الأحد 6 سبتمبر 2026

سنن التدافع وصناعة المستقبل

تعيش الأمة العربية والإسلامية اليوم مرحلة دقيقة تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتغير خلالها موازين القوة والنفوذ على نحو متسارع. وفي عالم لا ينتظر المترددين، لم يعد ممكنًا مواجهة تحديات الحاضر بعقلية الاكتفاء بمجد الماضي أو الاستسلام لواقع الضعف، وإنما أصبح النهوض مسؤولية تستدعي الوعي بالواقع، وفهم سنن التحول، وامتلاك أسباب القوة والعمل والتخطيط.

وفي هذا السياق، تبرز سنة التدافع باعتبارها إحدى السنن التي أقام الله عليها الحياة، فقال سبحانه: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾. فالحياة ليست حالة ثابتة، والأمم لا تبقى على حال واحدة؛ تتقدم حين تمتلك أسباب القوة، وتتراجع حين تفقدها، وتستعيد قدرتها على النهوض عندما تدرك مواطن ضعفها وتعيد بناء أسباب قوتها.
ومن هنا، فإن فهم هذه السنة لا ينبغي أن يبقى مجرد تأمل في أحداث التاريخ، وإنما ينبغي أن يتحول إلى وعي بالواقع ومسؤولية تجاه المستقبل. فالله سبحانه جعل ما ينفع الناس باقياً، فقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾، بما يجعل معيار النهوض الحقيقي مرتبطًا بما تقدمه الأمة من خير للإنسان، وما تبنيه من عدل ومؤسسات ومعرفة واستقرار وقدرة على صناعة المستقبل.
لقد علّمتنا التجارب الإنسانية أن التقدم لا يُمنح للأمم مجانًا، وأن الحضارات لا تُبنى بالأماني، وإنما بالإرادة والمعرفة والعمل وحسن إدارة الموارد والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص. وقد جسّد الأنبياء والرسل والمصلحون عبر التاريخ هذه الحقيقة، فكانوا نماذج في مواجهة الانحراف والظلم، وإعادة بناء الإنسان والوعي، والدعوة إلى الحق والإصلاح.
وكان رسول الله ﷺ النموذج الأبرز في تحويل المبادئ إلى واقع، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. وقال سبحانه: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾. ولم يكن التغيير الذي أحدثه الإسلام مجرد انتقال في الأفكار، بل كان بناءً للإنسان، وإعادة ترتيب للقيم، وتأسيسًا لمجتمع يقوم على المسؤولية والعدل والتكافل واحترام الإنسان.
والتاريخ نفسه يؤكد أن القوة والضعف ليسا حالتين أبديتين؛ فالأيام تتداول بين الناس، كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾. وما وصلت إليه أمة من قوة يمكن أن يتراجع إذا تعطلت أسبابها، وما أصابها من ضعف ليس قدرًا أبديًا إذا امتلكت الإرادة والوعي وأعادت بناء مقومات قوتها.
ومن هذه الحقيقة ينبغي أن نقرأ واقع الأمة العربية والإسلامية اليوم. فالتحديات التي تواجهها لم تعد عسكرية أو سياسية فقط، بل أصبحت تمتد إلى الاقتصاد والتعليم والتكنولوجيا والإعلام والثقافة والأمن الغذائي والطاقة والمعرفة والقدرة على التأثير في البيئة الدولية. وأصبحت القوة في عالم اليوم تُقاس كذلك بامتلاك المعرفة، والبحث العلمي، والتقنية، والاقتصاد المنتج، والمؤسسات الفاعلة، ورأس المال البشري، والإعلام المهني، والقدرة على حماية القرار والمصالح العامة.
ولهذا فإن النهوض الذي تحتاجه الأمة اليوم لا يقوم على القوة المادية وحدها، وإنما يبدأ ببناء الإنسان والمؤسسات، وترسيخ قيم العدل والشورى والحرية، والدفع نحو المشاركة والديمقراطية والتعددية السياسية والمساءلة، ومواجهة الاستبداد والفساد وكل عوامل التمزق والتبعية؛ بما يفتح الطريق أمام بناء مجتمع أكثر وعيًا وتماسكًا وقدرة على صناعة مستقبله.
