الأربعاء 9 سبتمبر 2026

الجمهورية .. لن نخذلها مرتين

• لي صديق من أبناء يافع، كلما اقترب شهر سبتمبر وأشهر الأعياد الوطنية، يلحّ علينا بإصرار عجيب أن نحتفل.. كان يقول إننا لا نقدّر هذه الأيام حق قدرها.. "هذه الأيام هي التي علّمتنا كيف نكون بشراً أسوياء لا عبيداً.. هي التي جعلت كل واحد منا يختار طريقه بنفسه.. لولا تلك الثورات، ولولا تضحيات الرجال الأوائل، لكنا نرزح في عالم العبودية".. يحدثنا عن "قيمة الجمهورية المفقودة، فردوس أهداف ثورات سبتمبر وأكتوبر.. وجه الإمامة الحقيقي، ثمن الخصومات السياسية، الحنين إلى رموز الجمهورية"..

كنا نستمع له بابتسامة فيها بعض الدهشة، ونظن أن حماسه مبالغ فيه، وكلامه أقرب إلى خطاب مناسبة منه إلى حقيقة نعيشها.. اليوم فقط أدركت أن صديقي اليافعي كان يرى ما لم نكن نراه.. وأن إصراره الغريب لم يكن مبالغة.. كان بصيرة سبقنا اليها بوعي كبير .
• وها هي الأيام تثبت صدق حدسه: مؤخراً افتتحنا لأول مرة في سويسرا احتفالنا بعيد الأضحى بالنشيد الوطني ووقفنا جميعاً تحت العلم اليمني.. كان الجميع يستمع إلى النشيد وهو يضع يده على قلبه وامتلأت العيون بالدموع وكأننا نسمع تلك الكلمات الوطنية لأول مرة..تحول النشيد إلى بكاء مكتوم في أرواحنا المثقلة بالغياب والتشرد والفقدان.. نردده بحشرجة في الحلق، نسمع فيها صراخ أرواحنا المشردة.. حينها.. عرفنا متأخرين أن تلك الأنغام الوطنية والجمهورية كانت السقف الذي يحمينا من مطر الذل.. وأن فقدان ذلك السقف يعني أن نقف عراة أمام كل ريح إمامية..
• هذه هي الحقيقة التي تجلس اليوم في حلوقنا كشوكة لا تُبتلع ولا تُلفظ.. كنا نمر على ذكرى الثورة كتقويم عادي.. إجازة رسمية، وأغانٍ وطنية نسمعها بأذن شاردة، لا تحرك فينا شيئاً.. لم نكن نشعر بثقل المعنى الذي تحمله كلمة "جمهورية".. ولا بحجم التحول الذي أحدثته تلك اللحظة في تاريخ هذا الشعب.. كانت الثورة بالنسبة لنا حدثاً بعيداً في كتاب مدرسي، لا نبضاً حياً في وجداننا.. حتى جاءت الأيام لتعلمنا أن ما كنا نمر عليه ببرود، هو بالضبط ما سنحتاج إليه لنبقى بشراً..
• حين نستمع لصوت أيوب طارش في أغانيه الوطنية.. نسمع فيها صوت رجال قرروا يوماً أن هذا الشعب يستحق أن يكون سيد قراره.. نرددها ونشعر بالغصة لأننا فهمنا ذلك متأخرين.. أن نكون أحراراً في وطننا، ليس هبة.. انه إنجازاً صنعه من سبقونا بدمائهم وارواحهم.. وأن الجمهورية ثمرة نضال طويل ودم كثير.. وأنها لم تكن مجرد تغيير سياسي.. لقد كانت ولادة لفكرة الإنسان المتساوي، الذي يحق له أن يحلم ويعمل ويرتقي.. وأن اليمني يحاسب بعمله لا بنسبه.. وبأننا نستحق أن نعيش أحراراً، وأن هذا الحق يستحق أن يُصان ويُدافَع عنه في كل جيل من جديد..
• أتذكر كيف كنا نمر على صور وأسماء رجال الثورة الأولى دون أن نعي رمزيتها.. كان (السلال، علي عبدالمغني، فتاح، وسالمين، الشعبي، عنتر، الحمدي، عبدالرقيب وأبطال السبعين ورفاقهم).. مجرد أسماء جافة نحفظها .. إما من أجل امتحان منهج أو لقراءة سطحية .. ثم ننساهم سريعاً. لم نكن نُوقن أن هؤلاء الرجال دفعوا بدمائهم ثمن أن يولد كل واحد منا حراً.. واليوم فقط، بعد أن رأينا كيف يراد تركيع الشعب لتحكم سلاله.. وجاء من يرى أن الحكم حق إلهي يورث لا يُنتخب.. صرنا نستعيدهم لا كرموز في منهج، بل كأشخاص فهموا معنى الكرامة الإنسانية قبل أن نفهمها نحن..
• الآن عاد ذاك الوجه القبيح.. خرج من الكهوف بعد أن ظل كامناً فيها لعقود، حاملاً كل ما كنا نظن أنه انتهى.. الطائفية.. والوصاية.. والطبقية.. ومنطق الحق الإلهي في الحكم.. لم تسعفه المساحيق الحداثية التي حاول أن يتجمل بها في البداية.. سرعان ما سقطت، وظهر ما تحتها.. نهب.. وتركيع.. وسجن للكلمة والفكرة معاً.. تلك الجمهورية التي كنا لا نراها ولم نفهم قيمتها، صارت اليوم حلماً يُتوسل، وكلمة تُقال بصوت خافت خشية أن يسمعها جدار..
• هذا الدرس لم يأتِ مجاناً.. جاء بعد أن أفرطت الأحزاب في خصوماتها الصغيرة، وتقاتلت على حصص السلطة وكأن الوطن كعكة تُقسّم، بينما كانت المليشيا تنبت بصبر وخبث في كل شق من شقوق ذلك الخلاف.. لم تكن قوية بقدر ما كنا نحن مشغولين عنها.. غفلنا، وتصارعنا على تفاصيل صغيرة، فابتلعت هي الصورة كاملة.. وحين أفقنا، كان الثمن قد استُوفي مقدماً.. من أعمارنا.. ومن أبنائنا.. ومن أرضنا..
• صديقي اليافعي كان يعرف هذا منذ زمن.. ربما لأن أبناء يافع، كغيرهم من أبناء هذا الوطن، يحملون في ذاكرتهم الجمعية معنى النضال من أجل الكرامة.. كان يريدنا أن نحتفل بسبتمبر وهو يعلم أن الاحتفال ليس طقساً فارغاً، وإنما تذكيراً ضرورياً بأن حرية الإنسان وكرامته لم تكونا هبة.. وأن ثمن جمهوريتنا دفعه آخرون قبلنا.. ففرطنا به.
• والآن على كل يمني جمهوري أن يعاهد مجدداً من قدموا أرواحهم ثمناً للجمهورية والعدالة والمساواة وإزالة الفوارق والامتيازات والطبقية على المضي في دربهم.. وأننا فهمنا أخيراً حجم الثمن الذي دفعوه من اجل إقامة حكم جمهوري عادل ..
هو درسٌ مجحف ومؤلم.. عُمّد بالدم والنفي والفقد والتشرد. لكنه، على الأقل، درسٌ لن يسمح لنا النسيان أن نكرره مرتين..