الخميس 10 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • المخا وباب المندب و التهديد الإيراني للملاحة الدولية

المخا وباب المندب و التهديد الإيراني للملاحة الدولية

لم تعد معركة اليمن صراعًا داخليًا مغلقًا، بل تحولت إلى سؤال جيوسياسي أوسع: هل نحن أمام إعادة توظيف إيراني للذراع الحوثية على خطوط الملاحة الدولية، بما يجعل السعودية ودول البحر الأحمر أمام تهديد استراتيجي دائم؟ ومع سيطرة مليشيا الحوثي على المخا وتقدمها باتجاه باب المندب، بالتزامن مع تصعيد الهجمات على السعودية، أصبح اليمن جزءًا مباشرًا من معادلة أمن الطاقة والتجارة العالمية، حيث نجد أن التحول الجوهري حدث في أن الحوثيين لم يعودوا مجرد طرف في الحرب اليمنية، بل أصبحوا فاعلًا مسلحًا قادرًا على التأثير في أمن دولة إقليمية كبرى وفي واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، وهو مضيق باب المندب.

أولًا: من صنعاء إلى باب المندب

كلما اقتربت القوة الحوثية من باب المندب، تراجعت قدرة المجتمع الدولي على التعامل مع الملف باعتباره شأنًا يمنيًا داخليًا. فسيطرة الحوثيين على الأرض تمنحهم نفوذًا سياسيًا وعسكريًا داخل اليمن، بينما يمنحهم النفوذ على الساحل الغربي قيمة استراتيجية تتجاوز الحدود اليمنية. لذلك لم يعد السؤال فقط: من يحكم صنعاء؟ بل أصبح: من يملك القدرة على التأثير في أمن البحر الأحمر وباب المندب؟
وهنا انتقلت الحرب من صراع على السلطة إلى صراع على الجغرافيا الاستراتيجية، وأصبح الساحل الغربي أحد المفاتيح الرئيسية لإعادة تشكيل ميزان القوة في اليمن والمنطقة.

ثانيًا: المخا.. السيطرة مقابل التأثير

المخا ليست مجرد مدينة ساحلية، بل موقع استراتيجي بحكم ارتباطه بالساحل الغربي واقترابه من باب المندب، وإذا تمكن الحوثيون من تثبيت وجودهم فيها والتقدم جنوبًا نحو مديرية ذوباب، فإنهم يقتربون من بناء نطاق جغرافي يمنحهم قدرة أكبر على تهديد الملاحة الدولية.
لكن من المهم التمييز بين السيطرة على باب المندب وبين القدرة على تهديده، فالسيطرة الكاملة على المضيق ليست أمرًا سهلًا في ظل طبيعته الدولية والحضور البحري للقوى الكبرى، لكن امتلاك القدرة على تهديد السفن ورفع مخاطر الملاحة يكفي لتغيير حسابات شركات الشحن والتأمين.
وهنا تتحول الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق والألغام البحرية إلى أدوات للضغط الجيوسياسي، فالمطلوب ليس بالضرورة إغلاق المضيق، وإنما جعله ممرًا عالي المخاطر، والسيطرة على السلوك البحري دون السيطرة الكاملة على الجغرافيا هي جوهر استراتيجية القوة غير المباشرة.

ثالثًا: إيران.. هرمز ثانٍ أم ورقة ضغط؟

إيران لا تحتاج إلى السيطرة المباشرة على باب المندب حتى تستفيد منه. يكفيها امتلاك حليف مسلح قادر على جعل المرور عبره مكلفًا وغير آمن.
فطهران تملك موقعًا مباشرًا على مضيق هرمز، بينما يمتلك الحوثيون موقعًا متقدمًا على الطرف الجنوبي للبحر الأحمر، ومن هنا تنشأ معادلة جيوسياسية خطيرة: ورقة إيرانية مباشرة في هرمز، وورقة غير مباشرة عبر الحوثيين في باب المندب.
والفرق مهم بين السيطرة الكاملة على المضيق وبين القدرة على تعطيل الملاحة أو رفع تكلفتها أو إجبار السفن على تغيير مساراتها، فإذا أصبح الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح أقل كلفة من المرور عبر البحر الأحمر، تكون المليشيا قد حققت هدفًا استراتيجيًا حتى دون إغلاق باب المندب.
وهنا تكمن خطورة المشروع الإيراني: السيطرة على السلوك دون السيطرة على الجغرافيا.

