الأربعاء 9 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • بين "عبثية الحرب" وكسر الحـ.وثي: أين يكمن الخلاف مع الرفيق عيبان السامعي؟

رد على ثلاث حلقات في زمن التصعيد

بين "عبثية الحرب" وكسر الحـ.وثي: أين يكمن الخلاف مع الرفيق عيبان السامعي؟

مقدمة: عندما يغيب السؤال الأهم
قرأت حلقات الرفيق عيبان السامعي الثلاث باهتمام، وأنا إذ أقدّر أسلوبه الرصين في الحوار، فإنني أجد أن الخلاف بيننا ليس هامشيًا في وصف الحرب، بل جوهري في قراءة الواقع وتحديد طبيعة الخصم وكيفية الوصول إلى السلام.

الرفيق عيبان يصف الحرب بأنها "عبثية قذرة"، ويدعو إلى وقفها والانطلاق نحو مؤتمر وطني. وأنا لا أختلف معه في تكاليف الحرب الباهظة، لكنني أرى أن وصفها بالعبثية يتجاهل سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن إقناع الحوثي بالسلام وهو لا يؤمن به، ولا يرى في أي طرف آخر سوى عدو يجب قتله أو إخضاعه؟ وفي زمن التصعيد العسكري الذي نشهده، كيف يمكن الحديث عن السلام مع طرف حوّل المشهد اليمني إلى ساحة حرب مفتوحة، ويستخدم كل أنواع السلاح في هجمات متزامنة؟
نعم الرفيق عيبان يقدّم تصورًا نظريًا للسلام، لكنه لا يقدّم إجابة عن السؤال الأهم: ماذا لو رفض الحوثي كل هذه الإجراءات؟ وهو فعلًا يرفضها: كيف يمكن إجباره على القبول بها؟

أولًا: لحظة الحقيقة (ماذا يفعل الحوثي اليوم؟)

لنبدأ بالواقع الذي نشهده منذ الخميس الماضي، فهو يحمل رسائل واضحة لمن يريد أن يقرأها بعيدًا عن الإنشاء السياسي.
في تعز، شنت الحركة هجومًا صاروخيًا وبريًا عنيفًا على مناطق متعددة، مستهدفة الأحياء السكنية والمواقع العسكرية، باستخدام كل أنواع الأسلحة الثقيلة والصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، في محاولة لكسر صمود المدينة التي صمدت 11 عامًا، وتحقيق أهداف جيوسياسية تتجاوز الجغرافية اليمنية.
في المخا، هاجمت الحركة هذه المدينة الساحلية الاستراتيجية، في محاولة لاقتحامها والسيطرة عليها، لأنها تمثل بوابة رئيسية نحو باب المندب والمضيق الدولي، ولقطع الشريان الحيوي للمناطق المحررة.
في الكادحة ومقبنة شنت الحركة هجومها العنيف، وتدور الآن معارك عنيفة، بحيث تحاول الحركة التقدم نحو مواقع استراتيجية تمنحها السيطرة على الساحل الغربي والوصول إلى المضيق الدولي برًا وبحرًا، لفرض أمر واقع جديد يمنحها السيطرة الكاملة على أحد أهم الممرات المائية في العالم، وكان الرد حرب مفتوحة في الحديدة والجوف، والبيضاء.
الاستراتيجية الأخطر أن الحركة الحوثية لا تريد السيطرة على الأرض في الداخل اليمني فقط، بل تسعى إلى تحويل اليمن بكامله إلى منصة صواريخ بيد الحرس الثوري الإيراني تجاه البحر الأحمر والممرات المائية الدولية. هذا المشروع الإيراني، الذي يرى في اليمن مجرد قاعدة انطلاق لتهديد أمن المنطقة وابتزاز المجتمع الدولي، يشكل خطرًا وجوديًا على مستقبل السلام والدولة اليمنية، بل وعلى الشعب اليمني نفسه الذي سيدفع ثمن هذه اللعبة الإيرانية قسرًا.
في ظل هذا التصعيد، كيف يمكن الحديث عن وقف الحرب؟ وكيف يمكن الدعوة إلى سلام مع طرف يشعل الحرب، ويعمل على تحويل البلاد إلى ساحة لصراع إقليمي لا يخدم إلا طهران؟
إذن، الحرب هنا ليست عبثية، بل هي واجب لمواجهة الانقلاب، وهي ضرورة لمواجهة هذا السيناريو الإيراني، لأن الاستسلام له يعني قبول تحويل اليمن إلى قاعدة صواريخ إيرانية تهدد أمن المنطقة وتدمر فرص بناء الدولة اليمنية وتستنزف الشعب اليمني، على غرار سياسة إيران في لبنان والعراق.

