أيديولوجيا التجرد.. من وهم الخروج من الأيديولوجيا إلى علموية الحقيقة وفي الاستحواذ على فكرة خصمي!
ليست الأيديولوجيا مجرد مجموعة من الأفكار التي يعتنقها الإنسان ثم يرفعها في وجه خصومه، بحيث يكون الخلاص منها ممكنًا بمجرد أن نعلن انفصالنا عنها. المسألة أعمق من ذلك بكثير؛ لأن الأيديولوجيا قد لا تكمن في الفكرة وحدها، بل في الطريقة التي ترى بها الفكرة نفسها، وفي قدرتها على إخفاء الشروط التي أنتجتها، وعلى تقديم موقعها الخاص باعتباره الموقع الذي لا موقع له، وعلى تحويل منظور جزئي إلى صورة مكتملة للعالم. ولهذا فإن أخطر لحظات الوعي الأيديولوجي قد لا تكون حين يقول الإنسان: «أنا أمتلك أيديولوجيا»، وإنما حين يقول، بثقة مطلقة: «لقد خرجت من الأيديولوجيا، ولم يعد لي إلا العقل والواقع والعلم».
هنا تبدأ المفارقة. فالرغبة في التحرر من الأيديولوجيا قد تكون ضرورة معرفية وأخلاقية، لكنها حين تتحول إلى يقين بالتحرر الكامل قد تنقلب إلى أيديولوجيا من نوع آخر؛ أيديولوجيا لا تعلن نفسها أيديولوجيا، بل تختبئ في مفردات تبدو بريئة من كل انحياز: التجرد، الموضوعية، العقلانية، الواقعية، العلمية. وليس معنى ذلك أن التجرد وهم، أو أن الموضوعية مستحيلة، أو أن العلم مجرد أيديولوجيا مقنّعة؛ فهذا سيكون انقلابًا ساذجًا على الفكرة نفسها. المقصود أن الادعاء المطلق للتجرد يحتاج إلى مساءلة بقدر ما تحتاج الأيديولوجيا المعلنة إلى مساءلة.
لقد التقط ريمون آرون جانبًا بالغ الدلالة من هذه المفارقة في صيغته الشهيرة: «الأيديولوجيا هي فكرة خصمي». قوة هذه العبارة لا تأتي من كونها تعريفًا نهائيًا للأيديولوجيا، بل من كونها تكشف آلية نفسية ومعرفية وسياسية في غاية العمق: أنا أميل إلى اكتشاف الأيديولوجيا في وعي الآخر، بينما أرى ما يصدر عني باعتباره عقلًا أو حقيقة أو قراءة واقعية للوقائع. الخصم أيديولوجي لأن أفكاره مشروطة بموقعه ومصلحته وتاريخه؛ أما أنا فأبدو، في وعيي، كأنني أقف خارج كل هذه الشروط.
بهذا المعنى يصبح آرون كأنه يضع مرآة أمام ناقد الأيديولوجيا نفسه. فإذا كنت قادرًا على كشف الوهم الذي يحكم خصمي، فما الذي يضمن أنني لا أرى موقفي من داخل وهم آخر؟ وإذا كنت أفسر أفكار الآخر بموقعه الاجتماعي والسياسي والتاريخي، فلماذا أعفي أفكاري من السؤال نفسه؟ إن نقد الأيديولوجيا لا يبلغ نضجه عندما يستطيع أن يقول للآخر «أنت أيديولوجي»، وإنما عندما يصبح قادرًا على توجيه السؤال ذاته إلى موقع الناقد: ما الذي يجعلني أرى أيديولوجيا الآخر بوضوح، وأرى موقفي أنا بوصفه الحقيقة التي لا تحتاج إلى تفسير؟
ومن هنا تتصل المسألة بما كشفه ماركس عن الوعي الذي يستطيع أن يعكس علاقات القوة والمصلحة في صورة أفكار تبدو مستقلة عنها، وبما وسّعه كارل مانهايم حين جعل التفكير نفسه موضوعًا للسؤال السوسيولوجي: إذا كان الوعي متصلًا بالموقع الاجتماعي والتاريخي، فلا يستطيع ناقد الأيديولوجيا أن يمنح نفسه حصانة من هذا الشرط. إن الوعي الذي يكتشف أن الآخرين أسرى مواقعهم ثم يتخيل أنه وحده حر منها لم يتجاوز الأيديولوجيا، بل ربما أنتج صورتها الأكثر خفاءً؛ لأنه لم يعد يحتاج إلى الدفاع عن أيديولوجيته، وإنما اكتفى بإعلان أنه لا يملك أيديولوجيا أصلًا.