رابعًا: الأثر الاقتصادي.. عندما تتحول الجغرافيا إلى تكلفة عالمية

يمر عبر باب المندب جزء مهم من حركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا يصل إلى حوالي 20% من حجم التجارة العالمية، وأي اضطراب طويل الأمد في هذا الممر يدفع بعض السفن إلى تغيير مسارها حول رأس الرجاء الصالح، بما يضيف أيامًا وأميالًا بحرية إلى الرحلات، ويرفع استهلاك الوقود وتكاليف التشغيل والتأمين.
وبذلك لا تتوقف تداعيات الأزمة عند اليمن والسعودية، بل تمتد إلى قناة السويس والموانئ السعودية وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الآسيوية والأوروبية.
وهنا تتحول الجغرافيا اليمنية إلى عنصر مؤثر في الاقتصاد العالمي، فكلما ارتفع خطر الملاحة في باب المندب، ارتفعت قيمة الموقع اليمني استراتيجيًا، وأصبح الصراع على الساحل الغربي جزءًا من صراع أوسع على أمن التجارة العالمية.

خامسًا: المعادلة الإقليمية.. من احتواء الحوثيين إلى بناء الردع

إن التوافق العربي والإقليمي المتزايد حول ضرورة حماية أمن المنطقة يعكس تحولًا مهمًا في طبيعة التعامل مع الخطر الحوثي. فلم يعد الأمر متعلقًا فقط بالحرب داخل اليمن، وإنما بأمن السعودية والبحر الأحمر والممرات البحرية.
وتنظر مصر إلى أمن البحر الأحمر باعتباره جزءًا من منظومة الأمن القومي العربي، بينما يمثل اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان تطورًا مهمًا في بناء منظومة ردع إقليمية، ولا يعني ذلك بالضرورة تحالفًا هجوميًا ضد إيران أو الحوثيين، لكنه يبعث برسالة واضحة بأن توسيع نطاق التهديد قد يؤدي إلى توسيع دائرة الردع والاستجابة.
أما بالنسبة إلى اليمن، فإن هذا التحول يوفر فرصة سياسية واستراتيجية للدولة الشرعية والقوى المناهضة للحوثيين، لكنه في الوقت نفسه يفرض عليها مسؤولية تاريخية تتمثل في توحيد قرارها السياسي والعسكري.
فالدعم العربي والدولي لا يمكن أن يتحول إلى انتصار استراتيجي إذا بقيت القوى المناهضة للحوثيين مجزأة ومتعددة مراكز القرار.

سادسًا: المواقف الدولية.. اليمن لم يعد ملفًا محليًا

تنظر الولايات المتحدة إلى الحوثيين باعتبارهم جزءًا من منظومة تهديد للملاحة والطاقة وحلفاء واشنطن في المنطقة، بينما يركز الاتحاد الأوروبي على حماية حرية الملاحة واستقرار البحر الأحمر، مع استمرار الرهان على الحل السياسي.
أما روسيا فتتعامل مع الملف في إطار مصالحها وعلاقاتها بإيران وتنافس القوى الكبرى، في حين تملك الصين مصلحة مباشرة في استقرار طرق التجارة والطاقة، رغم تحفظها على الانخراط العسكري المباشر.
وهكذا أصبحت الأزمة اليمنية نقطة تقاطع بين مصالح قوى دولية وإقليمية متعددة، وهو ما يجعل استمرار سيطرة مليشيا مسلحة مرتبطة بإيران على مناطق استراتيجية مطلة على البحر الأحمر مسألة تتجاوز حدود الصراع اليمني.

