المقيل البرلماني: المدرسة التي صقلت صالح
مقطع فيديو قديم استمعت لمقابلة تلفزيونية مع الرئيس الأسبق/ علي عبدالله صالح رحمه الله.
وقفت طويلاً أمام الشاشة.
الرجل يظهر في غاية الأناقة، ويتحدث بلباقة وجرأة تدهشك، فسألت نفسي مباشرة: هل هذا هو نفس الشخص الذي رأيناه في بداية عهده بالرئاسة عام ١٩٧٨م متلعثماً أحياناً، خجولاً، يتردد في الكلمة ويتلعثم بها؟
مرت بذاكرتي كل تلك السنوات. من يوم أدائه اليمين الدستورية في 17 يوليو 1978، إلى أن قابلته لأول مرة في منتصف شهر أبريل عام ١٩٩٣م ونجح في إكراهي على الانسحاب من الترشح لعضوية مجلس النواب؛ حيث كنت المرشح المستقل المنافس حينذاك لمرشح المؤتمر في الدائرة الأولى القاضي العلامة احمد عبدالرزاق الرقيحي رحمه الله إلى التقائي به مرات بعدها، والى ان صار العالم يشاهده وهو يلقي محاضرات على الأكاديميين في الجامعات اليمنية، وتتصدر خطاباته في القمم العربية نشرات الأخبار، وتتردد عباراته في مجالس الناس البسطاء قبل النخب.
أعلم في قرارة نفسي أن ثلاثة عقود في كرسي الحكم كفيلة بأن تصقل أي إنسان. اللقاءات مع الساسة، والدبلوماسيين، والمثقفين، كل تلك الأشياء تصنع منك شخصاً آخر، وهذا لا ينتقص من الرجل في شيء، بل على العكس.. يؤكد ذكاءه وقدرته الفائقة على التعلم والاستفادة من الآخرين، وهي ميزة تُحسب له.
لكن السؤال الذي ظل يلح عليّ وأنا أشاهد الفيديو: من أين جاء بهذه الحذاقة والحذلقة؟
رجل نشأ في بيئة لا تعرف إلا شهامة القبيلة وخشونة لعسكرة، فلم يكن له في بداياته حظ يذكر في الجوانب المدنية، أوالأدبية، أو الثقافية والسياسية.
فمن أين جاء بكل هذا الدهاء والبلاغة والكياسة والقدرة على الرد الجرئ الساخر؟
وهنا تذكرت بيت شعر من قصيدة للشاعر الجاهلي ( عدي بن زيد العبادي) يقول:
"عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه
إن القرين بالمقارن يقتدي."
فعدت بذاكرتي الخؤون إلى ماكنت اسمع عن طبيعة ونوعية رواد مقيله الذي كان يسميه بنفسه: "برلمانه" فكان يردد مقولة "مقيلي هو البرلمان حقي".
فتذكرت ان مقيله كان مفتوحاً للنخب من مشايخ وقضاة ووزراء وشعراء وصحفيين وعسكريين وتجار وساسة، وأدباء يمنيين، وعرب ووو... والكل يجلس ويتكلم والرئيس يسمع. وكنت اسمع انه كان يستمع أكثر مما يتكلم في البداية، ثم صار يخزن كل كلمة وكل رد وكل مثل وكل نادرة من النوادر الساخرة منها والجادة.
كان يستمع للمشير السلال ويلتقط منه نفحات من التاريخ المعاصر والظرافة الصنعانية ويستمع للدكتور حسين العمري فيلتقط منه شذرات من تاريخ اليمن الوسيط والقديم، ويستمع للقاضي عبّد الكريم العرشي فيأخذ منه قراءة مابين السطور ولغة الحسم الهادئ ، ويستمع للشيخ/ عبدالله بن حسين الأحمر، فيلتقط منه الدهاء، وللعميد مجاهد أبو شوارب فيأخذ منه الحكمة القبلية، وللشيخ سنان أبو لحوم فيتعلم منه اللماحية والنباهة رغم أنه كان يتحاشى دهاء هؤلآء الرجال ومن على شاكلتهم.
وفي زاوية أخرى كان يجلس عبدالله البردوني فيرمي بكلمة نقد ساخرة يضحك لها المجلس كله، فيحفظها الرئيس، ويستخدمها بعد شهر في خطاب.
وكان عبدالعزيز المقالح يرد رداً رصيناً فيتعلم منه الوزن. وكان يُعجب بشاعر الحب والسياسة شيخ الجعاشن الشيخ الشاعر/ محمد احمد منصور حين يسمع منه أبلغ قصائده، و كان يعجب كذلك بمحمد عبدالملك المتوكل وهو يحلل له المشهد السياسي بعمق حتى لو اختلفا، فلأنه كان يحب أن يسمع الرأي الآخر.
ولم يكن يخلو مقيله من العسكر والسياسيين؛ مثل اللواء علي محسن الأحمر الذي لازمه لسنوات طويلة ، إلى محمد إسماعيل وأحمد فرج وعبدالله القاضي وحسين المسوري، ويحيى المتوكل، وناجي الرويشان، ومنصور عبد الجليل، وأحمد العماد، ودرهم نعمان، وعبد الله البشيري، وعلي صلاح، ويحيى الراعي، وغيرهم. ومنهم أخذ ثقافة الجيش وفن إدارة الأزمة.
ومن "رجال المهمات الصعبة" وخاصة الدكتور/ عبدالكريم الإرياني، والاستاذ/ عبدالعزيز عبدالغني، فتعلم منهم فذلكة السياسة، والدبلوماسية، وخطاب "الدولة المدنية".
ولم يخلُ المقيل كذلك من رجال الاقتصاد الذين صاغوا سياسات الدولة لسنوات.