وهنا ينبغي التمييز بين أمرين كثيرًا ما يختلطان: أن تكون للأفكار شروط اجتماعية وتاريخية، وأن تكون كل الأفكار باطلة بالضرورة. الأول لا يستلزم الثاني. فالقول إن المعرفة تتشكل داخل التاريخ والمجتمع لا يعني أن الحقيقة مجرد مصلحة، ولا أن البرهان لا قيمة له، ولا أن جميع التفسيرات متساوية. بل يعني أن الطريق إلى الموضوعية لا يمر بادعاء الخروج من الشروط، وإنما بمحاولة الكشف عنها وإخضاعها للنقد، وجعل المعرفة أكثر قابلية للمراجعة وأكثر مقاومة لتحول موقع صاحبها إلى حقيقة مطلقة.
ومن هنا أرى بألا أكتفي بما قاله آرون، بل يمكن أخذ فكرة الخصم وقلبها عليه، وهنا أيضًا ينبغي أن نفهم كيف تستطيع السلطة أن تستولي على المفاهيم التي قامت أصلًا لمساءلتها. فالجمهورية يمكن أن تتحول من مبدأ تُحاسَب السلطة باسمه إلى اسم تحتكره السلطة؛ والديمقراطية يمكن أن تتحول من معيار لقياس شرعية الحكم إلى صفة تلصق بالحكم نفسه؛ والوطنية يمكن أن تنتقل من علاقة المواطن بوطنه إلى ملكية رمزية للسلطة، بحيث يصبح نقد السلطة نقدًا للوطن، والاعتراض على سياساتها عداءً للجمهورية، والمطالبة بالديمقراطية خروجًا على الديمقراطية ذاتها.
هنا لا تقوم السلطة بإلغاء الفكرة، وإنما تفعل شيئًا أكثر دهاءً: تستولي على اسمها ومعناها. وبمجرد أن تصبح السلطة هي الممثل الحصري للجمهورية أو الوطن أو الديمقراطية، ينتقل النزاع من سؤال: «هل السلطة تجسد هذه القيم؟» إلى سؤال آخر أخطر: «كيف يمكن لمن يعارض السلطة أن يكون معارضًا للقيمة نفسها؟». وهكذا يستطيع من صنع الفكرة أو ناضل من أجلها أن يجد نفسه متهمًا بأنه عدو لها، لأن السلطة أعادت ترتيب العلاقة بين الاسم والمعنى، وأصبح الاعتراض على ممثل الفكرة يبدو اعتراضًا على الفكرة ذاتها.
هذه الآلية ليست بعيدة عن منطق آرون؛ إذ يصبح «خصم السلطة» هو الأيديولوجي، بينما تقدم السلطة موقفها بوصفه واقعًا محايدًا، أو عقل الدولة، أو المصلحة العامة، أو الوطنية الصحيحة. وما كان ينبغي أن يكون مفهومًا مفتوحًا للنقاش يصبح ختمًا يغلق النقاش. وهنا تبلغ الأيديولوجيا إحدى أكثر صورها فاعلية: أن تختفي خلف الاسم الذي تدّعي حمايته.
لكن المسألة لا تتوقف عند السياسة. فالشيء نفسه يمكن أن يحدث مع العلم.
العلم، في جوهره، ليس عقيدة تقول إن نتائجها نهائية، وإنما ممارسة معرفية تقوم قوتها على الدليل والاختبار والنقد وقابلية التصحيح. إنه قوي لا لأنه معصوم من الخطأ، بل لأنه أنشأ داخل منهجه آليات لاكتشاف الخطأ ومراجعته. ولذلك فإن العلم الذي يرفض إمكان مراجعة نتائجه يبدأ بفقدان إحدى أهم خصائصه؛ لأن المعرفة العلمية لا تستمد قوتها من العصمة، وإنما من قابليتها لأن تُختبر وتُعارض وتُصحح.
غير أن العلم يمكن أن يتجاوز مجاله حين تتحول نجاحاته المنهجية إلى ادعاء فلسفي شامل: حين لا يعود السؤال «ماذا تستطيع العلوم أن تفسر؟»، وإنما يصبح «ما لا تستطيع العلوم أن تقيسه أو تختبره بالطريقة ذاتها لا يُعد معرفة أصلًا». عند هذه النقطة لا نكون أمام العلم بالمعنى المنهجي، بل أمام العلموية؛ أي أمام تحويل العلم من طريقة قوية في إنتاج معرفة عن جوانب من العالم إلى مرجعية شاملة تحدد وحدها ما يجوز أن يسمى معرفة.
والفرق بين العلم والعلموية ليس لفظيًا. العلم يقول: «هذه أداة ناجحة لفهم هذا النوع من الظواهر». أما العلموية فتوشك أن تقول: «هذه الأداة هي المعيار الوحيد الذي يحق له تحديد معنى المعرفة». العلم يبحث في الواقع ضمن مجالاته، أما العلموية فتريد أن تمنح نفسها سلطة على ما يقع خارج تلك المجالات أيضًا: على القيمة والمعنى والتاريخ والتجربة الإنسانية واللغة والأخلاق والجمال، وكأن الإنسان يمكن اختزاله إلى موضوع مادي واحد يمكن التعامل معه بالأداة ذاتها التي نتعامل بها مع الأشياء الطبيعية.