سابعًا: المعركة الحاسمة تبدأ بإعادة ترتيب القوات الحكومية

إذا كانت الدولة اليمنية والقوى المناهضة للحوثيين تريد تحويل الدعم الإقليمي والدولي إلى تغيير حقيقي في ميزان القوى، فإن الأولوية العاجلة يجب أن تكون إعادة ترتيب القوات الحكومية وتوحيد قيادتها وقرارها العسكري، بعيدًا عن تعدد مراكز القرار والتشكيلات المتنافسة.
فالمرحلة الجديدة لا تحتمل استمرار حالة الجمود.
المطلوب بناء قوة عسكرية يمنية موحدة قادرة على تنفيذ هجوم معاكس لاستعادة المخا، وتأمين الشريط الساحلي الغربي، ودفع مليشيا الحوثي بعيدًا عن سواحل اليمن وممراته البحرية الاستراتيجية.
ولا ينبغي أن يكون الهدف مجرد استعادة مدينة المخا، بل استعادة العمق الساحلي الذي يمنع الحوثيين من تحويل الساحل إلى منصة دائمة للتهديد.
فكلما ابتعدت مليشيا الحوثي عن الساحل الغربي وباب المندب، تراجعت قدرتها على استخدام الجغرافيا البحرية كورقة ضغط إيرانية، وتراجعت معها قدرتها على تهديد الملاحة الدولية.

ثامنًا: خنق الذراع الإيرانية بعيدًا عن السواحل اليمنية

المعادلة العسكرية القادمة يجب ألا تقتصر على الدفاع عن المدن أو التعامل مع هجمات الحوثيين بصورة رد فعلية، بل ينبغي أن تستهدف قطع الصلة بين المليشيا والجغرافيا الساحلية التي تمنحها قيمتها الاستراتيجية.
إن بقاء الحوثيين قوة مسلحة مسيطرة على مناطق واسعة ومتصلة بالساحل الغربي يعني استمرار امتلاك إيران ذراعًا قادرة على تهديد أمن البحر الأحمر وباب المندب.
ولهذا فإن إبعاد الحوثيين عن الساحل لا يمثل فقط هدفًا عسكريًا يمنيًا، بل هدفًا إقليميًا ودوليًا يتعلق بحرية الملاحة.
وبقدر ما تنجح الدولة اليمنية في استعادة الساحل وتأمين باب المندب، بقدر ما تتراجع قدرة إيران على استخدام الحوثيين كورقة ضغط على السعودية والمنطقة والمجتمع الدولي.

تاسعًا: السيناريوهات.. أي طريق ينتظر اليمن؟

السيناريو الأول هو الاحتواء والعودة إلى التفاوض، وهو الأقل كلفة، لكنه قد يمنح الحوثيين فرصة لإعادة بناء قدراتهم إذا لم يرتبط بضمانات حقيقية وإجراءات تمنع إعادة إنتاج التهديد. وهذا السيناريو لا يمكن أن ينجح إلا بعد هزيمتهم عسكريًا واستعادة العاصمة صنعاء، وسلام مبني على قوة الدولة والشرعية اليمنية.
السيناريو الثاني هو استمرار حرب الاستنزاف، وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا على المدى المتوسط، في ظل صعوبة الحسم العسكري السريع ورفض الحوثيين التخلي عن أوراقهم العسكرية والجغرافية، مقابل عدم قدرة السعودية والقوى المناهضة لهم على قبول تحول الساحل الغربي إلى منصة تهديد دائم ينطلقون منها للسيطرة على مناطق جديدة وتجزئة المعركة ووقف الجبهات، واختيارهم لزمن ومكان المعركة، وتوقف باقي جبهات القتال، مما يوفر للحوثيين نقل أرتالهم وأنساقهم القتالية إلى مناطق محددة كما حدث في جبهة المخا وحيس.
السيناريو الثالث هو انتقال المعركة إلى الساحل الغربي، بحيث تصبح استعادة المخا وتأمين الشريط الساحلي هدفًا استراتيجيًا لا مجرد عملية عسكرية محلية، وفي هذه الحالة قد يتحول الصراع تدريجيًا من معركة يمنية إلى عملية إقليمية لحماية ممر دولي.
السيناريو الرابع هو توسع الصراع إقليميًا إذا استمرت الهجمات الحوثية على السعودية والملاحة الدولية، بما قد يؤدي إلى توسيع شبكة القوى المنخرطة في الردع والمواجهة.
أما السيناريو الخامس فهو تسوية سياسية بعد تغير ميزان القوى، وهذه التسوية ستكون أكثر قابلية للاستمرار إذا جاءت نتيجة توازن جديد يفرض على الحوثيين قبول حل سياسي يستند إلى مؤسسات الدولة والمرجعيات الدولية، وليس إلى تكريس نتائج الانقلاب بالقوة، وهذا لن يتأتى إلا بكسرهم عسكريًا واستعادة العاصمة صنعاء.

