الإثنين 7 سبتمبر 2026

لماذا نرفض استمرار الحرب؟

وسط سعير الحرب المشتعلة في عدد من المحافظات اليمنية، وبين أصوات التحشيد والتأييد للأطراف المتصارعة، يقف معظم اليمنيين على مشارف الجوع والهلاك، وتزداد أوضاعهم المعيشية والاقتصادية سوءًا وانهيارًا يومًا بعد آخر، وتغيب الخدمات، وتتضاعف الجبايات، وتقل فرص العمل، وتتوقف مصادر الدخل والعيش لمعظم الأسر اليمنية. ثم يأتي من يتساءل: لماذا ترفضون الحرب وتطالبون بإيقافها؟

قد يكون التساؤل في هذا الأمر مشروعًا، لا سيما إن كان المتسائل يبحث عن الحقيقة ليقيّم موقفك ويتفهم أسبابك، لكن السؤال الذي نواجهه بصورة مستمرة كلما طالبنا بوقف الحرب وحقن الدماء، يأتي من باب التهكم والتشكيك في مواقفنا ومبادئنا التي نؤمن بها وننطلق من خلالها.
ويأتي السؤال، في الغالب، ليكشف عن تهم التخوين والتجريح؛ إذ يُقال إنك تقف على الحياد في حرب لا ناقة لك فيها ولا جمل، وفي صراع سياسي ودموي لا علاقة له بالوطن ولا بهموم المواطنين، ولا بالمشاريع الوطنية التي تُعلي من شأن الوطن ومصالحه وسيادته، ولا من شأن المواطن وكرامته وحقوقه وإنسانيته.
لقد مضت سنوات تتجاوز العقد من الزمن على أزمة سياسية بدأت بين الأطراف اليمنية، ثم تحولت، مع مرور السنين، إلى حرب طاحنة تغذيها المشاريع الإقليمية والمصالح الدولية، وترعاها الأمم المتحدة، وتحولت فيها الأطراف اليمنية إلى مجرد أدوات لتسيير مخططات ومشاريع دولية، في إطار ما يسمى بإعادة ترتيب خارطة المنطقة وفق قواعد الصراع بين الدول الكبرى.
وبرأيي الشخصي، فإن كل الشعارات والعبارات والمصطلحات التي تُستخدم لتبرير استمرار الحرب وشرعنة الاقتتال بين اليمنيين، ليست سوى لافتات وهمية، وقد سقطت معظمها خلال السنوات الماضية من خلال فترات الهدن المعلنة بين الطرفين؛ حيث عجز الطرفان عن تقديم نماذج مشرفة للدولة التي لا يزال معظم اليمنيين يتوقون إليها: دولة النظام والقانون والحكم الرشيد.
وبرغم أن سنوات وفرص الهدن التي مرت سابقًا كانت كافية للطرفين ليقدم أحدهما تجربة مثالية في الحكم وإدارة المؤسسات وتقديم الخدمات، ويخفف من معاناة المواطنين الذين يعيشون في مناطق سيطرته، فإنهما فشلا في ذلك، وظل كل طرف يلقي باللوم على الطرف الآخر، وكأن كلا منهما يشرعن لوجود الآخر ويستمد بقاءه من بقاء الآخر.
كانت فترات الهدن والتهدئة التي عاشها اليمنيون كافية ليثبت الطرفان أحقيتهما في إدارة السلطة وحكم البلاد، من خلال عدة وسائل، تتمثل في تثبيت الأمن والاستقرار في مناطق سيطرتهما، وتحسين وتطوير الأوضاع الاقتصادية والمعيشية والخدمات العامة، وتسليم رواتب ومستحقات الموظفين والعاملين في القطاعات الحكومية.
وكان بإمكانهما أيضًا وضع خطط وبرامج وطنية تنموية ترفع من الإنتاج المحلي، وتتيح أمام الناس الكثير من فرص العيش والعمل، وتحفظ للمواطن اليمني حقوقه وكرامته وحريته وقدره ومكانته، إضافة إلى ترتيب أوضاع المتضررين من الحرب، ومعالجة مشكلاتهم، وتعويضهم عما لحق بهم وبممتلكاتهم من خسائر وأضرار، وغير ذلك من الوسائل التي تنم عن حرص الأطراف على ما يسمى «السيادة الوطنية» أو «استعادة الدولة والشرعية».
لكن الطرفين لا يهتمان بهذه الجوانب والقضايا، بل لديهما حسابات ودوافع أخرى تتعلق بالصراع الإقليمي والدولي، وبمصالح دول إقليمية ترتبط بالصراع بين الدول العظمى.
إنني أفهم، كما يفهم الكثير من الناس، أن طريق استعادة الدولة يبدأ من تثبيت ركائز السلطة في مناطق سيطرتك، وتحقيق عوامل ومقومات الاستقرار الأمني والاقتصادي والمعيشي والخدمي، وتقديم نموذج للحكم المدني الرشيد والعدالة الاجتماعية.
كما أفهم أيضًا أن الطريق إلى الكرامة والسيادة الوطنية يبدأ من كرامة المواطن وسيادته، وصون حقوقه وحريته، والتخفيف من معاناته، وحل مشكلاته وقضاياه، ورفع قدره وشأنه في وطنه وبين أبنائه وأسرته ومجتمعه.
لقد عمل الطرفان على تدمير مؤسسات الدولة، وتمزيق النسيج الاجتماعي، والتفريط بالإنسان وكرامته، وسفك الكثير من الدماء، واعتقال الكثير من الأبرياء، تحت مبررات استعادة الدولة والسيادة الوطنية.
فلا عادت الدولة، ولا تحققت السيادة، ولذا فإن استمرار الحرب بينهما يأتي في إطار الصراع الإقليمي والدولي، وليس من أجل اليمن واليمنيين.
وباعتقادي، فإن رفض الحرب والمطالبة بوقف القتال وحقن الدماء وتحقيق السلام، هو الخيار الذي يصب في مصلحة اليمن واليمنيين، ولا سواه.