الأربعاء 9 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • مقاتلون جنوبيون لمعارك الشمال.. الضرورة العسكرية أم مشروع سياسي جديد

مقاتلون جنوبيون لمعارك الشمال.. الضرورة العسكرية أم مشروع سياسي جديد

تضع مشاركة القوات الجنوبية في المعارك الدائرة في شمال اليمن أمامنا سؤالًا يتجاوز الجانب العسكري إلى طبيعة المشروع السياسي الذي تقاتل من أجله هذه القوات، فجزء مهم من التشكيلات التي يجري الدفع بها اليوم ليس بالضرورة امتدادًا مباشرًا للمجلس الانتقالي، وإنما قوات جنوبية جرى تشكيلها أو إعادة تنظيمها بدعم وتمويل سعودي، ويغلب على عدد من وحداتها وقياداتها التوجه السلفي، وفي مقدمتها قوات درع الوطن، وهذا يجعل مشاركتها في معارك الشمال مرتبطة بحسابات سعودية أوسع تتعلق بمواجهة الحوثيين وإعادة بناء القوة العسكرية المناهضة لهم أكثر مما ترتبط بالضرورة بمشروع سياسي جنوبي موحد.

ومن هنا يظهر التناقض المحتمل بين الهوية الجغرافية للمقاتلين والهدف السياسي للقوة التي ينتمون إليها، فكون غالبية المقاتلين من أبناء الجنوب لا يعني بالضرورة أن التشكيل العسكري الذي يقاتلون ضمنه يتبنى القضية الجنوبية أو مشروع استعادة الدولة الجنوبية، فالقوات التي تمولها السعودية يمكن أن تكون جزءًا من استراتيجية تهدف إلى بناء قوة عسكرية يمنية موالية للحكومة ومجلس القيادة الرئاسي، وقادرة على مواجهة الحوثيين، وفي الوقت نفسه موازنة القوى الجنوبية الأخرى، ولذلك فإن السؤال ليس فقط من أين يأتي المقاتلون، وإنما لمن تتبع القيادة، وما هو المشروع السياسي الذي ستخدمه القوة بعد انتهاء المعركة.
أما بالنسبة للحوثيين فإن وجود قوات جنوبية ذات توجه سلفي في مقدمة المواجهة يضيف بعدًا آخر للصراع، فالعداء بين الطرفين لا يقوم فقط على التنافس السياسي والعسكري، بل يحمل أيضًا خلفية عقائدية متراكمة، وهذا قد يجعل هذه القوات من أكثر التشكيلات استعدادًا للقتال ضد الحوثيين، لكنه يحمل في الوقت نفسه خطر تحويل الصراع من مواجهة سياسية على الدولة والسلطة إلى مواجهة ذات أبعاد مذهبية يصعب احتواؤها لاحقًا. كما أن الحوثيين قد يستخدمون مشاركة هذه القوات في خطابهم لتقديم الحرب باعتبارها مواجهة مع قوات تعمل ضمن المشروع السعودي، وليس مجرد صراع يمني داخلي.
بالنسبة للسعودية فإن بناء وتمويل قوات جنوبية خارج البنية التقليدية للمجلس الانتقالي يمنحها أدوات عسكرية وسياسية متعددة، فهي تستطيع مواجهة الحوثيين بقوات يمنية محلية، وفي الوقت نفسه منع احتكار طرف جنوبي واحد للقوة العسكرية في المحافظات الجنوبية، وهذا يفسر أهمية هذه التشكيلات في معادلة ما بعد الحرب، فكلما توسعت هذه القوات وازدادت قدراتها أصبحت السعودية أكثر قدرة على التأثير في مستقبل الجنوب من خلال قوة عسكرية ترتبط بها مباشرة أو بقيادة مجلس القيادة الرئاسي، وهنا يصبح السؤال بالنسبة للقضية الجنوبية ما إذا كانت هذه القوات ستتحول مستقبلًا إلى جزء من التوازن الجنوبي أم إلى قوة تستخدم لضبط الجنوب ضمن مشروع الدولة اليمنية الموحدة.
لهذا فإن المعارك الحالية قد تكون بداية لإعادة تشكيل الخارطة السياسية والعسكرية، وليس مجرد جولة جديدة ضد الحوثيين، فإذا نجحت القوات الجنوبية المدعومة سعوديًا في تحقيق تقدم كبير في الشمال، فسوف تكتسب شرعية عسكرية ونفوذًا سياسيًا يمكن أن يغير موازين القوى داخل الجنوب نفسه، وقد تجد القضية الجنوبية أمام واقع جديد لا يكون فيه المجلس الانتقالي الممثل العسكري والسياسي الأقوى وحده، بل تظهر قوى جنوبية مسلحة أخرى ترتبط بالسعودية، وتملك رؤيتها المختلفة لمستقبل الجنوب. وفي المقابل سيبقى الحوثيون طرفًا لا يمكن تجاهله في أية تسوية قادمة، ولذلك فإن السؤال الأهم ليس من سينتصر في المعركة الحالية فقط؟ بل كيف ستوظف السعودية هذه القوات بعد الحرب؟ وكيف سيتعامل الحوثيون معها؟ وما إذا كانت مشاركتها ستقرب الجنوب من تحقيق قضيته السياسية أم ستعيد تشكيله ضمن توازن اقليمي جديد تحدده الرياض وصنعاء أكثر مما يحدده الجنوبيون أنفسهم؟