عاشرًا: تفعيل القرار 2216 واستعادة الدولة

لا يمكن أن تكون حماية باب المندب منفصلة عن استعادة الدولة اليمنية.
فالقرار 2216 لم يأتِ لمعالجة تهديد الملاحة فقط، وإنما أكد ضرورة إنهاء الانقلاب وإعادة مؤسسات الدولة وسحب المليشيات المسلحة من المدن والمناطق التي سيطرت عليها بالقوة.
ومن هنا فإن تفعيل القرار 2216 ينبغي أن يعود إلى صدارة المقاربة الدولية، ليس باعتباره وثيقة سياسية من الماضي، وإنما كإطار لإعادة بناء الدولة اليمنية ومنع تحول اليمن إلى قاعدة نفوذ إيرانية تهدد أمن المنطقة والممرات البحرية.
إن استعادة المخا والساحل الغربي، وتوحيد القوات الحكومية، وتأمين باب المندب، وإعادة مؤسسات الدولة، كلها حلقات في معركة واحدة: إنهاء قدرة المليشيا الحوثية على فرض إرادتها بالقوة وعلى تحويل الجغرافيا اليمنية إلى أداة ضغط إقليمية.

خاتمة: معركة الجغرافيا والشرعية

لم تعد معركة اليمن معركة على السلطة في صنعاء فقط؛ إنها أصبحت معركة على الجغرافيا الاستراتيجية للبحر الأحمر، وعلى أمن السعودية وقناة السويس وحرية التجارة العالمية، وعلى قدرة إيران على استخدام الوكلاء للسيطرة غير المباشرة على الممرات البحرية.
المعادلة القادمة تحددها أربعة محاور مترابطة: صنعاء، الرياض، باب المندب، وطهران، وخلفها شبكة أوسع من واشنطن وأنقرة وإسلام آباد والقاهرة وبروكسل، مع مصالح روسية وصينية لا يمكن تجاهلها.
لكن العامل الحاسم سيبقى يمنيًا في المقام الأول. فإعادة ترتيب القوات الحكومية وتوحيد قرارها العسكري والسياسي، والانتقال السريع إلى هجوم معاكس لاستعادة المخا والشريط الساحلي، وإبعاد مليشيا الحوثي عن سواحل اليمن، ليست مجرد خيارات عسكرية، بل ضرورات استراتيجية لمنع استمرار استخدام اليمن كمنصة لتهديد المنطقة والملاحة الدولية.
إن بقاء الذراع الإيرانية مسيطرة على مناطق ساحلية يمنح طهران ورقة جيوسياسية مستمرة، ويجعل السلام في اليمن والمنطقة معرضًا للابتزاز والتصعيد كلما احتاجت إيران إلى استخدام أوراقها الإقليمية.
أما استعادة الدولة اليمنية لسيادتها على الساحل وباب المندب، بالتزامن مع توحيد مؤسساتها وقواتها وتفعيل القرار 2216، فتعني قطع الطريق أمام تحويل اليمن إلى قاعدة دائمة لتهديد الأمن الإقليمي والدولي.
لقد أصبحت المعركة في جوهرها معركة على من يمتلك القدرة على التحكم بالجغرافيا الاستراتيجية لليمن، ومن يملك القرار في باب المندب.
المعركة الحقيقية ليست على المضيق، بل على من يملك القرار في المضيق.