ثانيًا: المتغيرات العسكرية في معسكر الشرعية (قراءة في الواقع الجديد)

يذكر الرفيق عيبان أن أحد أسباب "عبثية الحرب" هو تشرذم القوات المناوئة للحوثي. وهذا كان صحيحًا في الماضي، لكنه يتجاهل المتغيرات الكبيرة التي جرت مؤخرًا.
فما جرى منذ الخميس الماضي أثبت أن الأمور تسير نحو خضوع القوات إلى قيادة واحدة، وأن الأداء العسكري تحسن ملحوظًا. الهجمات الحوثية المتزامنة كانت تتطلب، في أيام سابقة، استجابة فوضوية، لكن ما حدث يشير إلى تنسيق أعلى واستجابة أسرع وحضورًا ميدانيًا أكثر فاعلية.
الحركة الحوثية راهنت على تشرذم الشرعية، لكنها صُدمت برد فعل أسرع وأكثر تنسيقًا. وهذا لا يعني حل المشكلة كليًا، لكنه يعني أن التصحيح بدأ يظهر أثره، فشل إدارة الحرب لا يعني فشل خيار الحرب في مواجهة الانقلاب. والخلط بينهما هو الخطأ المنهجي الأساسي في تحليل الرفيق عيبان. فالحرب لم تفشل لأنها خيار خاطئ في الدفاع عن النفس، بل فشلت لأن إدارتها كانت خاطئة. واليوم، مع المتغيرات الجديدة، أصبح هناك أمل حقيقي في تصحيح المسار وتحقيق مكاسب ميدانية تغير المعادلة.

ثالثًا: كسر الحوثي عسكريًا (الطريق إلى السلام العادل)

كسر الحركة الحوثية عسكريًا لا يتعارض مع السلام في اليمن، بل يخدمه ويعجله، بل هو الشرط الأساسي لتحقيق سلام عادل ودائم.
الواقع يقول إن أكثر من نصف سكان اليمن يعيشون تحت قبضة الحوثي، حيث يُمنعون من التعبير عن رأيهم، ويُجبرون على القتال في حروب لا يريدونها، وتُستنزف مواردهم لصالح مشروع خارجي. تحرير هذه المناطق أو كسر قوة الحركة يعني تحرير أكثر من 15 مليون يمني من القمع والاستبداد، وهذا بحد ذاته سوف يخلق معادلة سياسية جديدة إيجابية.
هذه المعادلة ستخلق حالة جماهيرية واسعة تتجاوز المخاوف التي أثارها الرفيق عيبان بشأن عدم إيمان كل التشكيلات العسكرية بالدولة الوطنية الديمقراطية الاتحادية. فتحرير السكان من قبضة الحوثي سيفرز حراكًا سياسيًا شعبيًا وسياسية جديدة من داخل تلك المناطق، وفي عموم اليمن وسيطلق طاقات اجتماعية مكبوتة، وسيخلق رأيًا عامًا مؤيدًا للدولة والمشروع الوطني. السكان المحررون، الذين عاشوا سنوات من القمع والتجنيد الإجباري والإفقار، سيكونون الحاضنة الطبيعية لأي مشروع دولة يقوم على المواطنة المتساوية والحرية والكرامة.
السلام مع الحوثي من موقع القوة يختلف عن السلام معه من موقع الضعف. ففي الأولى، يمكن فرض شروط تحمي دولة اليمنيين، وفي الثانية، ستُفرض شروط الحوثي على اليمنيين، وسيكون السلام مجرد هدنة يستخدمها لتطوير قدراته.
لذلك، فإن أي دعوة حقيقية للسلام يجب أن تبدأ بالإقرار بأن كسر الحوثي عسكريًا هو المدخل الضروري له، وأن تحرير السكان هو الأساس الذي سيبنى عليه أي مشروع وطني حقيقي.

