انتصار يمكن أن يتحقق اليوم ليس انتصار طرف على طرف، وإنما انتصار اليمن على الحرب.
فالسلام ليس هزيمة، ووقف الحرب ليس تنازلًا عن الوطن، والجلوس إلى طاولة الحوار ليس ضعفًا.
الضعف الحقيقي هو أن نستمر في حرب نعرف ثمنها، ولا نعرف نهايتها.
فمن أجل من تتحاربوا أيها المتحاربون؟
إن كنتم تتحاربون من أجل اليمن، فاليمن بحاجة إلى السلام.
وإن كنتم تتحاربون من أجل المواطن، فالمواطن بحاجة إلى الأمن والراتب والغذاء والدواء والتعليم.
وإن كنتم تتحاربون من أجل المستقبل، فالمستقبل لا يُبنى فوق ركام المدن ولا على دماء الأبرياء.
أما إذا كانت الحرب من أجل مصالح الآخرين وأطماعهم في بلدنا، فإن السؤال يصبح أكثر إيلامًا:
لماذا يكون اليمني هو من يدفع الثمن؟
كفى دماءً ودمارًا.
كفى تشريدًا وجوعًا ومرضًا.
كفى حربًا تستنزف الإنسان والوطن.
اتركوا اليمنيين يعيشوا... فقد آن لهم أن يعيشوا...