كان يجلس فيهم الدكتور محمد سعيد العطار، والأساتذة،: أحمد السماوي ومحمد جباري، ومحمد أحمد الجنيد، وعلوي السلامي، وعلي لطف الثور، واحمد صوفان، ومن هؤلآء وغيرهم تعلم لغة الأرقام، والموازنة، والتنمية، وسمع منهم عن مشاريع البنية التحتية، والاستثمار، وكيف تُدار خزينة الدولة؟ فكان يستمع لنقاشهم عن النفط، والموازنة، والقروض، والخصخصة، ويوازن بين رأي السياسي ورأي الاقتصادي.
المؤكد أن حضور مقيله قبل الوحدة كان 90% منه من مشايخ حاشد، وأدباء من محافظات شمالية عدة. ونادراً ما كنا نسمع بوجود وجهاً جنوبياً أطل على مقيله، من غير الأستاذ محمد سالم باسندوة أطال الله عمره، والأستاذ عبدالله الأصنج رحمه الله.
وبعد 22 مايو 1990 تغير المشهد؛ فدخل المقيل سالم صالح محمد، وجعفر باصالح، وعبد الله البار، ومحمد العيدروس، وعلي سيف حسن، والشيخ طارق الفضلي والشيخ عبدالله بن عيسى العمودي وسالم صالح العامري وعمر بن حبريش وغيرهم الكثير ، وبعد حرب 94 غاب البعض وحضر البعض. جاء عبدربه منصور هادي الذي كان يصفه صالح بـ "الرجل الرصين المتزن"، وجاء محمد حيدرة مسدوس ومحمد علي احمد وغيرهم وغيرهم.
وحتى الأسماء التي هي اليوم في الواجهة والتي صار خير للبلاد ان ينالوا حظوظهم من الراحة السياسية كالدكتور رشاد العليمي، وعبده الجندي ويحيى الراعي، وحمود عباد، وحمود خالد الصوفي، وحمود الهتار، وبن دغر، ومعمر الإرياني، وسلطان البركاني، ومحمد اليدومي، وعبد الوهاب الانسي،
هؤلاء كلهم كان لهم حضور ومقعد في ذلك المقيل، فلا غرابة في ذلك؛
فحتى حسين بدر الدين الحوثي كان من فترة إلى أخرى يرتاد مقيل الزعيم.
وكان نبيل الصوفي في آخر فترة رئاسة صالح هو من تولى منصب سكرتيره الإعلامي، وهو الذي كان يصوغ له الخطابات، ويرتب له مايلزم لمواجهة الإعلام.
كل هذا وأنا أسأل نفسي:
هل كان المقيل مجرد مجلس قات؟
لا والله.
كان جامعة.!
جامعة لم يدخلها صالح كطالب، لكنه تخرج منها أستاذا ماهرا وفاهما لمهنته؛
فمن المشايخ أخذ الدهاء، ومن المثقفين أخذ البيان، ومن السياسيين أخذ الفذلكة. ومن الاقتصاديين أخذ لغة الدولة والتنمية. فخرج لنا خطاب خليط: قبلي في دهائه، مثقف في لسانه، عسكري في حسمه، ومدني في منطقه.
وفي الأخير أقولها بوضوح:
لا يمكن أن نحمل كل هؤلاء الذين أحاطوا بصالح، بل وكل الذين عملوا خلال فترة حكمه وزر ما وصلنا إليه اليوم، ولا يمكن في الوقت نفسه ان نبرئهم جميعاً مما وصلنا اليه فالإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيرة، والتاريخ لا يرحم ،،،
وللشعب ذاكرة قادرة على تمييز الغث من السمين.
والخلاصة فكل شخص يؤثر ويتأثر بمن حوله، والقائد الجيد القائد المحترم يُحسن اختيار بطانته ويتفنن في اختيار رواد مجالسه الخاصة فيختار من هؤلآء واولئك من هم على شاكلته ففترة حكم علي عبدالله صالح رحمه الله لا تبرأ من الفساد إلا انه كان اخف بكثير جداً من فساد اليوم لأن الذين أحاطوا بتلك الفترة ساسة وقادة كانوا يملكون اخلاقا حتى الفاسدون منهم فأغلبهم كان لديهم شيء من الحياء لذلك كانوا أقل فساداً من ساسة وقادة اليوم وكان لديهم قدر لابأس به من الإنسانية والرحمة بالمواطن؛ لذلك لم يصل بالمواطن اليمني وجع الجوع كما هو عليه اليوم وكان نتاج ذلك دولة ومشاريع - كيف ما كانت وأياً كانت مصادر تمويلها- وخطاب سياسي مفوه ورواتب موظفين جارية وعلاوات وإكراميات لم تقطع ابداً وكان المواطن اليمني- نسبياً- آمناً في سربه معافى في جسده، عنده الحد الادنى من قوت يومه، محترماً في وطنه، وخارج وطنه، وهو ما يفتقر اليه اليوم، والسبب أننا عندما ننظر اليوم إلى ساسة وقادة البلاد في طول البلاد وعرضها وإلى المحيطين بهم نرى نتائج مختلفة تماماً. هناك من يحيط بهم ممن يغذي خطاب الحرب والاقتال والتجهيل والجبايات، والتجويع، ويغيب الجانب التنموي من أساسه إلى رأسه.
وهناك من يحيط بهم ممن يرسخ الفساد في أقبح صوره ونهب الثروات والإثراء على حساب معاناة الناس، وكلهم هنا وهناك قد اوقفوا رواتب الموظفين منذ سنوات، وكلهم قد أسهموا في فقد المواطن اليمني لكرامته في وطنه وخارج وطنه.
رحم الله علي عبد الله صالح فقد رحل عن دنيانا بماله وماعليه.
ويبقى ذكر الله هو الأجمل.



