السبت 12 سبتمبر 2026

من هنا نبدأ

أقصد من العنوان أعلاه أن نبدأ الرحلة المؤجلة لاستعادة الدولة التي تم الانقلاب عليها، ومن انقلب عليها هاهو يستكمل مشروعه تماشيًا وترابطًا مع مجريات الحرب والمواجهة الأمريكية الإيرانية، وقلق خليجي. وضمن هذه السوداوية والقاتمة تبرز أسئلة محورية ذات أبعاد زمانية ومكانية وجيوسياسية، نفصلها على النحو التالي:

أولًا: من الناحية الزمانية، يرتبط هذا التغول الحوثي تجاه تعز بثلاثة عناوين رئيسية:

العنوان الأول: رمزية تعز بما تمثله، ومن ثم فإن الإجهاز عليها، نظرًا لما تعانيه من جملة مشكلات متراكمة، تسهل عملية قضمها وإبعادها عن معركة الساحل، بدءًا بقطع شرايين التواصل بين جغرافيا تعز الداخل وامتدادها غربًا.
العنوان الثاني: قد حانت لحظة حسم من يمتلك السيطرة والتأثير الميداني بساحة المعركة الجارية بمضيق هرمز، واقتراب موعد أحداث ما هو أبعد وأخطر من مجرد اضطرابات تمس مكانة ودور البحر الأحمر. والأكثر خطورة تكامل السيطرة على مضيقي هرمز وباب المندب إيرانيًا، ومقدمات ذلك تتمثل بما بادرت له قوى انقلاب صنعاء كي تلغي أي معوقات تحول دون هذا التوجه الإيراني لاستخدام ساحة البحر الأحمر والمضايق أوراقًا ضاغطة وأوراق مقايضة، حال الوصول لساحة التسوية السياسية أمريكيًا إيرانيًا، وبضغط وساطات متعددة، إما وفق مذكرة التفاهم القديمة والعودة إليها، أو بديلها، وبما يعكس تفاهمات شتى تحبذ اللعب بميدان السياسة، وهو أمر وارد، إذ هناك أزمة الانتخابات الأمريكية وصراعات داخل أروقة بقايا الدولة العميقة. كما أن الداخل الإيراني المخنوق اقتصاديًا ومخافة من أن يشكل ذلك عامل تآكل للنظام، وهو هدف استراتيجي للحرب الأمريكية الإسرائيلية لم يتحقق حتى الآن. من هنا تمثل رياح عودة سفينة السياسة مخرجًا جيدًا يداوي جراحات الطرفين.
ثالثًا: اختيار الحوثي لجبهة تعز كان انطلاقًا مما سيترتب على هذا الغزو من إثارات وحزازات، ما يزال البعض يتعامل بها ويثيرها ضد تعزها وتاريخها الوطني.
من هنا لنا أن نقرأ تحركات الحوثي صوب تعز ومحاولة قضمها وفصلها عن جسد تهامة المخا، بل وبقية الوطن، ونرى بأن سيناريو كهذا يتضمن أهدافًا تتطلب تلاحمًا وطنيًا بعيدًا عن أي تشنجات، أهدافًا تتمثل بـ:
نقل المعارك إلى الضفة الأخرى، بما يخفف العبء على الجانب الإيراني، ويلقي بثقل الحرب ومآسيها على بلادنا، وهي ليست بحاجة لمزيد من المآسي، بينما هي بحاجة لمشروع للتحرير الشامل عبر مشروع وطني لاستعادة الدولة وإسقاط أي مشروع ينقلب عليها.
تقودنا لحظة المفاجأة العبثية التي أثارتها مغامرات الطرف الحوثي المنقلب لتفهم أبعاد هذه المغامرة، خاصة وهي لم تأتِ من فراغ، كما أنها ليست وليدة اللحظة، لكنها تدوير لمعطيات المواجهة ونقل ثقلها لتلقي بظلال خطورتها على أمن واستقرار وسيولة الملاحة وانسياب حركة التجارة الدولية بالبحر الأحمر، مرورًا بباب المندب، دونما عوائق تزيد من الكلفة الاقتصادية التي ولدتها الاضطرابات بمضيق هرمز.
وإذا أخذنا بالاعتبار بأن خلق مواجهات وعدم استقرار داخل بيئة مضطربة، بنظر الحوثي معادية، يشكل مسعى لامتلاك فرصة تحقق هدفين برمية حجر واحد: تدمير تعز وعزلها، والعبث بساحل تهامة المخا، وصولًا للعبث بالوضع بباب المندب والملاحة وسيولة التجارة الدولية عبر البحر الأحمر.
ما ذكر أعلاه مفهوم ومتوقع، ولكن الأهم والأكثر أهمية التأكيد على الأمور التالية:
أولًا: أن المواجهات الدائرة ينبغي أن تتطور لمشروع وطني للخلاص مما أحدثه انقلاب الحوثي، أو أي انقلاب مماثل بالبنية الوطنية، من تشوهات.
ثانيًا: هي لحظة تاريخية، إن فاتت لن تعود، تتمثل بأهمية انتظام كافة القوى الوطنية شمالًا وجنوبًا لإنجاز هذا الهدف، عبر تعزيز مكانة الشرعية اليمنية، المطالبة بإعادة تقويم أدائها وتوسيع هيكلية وأسس المشاركة الوطنية.
ثالثًا: لا مناص من توحيد أدوات المواجهة مع تمدد الحوثي ضمن مفهوم أدوات الدولة الواحدة، وليس عبر تشكيلات عسكرية لها مسميات غير ذات صلة بعقيدة أي جيش وطني لابد من إيجاده، إذ إن تاريخ مؤسسة الجيش الوطني كان خلال كافة مراحل الصراع التي شهدتها بلادنا، الانتماء الوطني، إذ ما من أهم مقومات وأهداف الدولة خلاف ذلك شكل تجاوزًا للتاريخ الوطني لمؤسسة الجيش الوطنية.
أخيرًا، نقف أمام أخطر عامل يشكل خطرًا على قوة وتماسك قوة الدفع لكافة الجهود السياسية والمدنية والعسكرية التي يتم تسخيرها لمواجهة التغول الحوثي. هذا الخطر، كما أراه، يتمثل ببعض الدعوات التي تنطلق من هنا أو هناك، تشير بصوت مرتفع بأن ما يجري، سواء بتعز أو ساحل تهامة، أمر لا يعنينا. ذاك أمر خطير، بل خطر يخدم ويعضد موقف الحوثي.
لا بأس أن تطرح رؤى تولد قوة دفع وطنية تخرج من شرنقة المناطقية والاستبعاد، أو محاولة أي تيارات أو قوى بعينها تعمل للسيطرة على مفاصل الدولة الهشة ومواردها، وعلى حساب وطن ومواطن يعانيان الأمرين. ذلك ما نتمناه سبيلًا لوحدة الصف الوطني لمواجهة خطر، خطره يشمل الجميع.