الخميس 10 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • المخا بين رواية الخيانة ومنطق التفوق العسكري

المخا بين رواية الخيانة ومنطق التفوق العسكري

لم أكن يومًا في خندق صالح، ولا أؤمن بأن السياسة والقيادة تُورَّث كما تُورَّث الأرض والعقار. فاليمن أوسع من أي اسم، وأكبر من أية عائلة، وأوسع من أي إرث سياسي. لكنني في المقابل لست مع من يوزّعون تهم الخيانة على انسحاب قوات طارق من المخا، لا دفاعًا عن الرجل، بل لأن الرواية نفسها كاذبة وغير منطقية، وهي بالضبط ما تريد الحركة الحوثية أن يتداوله خصومها في هذه اللحظة بالذات.

صحيح أن الحوثيين يريدون قبل كل شيء أن يظهر انتصارهم في المخا كانتصار عسكري كاسح، وهذا ما يسعون لترسيخه في الوعي الجمعي. لكنهم في الوقت نفسه يرغبون في أن يضيفوا إلى هذا الانتصار قيمة مضافة ثمينة: رواية الخيانة والخذلان داخل صفوف المعسكر المعارض لهم. فهم لا يكتفون بأن يقولوا للناس إنهم انتصروا في الميدان، بل يريدون أن يقولوا إن خصومهم خسروا لأن بعضهم تخلى عن بعض، وأنهم مرتزقة بلا قضية. وهذه الرواية، إن نجحت، تفتّت الثقة داخل المعسكر المعارض للحركة الحوثية، وتحوّله إلى ساحة اتهامات متبادلة. فالانتصار العسكري يستعيده الطرف الآخر بالسلاح والتنظيم، وهو ممكن في أقرب وقت، أما تفكيك الثقة الداخلية فيحتاج إلى عمر طويل لترميمه.
خطاب التخوين لم يتوقف عند طارق وحده. فالأخبار التي تتحدث عن خذلان محور تعز أو رئاسة الجمهورية ليست أخبارًا بريئة، بل هي حلقة في السلسلة نفسها. الهدف واحد: تصفية كل القيادات، واحدًا بعد الآخر، على منصة الاتهام في معركة الساحل الغربي.
الهزيمة في المخا، لمن يقرأها بعقل لا بعاطفة، ليست هزيمة شخص ولا هزيمة محور. إنها هزيمة المعسكر المناوئ للحركة الحوثية بكل تنوعاته العسكرية. واستمرار هذا السقوط يعني ببساطة أن الحركة الحوثية ستنتصر على معسكر الشرعية اليمنية، والإمامة ستنتصر على الجمهورية، والسلاليين سينتصرون على اليمنيين جميعًا، وحتى إيران ستنتصر على دول التحالف العربي. هذه المعادلة يعرفها الرئيس العليمي، ويعرفها العميد طارق، ويعرفها أعضاء مجلس القيادة الرئاسي، وتعرفها قيادة الجيش في الميدان. ولهذا ليس من مصلحة هؤلاء جميعًا أن يخذل بعضهم بعضًا في معركة مصيرية تدور اليوم في الساحل الغربي من مدينة تعز.
الذين يروجون الآن لخطاب التخوين والخذلان، وأتحدث هنا عن المعارضين للحركة الحوثية، لا عن الذباب الإلكتروني المحسوب عليها، لا يدركون شيئًا عن طبيعة المعركة التي جرت وتجري، ولا عن حجم القتال، ولا عن ظروف المواجهة العسكرية في الساحل الغربي. وهم لكي يفهموا ما جرى في المخا، يجب أن نبدأ معهم من النقطة التي لا يختلفون عليها، وهي: أن هدف الحرب في الساحل الغربي هو الوصول إلى باب المندب، ووضع الملاحة الدولية في البحر الأحمر تحت السيطرة النارية.
وإذا كان هذا هو الهدف، فالسؤال ليس ماذا تعني السيطرة على باب المندب، بل من اتخذ هذا القرار العسكري؟ والجواب واضح لدى الجميع: إيران، لا الحركة الحوثية.