وهنا تظهر أهمية العلوم الإنسانية لا بوصفها علومًا ناقصة لأنها لا تقلد الفيزياء، بل لأنها تواجه موضوعًا مختلفًا: الإنسان الذي لا يكون مجرد موضوع صامت أمام الباحث، وإنما كائن يفسر نفسه، ويمنح أفعاله معنى، ويغير سلوكه حين يعرف أنه موضوع للدراسة، ويتحرك داخل اللغة والتاريخ والمؤسسات والرموز والقيم. ولذلك فإن اختلاف مناهج العلوم الإنسانية لا يعني سقوطها في النسبية المطلقة، كما أن قدرتها على استخدام مناهج كمية لا تجعلها نسخة من العلوم الطبيعية. إن اختلاف المنهج هنا ليس ضعفًا بالضرورة، بل قد يكون استجابة لطبيعة الموضوع المدروس.
والخطأ يبدأ حين يتحول هذا الاختلاف إلى معركة بين «علم حقيقي» و«معرفة لا قيمة لها»، أو حين يقال إن ما لا يمكن تحويله إلى رقم يفقد قيمته المعرفية. فالإنسان ليس رقمًا فقط، حتى وإن كان بعض جوانبه قابلًا للقياس؛ وليس معنى ذلك أن التجربة الإنسانية تقع خارج البحث العلمي، بل يعني أن قياسها لا يستنفد معناها.
لهذا فإن الإفراط في التجرد من الأيديولوجيا والإفراط في تعميم العلم يمكن أن يلتقيا في نقطة واحدة: الرغبة في امتلاك موقع لا يعترف بحدوده. الأيديولوجيا المغلقة تقول: أنا أملك التفسير النهائي. وأيديولوجيا التجرد تقول: أنا خارج كل موقع. والعلموية تقول: أنا أملك المعيار النهائي لما يستحق أن يسمى معرفة. وفي الحالات الثلاث يتحول موقف جزئي إلى سلطة كلية.
ليست المشكلة إذن في أن يكون للإنسان موقف، ولا في أن يستخدم العلم، ولا في أن يسعى إلى الموضوعية. المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الأشياء إلى حصانة ضد السؤال. فالموقف الذي لا يسمح بمراجعته يتحول إلى عقيدة، والتجرد الذي لا يعترف بشروطه يتحول إلى وهم، والعلم الذي يُرفع فوق النقد يتحول إلى سلطة، ونقد الأيديولوجيا الذي يستثني صاحبه يصبح هو نفسه قابلًا لأن يكون أيديولوجيًا.
ولذلك فإن التواضع المعرفي ليس تراجعًا عن الحقيقة، بل شرط من شروط الاقتراب منها. أن أعترف بأن موقفي مشروط لا يعني أنني أتخلى عنه، وأن أعترف بحدود العلم لا يعني أنني أرفض العلم، وأن أعترف بإمكان وجود الأيديولوجيا في خطابي لا يعني أنني أساوي بين الحقيقة والوهم. على العكس؛ إنني بذلك أضع موقفي تحت إمكان النقد، وأجعل معرفتي قابلة لأن تتقدم بدل أن تتحول إلى يقين مغلق.
ربما يكون السؤال الأكثر خصوبة، إذن، ليس: كيف نتخلص من الأيديولوجيا؟ وإنما: كيف نمنع الأيديولوجيا من أن تتخفى داخل إعلان التخلص منها؟ وليس السؤال: كيف نستبدل الأيديولوجيا بالعلم؟ وإنما: كيف نحمي العلم من أن يتحول، باسم نجاحه، إلى أيديولوجيا تدّعي احتكار الحقيقة؟
في المسافة بين هذين السؤالين يتشكل وعي أكثر نضجًا: وعي لا يدافع عن الأيديولوجيا، ولا يسقط في عبادة العلم، ولا يتوهم وجود عقل يقف خارج التاريخ، وإنما يظل يقظًا تجاه اللحظة التي تتحول فيها الفكرة من أداة للفهم إلى أداة للإغلاق، وحين تتحول الحقيقة من أفق مفتوح للبحث إلى ملكية خاصة، وحين تتحول القيمة من معيار لمساءلة السلطة إلى قناع تستتر خلفه السلطة.
وهنا تعود عبارة آرون، لا بوصفها خاتمة تعريفية، بل بوصفها امتحانًا دائمًا للوعي: إذا كانت الأيديولوجيا هي فكرة خصمي، فمن يفتش عن الأيديولوجيا الكامنة في فكرتي أنا؟
ربما تكون تلك هي الخطوة الأصعب في التفكير: أن لا أكتفي بكشف القناع عن وجه الآخر، بل أن أحتمل احتمال أن يكون على وجهي قناع أيضًا.