فالحرية ليست ترفًا سياسيًا، والمشاركة ليست مجرد ممارسة شكلية، والتعددية السياسية ليست مصدرًا للفوضى متى ارتبطت بالقانون والمسؤولية، والمساءلة ليست وسيلة للصراع، بل أدوات أساسية لحماية المجتمع وتعزيز الثقة العامة وتصحيح مسارات الحكم والإدارة. وحيث يضيق مجال المشاركة، وتتراجع الحريات، ويغيب صوت المجتمع، تتسع الفجوة بين الناس ومؤسساتهم، وتصبح الأزمات أكثر قابلية للتراكم والانفجار.
كما أن إصلاح التعليم ليس شأنًا يخص قطاع التعليم وحده، بل قضية تتصل بمستقبل المجتمع والأمة كلها؛ لأن المدرسة والجامعة ومراكز البحث هي التي تصنع الإنسان القادر على التفكير والإبداع والإنتاج. ولا يمكن لأمة أن تحجز لنفسها مكانًا في عالم المعرفة وهي تهمل التعليم، أو تضعف البحث العلمي، أو تترك عقول شبابها خارج دائرة صناعة القرار والتنمية.
ولا يقل الإعلام أهمية عن التعليم؛ فالإعلام المهني الواعي قادر على بناء المعرفة العامة، وكشف الحقائق، ومواجهة التضليل والشائعات، وفتح المجال أمام الحوار المسؤول، بينما يتحول الإعلام حين يفقد استقلاليته ومهنيته إلى أداة للاستقطاب والتعبئة والانقسام. ومن هنا تصبح حماية المجال الإعلامي والثقافي جزءًا من حماية المجتمع نفسه.
إن الأزمة الحقيقية لا تكمن دائمًا في حجم التحديات الخارجية، وإنما في الطريقة التي نتعامل بها معها. فالأمم التي تعرف مواطن ضعفها تستطيع أن تبدأ معالجتها، أما التي تنكر أزماتها أو تلقي مسؤولية كل إخفاقاتها على الآخرين، فإنها تؤجل المشكلة ولا تحلها.
والنهوض يبدأ من الداخل؛ من الإنسان الذي يدرك مسؤوليته، ومن المجتمع الذي يستعيد ثقته بقدرته على التغيير، ومن المؤسسات التي تقوم على الكفاءة والقانون، ومن النخب التي تقدم المصلحة العامة على الحسابات الضيقة. وقد وضع القرآن قاعدة واضحة في هذا المجال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾.
ولا يعني ذلك تجاهل العوامل الخارجية أو التقليل من أثرها، فالعالم يقوم على المصالح وموازين القوة والتنافس والنفوذ، لكن التعامل معها لا يكون بالشكوى الدائمة، وإنما ببناء القدرة الذاتية التي تجعل الأمة أكثر قدرة على حماية مصالحها، وأكثر حضورًا في محيطها، وأقل ارتهانًا للآخرين.
إن سنة التدافع ليست دعوة إلى الصراع العبثي، وإنما هي تذكير بأن الحياة لا تستقر على حال، وأن الفراغ لا يبقى فراغًا، وأن التراجع يفتح المجال أمام قوى أخرى للتقدم. ولذلك فإن الأمة التي لا تبادر إلى بناء قوتها، وتطوير مؤسساتها، وإصلاح تعليمها، وحماية حرياتها، وتوسيع مشاركتها، وتطوير اقتصادها ومعرفتها، ستجد نفسها مضطرة إلى التعامل مع نتائج ضعفها بدل أن تكون شريكًا في صناعة المستقبل.
إن المطلوب اليوم ليس استعادة الماضي كما كان، ولا تكرار تجارب التاريخ بحذافيرها، وإنما فهم أسباب القوة التي صنعت لحظات النهوض، ومعرفة أسباب الضعف التي قادت إلى التراجع، ثم توظيف هذا الوعي في بناء الحاضر والمستقبل.
فالأمة لا تستعيد مكانتها بمجرد تذكّر أنها كانت قوية، ولا بالشعارات والخطابات، وإنما حين تتحول إرادتها إلى مشروع، ومعرفتها إلى عمل، وثرواتها إلى إنتاج، وشبابها إلى طاقة بناء، ومؤسساتها إلى أدوات خدمة عامة، وقيمها إلى ممارسة، ووعيها إلى قدرة على الفعل.
إن سنة التدافع تضع أمامنا حقيقة لا يمكن تجاهلها: لا شيء يدوم على حاله، ولا ضعف يستمر إلى الأبد، ولا قوة تبقى من دون أسباب تحفظها. وما يبقى هو ما ينفع الناس، وما يُبنى على المعرفة والعدل والحرية والمسؤولية والعمل.
ومن هنا يبدأ طريق النهوض الحقيقي: أن نقرأ واقعنا كما هو، لا كما نريده أن يكون؛ وأن نعترف بمواطن الخلل بدل إخفائها؛ وأن نمتلك شجاعة الإصلاح، وإرادة التغيير، وقدرة التخطيط، وأن نحول طاقات الأمة من حالة الانتظار إلى حالة الفعل. فالمستقبل لا يُستعاد من الماضي، وإنما يُصنع بإرادة الحاضر ووعي المستقبل.