على هذا الأساس يتضح المشهد أكثر. فإيران حين اتخذت قرار السيطرة على باب المندب، ووضعه تحت السيطرة النارية للحرس، لم تكن تحسب حساب معركة محدودة في غرب تعز، بل كان هدفها استراتيجيًا يغير قواعد اللعبة كلها. وكانت تعرف جيدًا ما تعنيه هذه الخطوة، مع وجود قوات طارق صالح المكونة من عدة ألوية عسكرية، وإمكانية تدخل قوات الشرعية في تعز، وتصحيح أوضاع الشرعية اليمنية بعد أحداث حضرموت، مما يعني احتمال تدخل قوات جنوبية في الدفاع عن الساحل الغربي. وكانت تدرك أيضًا، والأهم من ذلك، أن باب المندب ليس هدفًا محليًا، بل هو شريان دولي، وأن السيطرة عليه تمس مصالح دول الإقليم والعالم أكثر مما تمس مصالح اليمن نفسه، وهذا يعني احتمال تدخل قوات التحالف العربي، بل وحتى أمريكا وبريطانيا.
كل هذه الحسابات كانت حاضرة على طاولة متخذ القرار الإيراني، ومع ذلك مضت إيران في خطتها. وهذا يعني أن إيران أعدت خطة عسكرية قادرة على مواجهة كل هذه المعطيات والاحتمالات مجتمعة، لا يهمها الثمن المدفوع، طالما لا يُقتل إيراني واحد في المعركة. ولهذا شهدت المواجهة كثافة نيرانية غير مسبوقة، ذخيرة وقذائف مدفعية، وطبقات أسلحة صواريخ وطيران مسيّر وزحف بشري غير مسبوق. فحجم الإعداد والتحضير العسكري كان بحجم المعطيات والمخاوف المطروحة على طاولة متخذ القرار وتداعيات المعركة.
ما حدث في المخا ليس ناتجًا عن خيانة أو خذلان، بل هو انسحاب أمام تفوق عسكري كاسح كسر كل وسائل الصمود العسكرية لدى قوات طارق والقوات المساندة، وعدم الانسحاب كان يعني هلاك الآلاف. لكن المؤسف أن هذا لم يكن في حسبان مجلس القيادة الرئاسي، رغم وضوح رغبة إيران في السيطرة على باب المندب.
الفرق بين من يخون ومن ينسحب أمام قوة كاسحة، هو الفرق بين تفسير أخلاقي مريح وتفسير عسكري قاسٍ. والمشكلة أن التفسير الأول يريح النفس لكنه يهزم الجيش في معركة الاستعادة، أما الثاني فيوجع النفس لكنه يبني الاستراتيجية القادرة على استعادة الخسارة، هذا إذا أخذنا في الاعتبار أن التعاطي مع خطاب التخوين والخذلان بكونه ناتجًا عن غضب شعبي حسن النية، وفي الوقت نفسه غير واعٍ لمخاطر التعاطي معه.
الجدير ذكره والتحذير منه هنا أن الحركة الحوثية بتعليمات من إيران سوف تتبنى أولًا خطابًا يطمئن العالم بخصوص الملاحة البحرية الدولية، وحتى إيران لن تمارس قرصنة بحرية في الوقت الحالي حتى لا يتشكل تحالف دولي، وسوف تتبنى ثانيًا خطابًا يعمل على تهدئة المواجهة العسكرية في الداخل اليمني. وفي حال استجابة الشرعية لذلك، سوف تحتفظ الحركة الحوثية بمدينة المخا والميناء، وتفتح بوابة بحرية أخرى للإمداد، وسوف تحصّنها عسكريًا، ومن ثم سيتم الإعداد لمواجهات عسكرية مستقبلًا، تمكنها من الحصول على موضع قدم أكثر أهمية على مستوى الداخل اليمني.
أخيرًا، وبرغم مرارة ما حدث، علينا أن ندرك الآن أن المعركة الحقيقية ليست في المخا فقط، المعركة الحقيقية هي في الوعي، ومن يخسر الوعي يخسر كل شيء.