القراءة و الكتابة من المهد الي اللحد
إن من أجمل ما جاء به الإسلام الحنيف أنه جعل القراءة والكتابة والتفكر والتأمل منطلقًا لبناء الإنسان، وفتح أمامه أبواب المعرفة والعلم، ودعاه إلى أن يقرأ ويتأمل ويتفكر في نفسه وفي الكون من حوله.
ولم تكن أول كلمات الوحي التي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوةً إلى القراءة بمعناها العادي فقط، وإنما كانت دعوةً إلى القراءة باسم الله، وإلى التأمل والتفكر والاستقراء في خلق الله وآياته في الكون والحياة.
قال تعالى:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الذي علم بألقلم علم الانسان ما لم يكن بعلم﴾. صديق الله العظيم
أتت كلمة «اقرأ» التي افتتح بها الوحي، لتضع الإنسان أمام مسؤولية المعرفة والتفكير والتأمل، لا أن تكون القراءة مجرد ترديد للكلمات، وإنما أن يقرأ الإنسان ما حوله، وأن يتأمل في مخلوقات الله، وأن يستقرئ الحياة وأحداثها، وأن يبحث عن الحقيقة والمعرفة. وان يتعلم لبعلم مالم يكن يعلم
ثم يأتي القلم ليؤكد مكانة الكتابة والتدوين في حياة الإنسان، فيقول الله سبحانه وتعالى:
﴿ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾.
فالقلم والكتابة ليسا ترفًا، وليسا مجرد وسيلة لتسجيل الكلمات، وإنما هما وسيلة لحفظ المعرفة، ونقل التجارب، وتوثيق الأحداث، وحفظ ذاكرة الأمم والشعوب.
ولولا الكتابة وتلندوين ، لما انتقلت إلينا علوم الأمم وتجارب الشعوب، ولما استطاع الإنسان أن يبني على ما سبقه إليه الآخرون، حتى وصل إلى ما وصل إليه اليوم من علم ومعرفة وتكنولوجيا.
ومن هنا كانت علاقتي بالكتابة قديمة، وإن اختلفت وسائلها من زمن إلى آخر.
كنتُ في الماضي أكتب على أوراق عادية، وفي دفاتر صغيرة، أدوّن فيها كل ما يدور في خاطري، وأفرّغ جزءًا من همومي وأفكاري ومشاعري.
كنت أكتب لنفسي، وابوح بما أعانيه وأحيانًا أكتب لأرتاح، ثم أغلق الدفتر وأضع ما كتبت في مكان لا تصل إليه الأعين.
وكنت أتجنب نشر ما أكتب، ليس خوفًا من الكتابة، وإنما خوفًا من تبعاتها.
فكلما نشرتُ موضوعًا أو عبّرتُ عن رأي، كانت لذلك تبعات مختلفة؛ فتارة يتوقف المعاش، وتارة يأتي التهديد والوعيد، وتارة تتوقف الترقيات والدرجات، وكأن الكلمة الصادقةسواء المكتوبه او لمنطوقه جريمة، وكأن التعبير عن الرأي مخالفة تستوجب العقاب. ولم يكن أي كاتب بكتب مرحبا به ماعدي من يكتب مدحا وتطبيل
كان ذلك زمنًا كانت فيه الكلمة الصادقة والمعبره لها ثمن، وكان الكاتب أو صاحب الرأي يحسب حساب ما يكتب، ليس لأنه لا يملك ما يقوله، وإنما لأنه يعرف أن للكلمة تبعات قد تتجاوز حدود الورق والحبر.
أما اليوم، فقد أصبحت متقاعدًافلست اخاف من قطع معاش مع انه شبه مقطوع او توقيف ترقيه او حتي صرت لا الاابالي بالنهديد والوعيد .
صرت متقاعدا
لكنني أقولها بكل وضوح:
لن أموت قاعدًا، ولن أتقاعد من الحياة، ولن أتقاعد من القراءة الكتابة والتدوين.
و
سأموت واقفًا، شامخًا، وسأبوح بما عشته، وما رأيته، وما تعلمته من هذه الحياة.
سأكتب عن تجربتي، وعن معاناتي، وعن أحلامي التي تحققت، وعن أحلام أخرى لم تجد طريقها إلى الواقع.
سأكتب عن الأشياء التي أحببتها، وعن الأشياء التي آلمتني، وعن مواقف مررت بها وتركت في داخلي أثرًا لا تمحوه السنوات.
فالكتابة ليست مجرد حروف تُرسم على الورق، وليست مجرد كلمات تُنشر على صفحات التواصل الاجتماعي.
الكتابة جزء من حياة الإنسان.
وهي بالنسبة لي وسيلة للتعبير، والتأمل، واستعادة الذاكرة، ومراجعة التجربة، وربما تكون أيضًا محاولة مني لأن أترك شيئًا من هذه الرحلة لمن يأتي بعدي.
