الأحد 6 سبتمبر 2026

دموع في طريق الجامعة..!

في مارس 2018، يوم هَرّبتُ الأسرة من قرية «جُعيشان» بمديرية الصلو، خوفًا عليها من بطش الحـ..وثيين، كونها ما تزال واقعة تحت سيطرتهم بسبب تواجدي بطرف الشرعية إلى جانب القائد الشهيد عدنان الحمادي، كان عمر «رؤى» اثني عشر عامًا وكانت بالصف السابع تقريبًا.

•••

وها هي اليوم «رؤى» تتوجه إلى المدينة من أجل مواصلة الدراسة بجامعة تعز.

مع لحظة مغادرتها البيت في قرية «يافق» التابعة لعزلة بني حماد، انفجر البيت بالبكاء، أجهشت أمها، وأختها الكبيرة «أبرار»، ثم «جبران»، و«أرسلان»، والصغير «أكرم».

•••

هذا هو أول يوم ستبتعد فيه عنهم، وأول ليلة سينامون وهي غير موجودة معهم، وهم غير موجودين معها تحت سقف واحد.

وغدًا سيفتقدونها في الصباح أكثر ولن يرونها وهي تطوف كالفراشة، تكنس غرف البيت المتواضع الذي أسكننا فيه مجانًا صاحبه الفقيد حمود محمد هاشم -رحمة الله تغشاه- وترتب غرفه، وما إن تكتمل السابعة صباحًا إلا والبيت يضيء نضارةً وأناقة، رغم بساطة الأثاث وشظف العيش.

•••

كان حلم أمهم -منذ نجا طفلها الخامس «زكريا» بعد أن فقدت قبله أربعة أبناء لم يكن الواحد منهم يعيش أكثر من يومين أو ثلاثة- أن تستقر في مدينة تجمعهم، كي تراهم يخرجون كل صباح إلى الجامعة ويعودون إليها مع المساء.

لكن الأحلام في بلادنا أثقل من أن تُحمل.

فبدموع حرّى، ودعت بالأمس فقط ابنها الأكبر العائد إلى الجبهة، بعد أن اضطر لترك مقعده الجامعي لعدم قدرتي على دفع نفقات دراسته.

واليوم، وهي تسكب الوجع بدموعها، تودع ابنتها «رؤى» المتجهة إلى تعز، لا إلى بيت أخ أو قريب، بل إلى السكن الخيري الذي وفرته «جمعية الصنّة» لإيواء بنات المعسرين حتى لا يضيع حلمهن في التعليم.

•••

أبى إخوتها إلا أن يمشوا خلفها إلى منتصف «نقيل يافق»، حيث تمر حافلة «عثمان القدسي» مبكرًا كعادتها كل أيام الأسبوع نحو تعز عدا يوم الجمعة.

عندما وقفت الحافلة لحمل أمتعة رؤى فوق سقفها العلوي، انفجر الدمع من عين حمراء متدفقًا على خد الصغير «أكرم» وهو يعانقها ويقبلها بشغف:

"من سيحممني ويغسل لي ثيابي؟

من سيأخذني هذه السنة إلى المدرسة؟".

انفطر قلب كل من في الحافلة وسائقها وهم يرون دموعه ودموع أخويه الصامتة تنهمر على قارعة إسفلت طريق الجبل، حتى كسر أحد الركاب خنق اللحظة قائلًا:

"هيا ما لكم.. إنها لن تذهب إلى الموت.. إنها ذاهبة للجامعة وستعود في الإجازات، وإن شاء الله يفتح على أبيكم ويستأجر بيتًا بتعز وتجتمعون من جديد".

تحركت الحافلة في منعطفات الطريق الجبلي الملتوي كثعبان وعند آخر منعطف التفتُ إلى الخلف، فإذا هم لا يزالون واقفين في مكانهم، ولا شك أنهم كانوا يبكونها بمرارة ويتشبثون بأثر الحافلة.

•••

بسبب غصة هذا اليوم الذي فارقت فيه «رؤى» أحضان الأسرة، نسيتُ أن أهنئ الولد «جبران» بعيد ميلاده الثامن عشر.

وحتى لا يتسرب الشك إليه أني ناسٍ يوم ميلاده أبعث إليه من مدينة تعز قائلًا:

كل عام حبيبي جبران وأنت بخير، وإن شاء الله السنة القادمة ستلتحق برؤى للدراسة الجامعية.

وفي الوقت نفسه أسأل الله أن يحفظ «رؤى» من كل سوء ومكروه، وأن يكون معها، وأن أرى اليوم الذي تعانق فيه حلمها.

•••

قبل الختام.. يا ترى هل كان ضروريا نشر هذا الموقف..؟

في الواقع جدًا.. نعم.. لأني في الأصل مريض من عدة سنوات، وأتعاطى أدوية مدى الحياة.

ولأني على يقين أني سأغادر هذه الفانية بأي لحظة مفاجئة أحرص منذ بضع أشهر على الإكثار من الكتابة عن أي شيء يستهويني، ويمثل بمضمونه قضية ما تقتضي الكتابة عنها هذا من ناحية، ومن ناحية تالية أرى أن موقف اليوم هو من تلك المواقف التي تقتضي التوثيق كي يبقى لرؤى وبقية إخوتها بمثابة حافز دائم سيبقى يدفعهم إلى المثابرة لمواصلة دراستهم مهما كانت الظروف صعبة، والتحديات كبيرة.

أخيرًا.. إن كان هنالك من شكر يجب أن أتقدم به لشخص ما في هذا السياق، فهو لتلك اليد الخفية التي أعادت لقلب رؤى الأمل، وأصرت على ضرورة أن تواصل دراستها الجامعية.

لهذا أشكر تلك اليد أكثر مما أستطيع التعبير عنه بالكلمات.