رابعًا: الحرب ليست عبثية لأنها دفاع عن مشروع وطني

يصف الرفيق عيبان الحرب بأنها "عبثية قذرة" بناءً على ملاحظات صحيحة: استنزاف الفقراء، حرب بالوكالة، تقسيم البلاد، انتهاكات حقوق الإنسان. لكن هذه الملاحظات تصف العرض ولا تعالج الداء، وتنظر للحرب وكأنها بين طرفين متكافئين.
والحقيقة أن الحرب في اليمن ليست بين طرفين متكافئين، بل هي بين مشروع وطني يسعى إلى دولة مدنية اتحادية وفق مخرجات الحوار الوطني، ومشروع طائفي مسلح يرتبط عضويًا بالنظام الإيراني، ويرفض أي دولة تقوم على المواطنة المتساوية.
عندما نصف الحرب بأنها "عبثية"، فإننا نساوي ضمنيًا بين من يدافع عن وطن ومن يحتل عاصمته، ويدافع عن شخص. وعندما نصفها بأنها "قذرة"، فإننا نحمّل الطرفين المسؤولية ذاتها، متجاهلين أن هناك طرفًا معتديًا وطرفًا مدافعًا.
نعم، الفقراء يموتون في كلا الطرفين، وهذا مؤلم. لكن الفقراء الذين يقاتلون في صفوف الشرعية يموتون دفاعًا عن وطنهم، بينما أولئك الذين يقاتلون مع الحوثي يموتون في حرب لا تخدمهم، بل تخدم مشروعًا إيرانيًا.
تعميم الألم دون تمييز بين ظالم ومظلوم هو مواءمة أخلاقية تخدم المعتدي أكثر من الضحية.

خامسًا: الاستشهاد بمانديلا (قراءة منقوصة لتجربة نضالية)

يستشهد الرفيق عيبان بتجربة نيلسون مانديلا، ويعتبر أن مانديلا أنهى الكفاح المسلح على طاولة المفاوضات وفاز بالسلام لا بالحسم العسكري. وهذا الاستشهاد، رغم جماله النظري، يغفل حقيقة أساسية لا يمكن تجاهلها:
مانديلا لم يلجأ إلى الحوار والتفاوض إلا بعد أن تمكنت المقاومة المسلحة من إلحاق خسائر فادحة بنظام الأبارتهايد. فمنظمة "أومكونتو ويزيزوي" (رمح الأمة) التي أسسها مانديلا لم تكن مجرد تنظيم رمزي، بل كانت حركة مسلحة كبدت نظام الفصل العنصري خسائر بشرية ومادية جعلته يدرك أن استمرار القمع سيكلفه أكثر مما سيكسبه، وهي حرب استمرت سبعة وعشرين عامًا وبعد ذلك حققت نتائجها الوطنية على الأرض وانتصرت للسلام.
مانديلا لم يبدأ بالحوار، بل بدأ بالكفاح المسلح، واستمر فيه حتى أوجد توازن قوة جعل نظام الأبارتهايد يدرك أن استمرار الحرب مكلف، وأن الحوار هو السبيل الأقل ضررًا. وعندها فقط، جلس إلى طاولة المفاوضات وحقق السلام التاريخي.
الحوثي اليوم لم يصل إلى هذه المرحلة بعد. كل تهدئة وكل هدنة تمنحه مزيدًا من الثقة بأنه في موقع قوة، وأن خصومه في حالة تراجع. وهو يستخدم كل فرصة تهدئة لتطوير قدراته العسكرية، وليس للتحضير للسلام. والدليل: التصعيد الحوثي الأخير، واستخدام كل أنواع السلاح، وتحويل المشهد اليمني إلى ساحة حرب مفتوحة.
لذلك، فإن استشهاد عيبان بمانديلا يجب أن يستكمل بالقول: مانديلا لم يحقق السلام بالخطب والمؤتمرات وحدها، بل حققه بفضل القوة العسكرية التي كسرت تفوق النظام العنصري، بحيث أصبح نظام الأبارتهايد يدرك أن الاستمرار في الحرب ليس مكلفًا فقط بل سيودي إلى حتفه تمامًا، وأن الحوار هو السبيل الأقل ضررًا.