ولهذا سأكتب.
سأكتب عن الظواهر السلبية، وعن الفساد والإفساد، وعن الأخطاء التي أراها في حياتنا ومجتمعنا، ولكنني لن أكتب للتشهير بأحد، ولن أكتب لإهانة أحد أو السخرية منه أو شتمه أو جرح مشاعره.
ولن اكتب مطبلا لاحد او منتظرا من أحد مقابل ما اكتب
سأكتب لأنني أؤمن أن الكلمة يمكن أن تكون وسيلة للإصلاح، كما يمكن أن تكون وسيلة للهدم وجنبني الله الكتابه الهدامه.
وسأترك للقارئ حقه في أن يوافقني أو يختلف معي، وأن يكتب تعليقه مؤيدًا أو معارضًا، ولكن بعيدًا عن التجريح والتهديد والوعيد.
ولذلك، حين يختلف معي أحد ومع ما اكتب ، أود الجميع انني لا أبحث عن خصومة، وإنما أبحث عن حوار.
فالاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة، والنقد لا ينبغي أن يتحول إلى إساءة، والكلمة الواعظه يمكن أن تكون أكثر قيمة من الصمت إذا جاءت في إطار الاحترام والحوار.
لقد قال لي العديد من اسرتي و بعض الأصدقاء، وربما بحسن نية:
«خليك متقاعد حتى من الكتابة، ف الكتابه والبوح والتدوين تؤثر علي صحتك وعلي علاقنك بمن لا تعجبه كتاباتك.»
و يذكروني بما كنت اعاني ويعاني معي كل اسرتي من تبعات نقاشاتي وما كنت انشره نادرا
لكنني أقول لهم: لا.
لقد تقاعدتُ من الوظيفة، ولم أتقاعد من الحياة، ولم أتقاعد من التفكير، ولن أتقاعد من الكتابة والتدوين والبوح
فإذا كان الإنسان قد بلغ مرحلة من العمر تجعله أكثر قدرة على قراءة الحياة وفهم تجاربها، فلماذا يُطلب منه أن يصمت؟
لماذا أتقاعد من الكتابة وأنا الآن أملك من التجربة ما لم أكن أملكه بالأمس؟
إن السنوات لا تسلب الإنسان بالضرورة قدرته على التفكير، بل قد تمنحه شيئًا لا تمنحه سنوات الشباب، وهو تراكم التجربة.
فما عشته بالأمس، وما رأيته خلال سنوات العمل والحياة، وما مررت به من مواقف، وما شاهدته من نجاحات وإخفاقات، كلها أصبحت اليوم جزءًا من رصيد التجربة الذي يمكن أن أكتب عنه.
سأكتب ما دمت قادرًا على الكتابة، وسأقول ما أراه حقًا، وسأترك للقارئ أن يحكم على ما أكتب.
لن أصمت.
لن أصمت عن الظواهر السيئة، ولن أصمت عن الفساد والإفساد، ولن أصمت عن كل ما أراه بحاجة إلى كلمة أو موقف أو سؤال.
لكنني في الوقت نفسه لن أجعل الكتابة وسيلة للانتقام من أحد، ولن أجعل القلم أداة لتصفية الحسابات.
فالقلم مسؤولية، والكلمة أمانة، ومن يكتب عليه أن يدرك أن ما يكتبه قد يؤثر في إنسان، أو يغير فكرة، أو يفتح بابًا للحوار، أو يساهم في إصلاح شيء من الخلل.
ومن وجد في بعض ما أكتب نفسه، أو رأى أن الكلام يعنيه، فليتوقف قليلًا مع نفسه، وليبحث عن سبب انزعاجه قبل أن يبحث عن صاحب القلم.
أما أنا، فسأظل أكتب.
سأكتب ما عشته، وما رأيته، وما تعلمته، وما أتمنى أن أراه في وطني ومجتمعي.
وسأظل أكتب لأنني أؤمن أن الإنسان لا يتقاعد من التفكير، ولا يتقاعد من المعرفة، ولا يتقاعد من حقه في التعبير.
فالسنوات التي مضت من العمر لا تجعلني أكثر خوفًا من الكلمة، بل تجعلني أكثر مسؤولية تجاهها.
تقاعدتُ من الوظيفة، لكنني لم أتقاعد من الحياة.
وتقاعدتُ من العمل، لكنني لم أتقاعد من التفكير.
وقد تتغير الأوراق من دفاتر صغيرة أخفيها عن الأعين إلى صفحات مفتوحة يقرأها الجميع، لكن القلم سيبقى هو القلم، وستبقى الكلمة مسؤوليتي.
وسأظل أكتب ما دمت قادرًا على الكتابة.
لن أتقاعد من الكتابة.
تحياتي للجميع.



