لحظة تعز الكاشفة
شهد اليمن عودة إلى حالة الحرب، وقد اندلعت أعنف معاركها في إحدى أشد جبهاتها خصوصية. إذ تنبع أهمية المعركة للجماعة ليس من مجرد عودة عسكرية، بل من عودة إلى واحدة من أكثر جغرافيات الصراع بؤسًا، وهي الجغرافيا التي امتهنت فيها سياسة القتل والحصار.
تعمد الجماعة إلى توجيه كثافة نيرانها تجاه جغرافيا الموقف قبل الجغرافيا العسكرية، ذلك أنها تدرك أن تحقيق نصر حقيقي في تلك الجبهة يعني فقدان الإيمان المجتمعي العام بالدولة ومؤسساتها، وإضعاف كل احتمال ورغبة مجتمعية عامة في عودة الدولة والقطع مع ذلك. فتتجه نيرانها نحو ثقل تعز السكاني والمجتمعي والسياسي، الذي تنتظم حركته السياسية والثقافية في إطار وطني جامع، ولا يجد انتظامه الطبيعي خارج الحسابات الوطنية.
تعز، ذلك القطاع المنفصل بين هشاشة الدولة وثقل المجتمع في مواجهة الجماعة. المدينة التي ظل ثقلها الجمهوري حاضرًا ثقافيًا واجتماعيًا وسياسيًا، لا تواجه الحوثي بوصفه جماعة عسكرية فحسب، وإنما تنظر إليه باعتباره حالة ثقافية وسياسية واجتماعية بدائية، لا يمكن العودة إليها.
في الوقت ذاته، تظهر لحظة الشرعية الغائبة. فالمعركة التي ينبغي على الدولة ومؤسساتها والشرعية وقيادتها التقاطها واقتناصها لإعادة بناء الثقة وإثبات قدرتها على المبادرة والسيطرة، تبدو وكأنها تتعامل معها بمنطق العجز الذي أدمنت معه البقاء خلف شعارات القطاعات المنفصلة، بدل الحضور إلى قلب الجغرافيا والمعركة. فالشرعية لا تعاني فقط من غياب المبادرة، بل من انفصالها عن الجغرافيا التي يفترض أن تمثلها. فالمسألة هنا لا تتعلق فقط بعجزها المخزي عن الاستجابة والحضور الذي يعيد تأكيد حقيقة وجود الدولة ووظيفتها، بل تكشف كذلك هشاشة قدرتها على الحفاظ على ما تسيطر عليه، فضلًا عن إعادة باقي الجغرافيا المستلبة.
وفي المقابل، تمارس الجماعة في معركتها الجريمة العامة تجاه المجال العام والمواطنين بوعي سياسي مسبق بأثر ما تفعله تجاه المناطق التي تسقط، حتى وإن كان سقوطها مؤقتًا. ذلك أنها لا ترتكب الجريمة بدافع الجريمة فحسب، بل تدرك المعنى السياسي الذي تقوم عليه، وأن وظيفتها السياسية تتجاوز الأذى المباشر إلى إضعاف وتقويض الثقة المجتمعية بمؤسسات الدولة. وبذلك تعمل على إعادة تشكيل الوعي والإدراك المجتمعي للمواطنين تجاه الدولة، بوصفها غائبة عن مواطنيها، منفصلة عن واقعهم ومعاناتهم، وعاجزة عن حمايتهم والاستجابة لهم.
وهنا تحديدًا تستعيد تعز ثقلها الجمهوري، حاضرًا في ثقافتها ومجتمعها وسياساتها، وفي قدرتها على إنتاج موقف يتجاوز حدود المواجهة العسكرية إلى رفض نموذج كامل يريد فرض نفسه على المجال العام.
وهنا يكمن ثقل المعركة وأهميتها ورمزيتها السياسية والمعنوية. تعمل الجماعة على ضرب مركز الثقل المجتمعي الراغب في عودة الدولة والدافع إليها، وتتدافع مع موجة من الحضور السياسي الكثيف، غير القابل للخضوع لجملة الجهل المكثف التي تنصبها الجماعة حول المدينة.
لا يمكن أن تختصر المعركة بقدرة المدينة على صد همجية الخصم، بقدر ما تكمن في عدم قابليتها لتوطّنه داخل المدينة وريفها.
تكمن تعز في اللحظة، واللحظة كاشفة. فتحضر وتتصدر فيها المدينة، في الوقت الذي يضعف فيه الأثر الوجودي لمؤسسات الدولة عن واجهة المعركة، لتكشف تعز عن قدرتها على بناء خارطتها الوطنية حين تغيب الدولة.