سادسًا: الرفيق عيبان يغفل عن معضلة السلام التي لا تحل بالحوار (سلاح الحوثي وأجندته الدستورية في المفاوضات السياسية)

هنا، وفي زحام المعارك والتصعيد، أود أن ألفت نظر الرفيق عيبان إلى نقطة جوهرية غابت عن تحليله، وهي نقطة ربما تكون المفتاح الحقيقي لفهم سبب تعذّر السلام مع الحركة الحوثية، وسبب أن كسرها عسكريًا ليس خيارًا بل ضرورة حتمية.
الرفيق عيبان يتحدث عن السلام والحوار، وكأن الخصم الذي يجلس على الطرف الآخر من طاولة المفاوضات هو خصم تقليدي يمكن إقناعه بجدوى السلام وفوائد الدولة الوطنية. لكن الحقيقة التي يجب أن أضعها أمامه، هي أن الحركة الحوثية سوف تحمل في أجندتها السياسية، في أي حوار مستقبلي، مطلبًا دستوريًا محددًا لا يقل خطورة عن سلاحها ذاته، بل هو امتداد له.
فالحركة الحوثية، في أي ترتيب سياسي مقبل، ستصر على مطلب دستوري محدد: دستورية أن يكون زعيم الجماعة هو "مرجعية وقائد ثورة"، وهو مطلب يعيد، بصياغة حداثية، إنتاج مفهوم "الولاية الفقيه" الإيرانية داخل النسيج السياسي اليمني. هذا ليس كلامًا يُقال من فراغ، بل هو الجوهر الأيديولوجي للحركة، وهو ما تؤمن به وتعمل من أجله، وتُخضع له كل تحركاتها السياسية والعسكرية. ولتأكيد هذه القراءة، أقولها بوضوح وأضعها بين قوسين: (تحديث مفهوم الولاية على الطريقة الإيرانية أو إعطائها مسمى حديث) وهنا أريد أن أوضح للرفيق عيبان: هذا المطلب هو لب المعضلة التي تجعل السلام المستدام مستحيلًا دون كسر الحوثي عسكريًا.
فكيف يمكن إقناع حركة تؤمن بأن زعيمها هو "مرجعية" دستورية فوق الدستور، وقائد ثورة يعلو على مؤسسات الدولة، بأن تقبل بدولة وطنية ديمقراطية اتحادية تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون؟ كيف يمكن لمشروع يرى نفسه "إلهي الولاية" أن يتنازل عن هذا المطلب لمجرد جلوسه إلى طاولة الحوار؟
هنا تكمن المعضلة التي يغفل عنها الرفيق عيبان: هذا المطلب الدستوري ليس مجرد بند تفاوضي يمكن التخلي عنه، بل هو جوهر المشروع الحوثي الأيديولوجي، وهو يمثل، في نظرهم، شرعيتهم التاريخية والدينية للسيطرة على الدولة. فالدولة التي يكون فيها زعيم جماعة مسلحة هو "مرجعية" دستورية ليست دولة ديمقراطية اتحادية، بل هي استنساخ يمني للنموذج الإيراني بولاية الفقيه.
وإذا ذهب اليمنيون إلى حوار سياسي من أجل السلام في ظل سلاح الحركة الحوثية المسيطر على الأرض، فإن السؤال المطروح هنا: كيف يمكن إقناع الحركة الحوثية وطموح قائدها السلالي بخرافة هذا المطلب بالنسبة للفكرة الوطنية؟
الإجابة التي أراها، والتي أدعو الرفيق عيبان للتأمل فيها، هي أن هذا المطلب لا يمكن إسقاطه بالحوار والإقناع، لأنه ليس مجرد موقف سياسي، بل هو عقيدة وسلاح في آن واحد. فالسلاح هو الذي يحمي هذا المطلب، وهذا المطلب هو الذي يشرعن استمرار السلاح. إنهما وجهان لعملة واحدة.
لذلك، عندما أدعو إلى كسر الحوثي عسكريًا، فإنني لا أدعو إلى الحرب من أجل الحرب، بل أدعو إلى تفكيك هذه المعضلة من جذورها. فكسر الحوثي عسكريًا هو السبيل الوحيد لإسقاط هذا المطلب، لأنه سوف يجرده من القوة التي تمكنه من فرضه. وسوف تجعله يدرك أن سلاحه لم يعد قادرًا على حماية مشروعه الأيديولوجي، عندها فقط قد يصبح مستعدًا للتخلي عن "خرافة دستورية المرجعية" مقابل البقاء السياسي.
الرفيق عيبان يدعو إلى السلام كبداية، وأنا أدعوه إلى التفكير في كيفية الوصول إلى سلام يدوم، وسلام لا يكون مجرد هدنة يكرس فيها الحوثي سلطته ويشرعن مشروعه الدستوري تحت مسميات جديدة. السلام الحقيقي يبدأ عندما يسقط مطلب "المرجعية وقائد الثورة" من أجندة الحوثي، والايمان بفكرة الدولة الوطنية الديمقراطية وهذا لا يحدث إلا بعد أن يُكسر عسكريًا.
إذا كان الرفيق عيبان يملك آلية عملية لإقناع الحوثي بالتخلي عن هذا المطلب الدستوري دون كسره عسكريًا، فليقدمها لنا. أما إذا كان يدرك، مثلي، أن هذا المطلب هو جوهر المشروع الأيديولوجي للحوثي، وأنه لا يمكن التخلي عنه طوعًا، فلماذا يصر على أن السلام يمكن أن يتحقق بالحوار وحده؟
صحيح السلام الحقيقي في نظر الرفيق عيبان - وفي نظري أيضًا - هو تحويل اليمن إلى دولة وطنية ديمقراطية اتحادية. لكن المعضلة لا تتعلق فقط بإسقاط الأجندات السياسية التي تتعارض مع مفهوم الدولة الوطنية الديمقراطية الاتحادية، مثل دستورية المرجعية وقائد الثورة، بل تتعلق ابتداءً في مسألة التخلص من السلاح الذي يفرض مثل هذه المطالب أو الأجندات السياسية التي تجعل الدولة مسألة شكلية حتى لو توقف الحرب. هذا بحد ذاته يطرح علينا سؤالًا مصيريًا يقول: كيف يمكن إقناع الحركة الحوثية بتسليم سلاحها لسلطة دولة؟ وهل يمكن أن تقبل الحركة الحوثية بذلك دون أن تُكسر عسكريًا؟

