الخميس 10 سبتمبر 2026

حين تصبح الدعوة إلى السلام تهمة

منذ بداية الحرب في اليمن وجدت نفسي في موقف بالغ الصعوبة، فقد تعامل معي بعض مسؤولي الشرعية بمنطق الشك والاتهام، ووصل الأمر إلى تصنيفي حوثيًا، واستبعادي من عملي في السفارة، رغم أنني كنت أؤدي واجبي باعتباري موظفًا في الدولة اليمنية، ملتزمًا بالدستور والقانون، ولم أكن ممثلًا لجماعة أو حزب أو منطقة، وكان بوسعي بعد ذلك أن أختار معسكرًا مضادًا، وأنخرط في صراع الانتقام والتخوين، لكنني فضلت الابتعاد عن جميع الأطراف، والتمسك بفكرة الدولة، وانتظار اليوم الذي يعود فيه اليمن إلى مؤسساته وقوانينه، ويستطيع فيه اليمني أن يختلف سياسيًا دون أن يتحول اختلافه إلى تهمة أو يصبح اسمه أو منطقته أو موقفه السياسي سببًا في إقصائه.

ما دفعني إلى التوقف عند هذا الموضوع اليوم، أن السفير عبدالإله حجر، المستشار السياسي للمجلس السياسي لانصار الله، رد على تغريدتي في "فيسبوك" التي دعوت فيها إلى وقف نزيف الدم بين اليمنيين، بلغة لم أكن أتوقع أن تصدر عن سفير ودبلوماسي يفترض أن تكون لغة الحوار واحترام الاختلاف جزءًا أساسيًا من أدواته، فقد خاطبني قائلًا: يا سفير لا تروج لهذه الأقاويل وأنت خارج البلاد وخيرك من خير السعودي العدو اللئيم الحقير. ثم وصف من يقاتلون الحوثيين بأنهم مرتزقة باعوا أنفسهم ووطنهم بدراهم نجسة معدودة، في مقابل وصف من يقاتل في صف جماعته بانه مجاهد في سبيل الله. وأنا هنا لا أحمل أنصار الله أو مؤسساتهم السياسية مسؤولية هذا الخطاب، فكلام السفير حجر يمثله هو، ولا أستطيع اعتباره نهجًا لجماعته، لكن صدور مثل هذه اللغة عن شخصية تحمل صفة دبلوماسية وسياسية، يسيء في النهاية إلى الجميع، ويقدم صورة مقلقة عن طريقة التعامل مع المختلف، ويستبدل الحجة بالتخوين، والحوار بتوزيع شهادات الوطنية والخيانة.
المفارقة بالنسبة لي أنني عشت شخصيًا الوجه الآخر للمنطق نفسه، فمنذ سنوات اتهمني طرف في الشرعية بأنني حوثي، وتم التعامل معي على هذا الأساس، واليوم يأتي شخص محسوب على الطرف الآخر ليضعني عمليًا في خانة خصومه لمجرد أنني دعوت إلى وقف الدم اليمني. وبين الاتهامين تتضح واحدة من أكبر مشكلات الأزمة اليمنية، وهي أن كل طرف قد يميل إلى اعتبار من لا يقف معه واقفًا ضده، بينما موقفي كان ولا يزال أن الدولة أكبر من جميع الجماعات، وأن اليمن يتسع للجميع، وأن الاختلاف مع الحوثي لا يجعل الإنسان تابعًا للسعودية، كما أن الاختلاف مع الشرعية لا يجعله حوثيًا، ومن حقي مثل أي يمني أن أرفض الحرب، وأن أنتقد جميع الأطراف، وأن أدعو إلى السلام دون أن يقدم لي أحد شهادة في الوطنية أو يسحبها مني.
والقضية هنا تتجاوز شخصي وشخص السفير حجر إلى سؤال أكثر أهمية يتعلق بمستقبل اليمن، وكيف سيشعر الناس بالأمان إذا ظلت هذه اللغة حاضرة في الخطاب السياسي، وكيف سيعود المهجرون والمنفيون، وكيف يطمئن المختلف سياسيًا، وكيف يمكن بناء مصالحة وطنية إذا كان مجرد الاختلاف في تقييم الحرب كافيًا لوضع الإنسان في خانة العدو أو المرتزق. إن السياسي والدبلوماسي تحديدًا يفترض أن يدرك أن الكلمة مسؤولية، وأن من يريد إقناع اليمنيين بمشروع سياسي عليه أن يقدم لهم خطابًا يجعلهم يشعرون بأنهم سيكونون مواطنين متساوين، لا أن يجعلهم يتساءلون عما قد يحدث لهم إذا اختلفوا معه غدًا.
لقد دفعت سنوات الحرب ثمنًا باهظًا من دماء اليمنيين ومن مستقبل أبنائهم، ولم يعد السؤال من يستطيع أن يرفع صوته أكثر أو من يمتلك الكلمات الأشد قسوة، بل كيف نخرج من هذه الدائرة، ونبني دولة تحمي الجميع. ولذلك سأظل أقول إن السلام لا يعني الاستسلام، وإن رفض الحرب لا يعني الانحياز إلى طرف، وإن الدعوة إلى وقف قتل اليمنيين ليست خيانة لأحد. فاليمن الذي نحتاجه ليس وطنًا ينتصر فيه طرف ويعيش الآخر خائفًا، بل وطن يعود فيه الجميع إلى الدولة والدستور والقانون، ويستطيع فيه اليمني أن يقول رأيه ويعارض أية سلطة أو جماعة دون أن يخشى التخوين أو الإقصاء أو الانتقام. وهذه في تقديري هي البداية الحقيقية لأي سلام يستحقه اليمنيون.