سابعًا: جوهر الخلاف (الإيمان بالسلام مقابل إجبار الحوثي عليه)

نحن نؤمن بأن السلام العادل هو الهدف، ونتفق مع الرفيق عيبان في ملامحه: دولة اتحادية، مواطنة متساوية، عدالة انتقالية. لكن الخلاف في السؤال: كيف نجعل الحوثي يؤمن بهذا السلام ويقبل به، دون حرب، ودون غالب ومغلوب؟
الرفيق عيبان يفترض أن الحوثي سيأتي طوعًا إلى طاولة المفاوضات، وسيتخلى عن سلاحه. ونحن نرى أن السلام ليس بداية بل نتيجة، ولا يتحقق مع طرف لا يريده إلا بعد أن يُكسر عسكريًا، وتُدمر قدرته على فرض أجنداته السياسية، وعلى رأسها مطلب المرجعية وقائد الثورة، فيصبح مضطرًا للتخلي عن هذا المشروع الانقلابي.
الدعوة للسلام دون آليات إجبار الخصم عليه ليست سلامًا، بل استسلام مقنّع، وهي تخدم الحوثي، لأنها تمنحه ما يريد دون أن تأخذ منه شيئًا، وتترك له فرصة لإعادة طرح مطالبة الغير مشروعة كلما سنحت له الظروف، وكما يفعل الآن في خضم التصعيد.
الرفيق عيبان يرى أن السلام هو البداية، وأنه إذا بدأنا به، فسوف تتبعه كل الإجراءات الأخرى. وهو يعتقد أن الحوثي سينصاع لهذا السلام إذا قدمنا له الصورة الجميلة الكافية، وإذا أقنعناه بفوائد السلام.
نحن نرى أن السلام ليس بداية، بل هو نتيجة، وأنه لا يمكن الوصول إليه مع طرف لا يريده، ولا يؤمن به، وتتمترس أجنداته الأيديولوجية خلف سلاحه، إلا بعد أن يُكسر عسكريًا، ويُجبر على الاعتراف بأن السلاح ليس طريقًا إلى النصر، بل إلى الهاوية. نحن نرى أن المشكلة الأساسية ليست في إرادة الشرعية، بل في طبيعة الخصم الذي لا يؤمن بالسلام أصلًا، بل يؤمن بتحويل الدولة إلى وعاء لمشروعه الذي ينسف فكرة الدولة.