معايير النشر الصحفي: بين سلطة الفكرة وسلطة العلاقات
منذ ما يقارب ثلاثة عقود وأنا أنشر في بعض الصحف الرسمية وغير الرسمية، وخلال متابعتي لما يُقدم من مواد ثقافية وأدبية وفكرية، ألحظ أن الوسط الصحفي يمر باختبار يتعلق بجوهر المهنة، وهو آلية اختيار ما يُنشر.
ومن أبرز ملامح هذا الاختبار، كما بدا لي، ظاهرتان متلازمتان:
الأولى: تغليب العلاقات الشخصية والمجاملات والمحسوبيات وما في حكمها على المعايير المهنية الموضوعية.
الثانية: تقديم الشكل اللغوي والاستعراض البلاغي على حساب المضمون المعرفي ووضوح الفكرة وسلاستها. وهما معاً - في تصوري - تُفرغان الصحافة من وظيفتها الأصلية، وهي أن تكون منبراً للفكرة قبل أن تكون منبراً للأشخاص.
ومن الطبيعي أن تقوم الصحافة على شبكة علاقات: قرابات وصداقات وزمالات تؤطرها جميعاً الثقة، لكن المشكلة تبدأ في اللحظة التي تتحول فيها هذه العلاقات من "تسهيل" إلى "تعقيد"، ومن جسر مساعد إلى "بوابة عبور" لا يمكن تجاوزها.
عندها يتراجع السؤال الجوهري: هل هذه المادة مهمة للقارئ؟ هل تضيف جديداً؟ هل تلتزم بمعايير الدقة والصدق والوضوح؟
ويتقدم عليه سؤال آخر: من كتبها؟ من أي دائرة؟ من يزكيها؟ هل تُعنى بما نُعنى به؟ هل تدور في فلكنا؟
عند هذه النقطة تحديداً يبرز مشهدان يكشفان الصورة:
- مشهد الانتظار: كاتب يُسلّم مادة علمية موثقة، فيأتيه الرد بأن يقف على رصيف الانتظار إلى أجلٍ مسمى، وغالباً غير مسمى. فتبقى المادة حبيسة الأدراج لأسابيع، وقد تتجاوزها إلى شهور، لا نُشرت ولا اعتُذر عنها. وكأن ترك الكاتب معلقاً أهون من قول "لا" بمهنية تحفظ للجميع حقه وجهده ووقته.
- مشهد التسريع: في المقابل تُنشر مادة عن عمل لشخصية ثقافية وفكرية معروفة خلال أيام قليلة. ومع الإقرار بأن المادة مميزة، فإن اللافت أن رابط النشر يصل إلى الشخصية المعنية قبل أن يصل إلى كاتب المادة. فيصبح الانطباع قوياً بأن العلاقة الشخصية والتوافق الفكري والاهتمامات الثقافية وأموراً أخرى هي التي فتحت الباب ومهدت الطريق لتسريع نشر المادة.
إن مثل هذه الحالات، وإن بدت فردية، تتراكم حتى تصنع تقليداً أو عُرفاً. عُرفاً يقول: الصفحة ليست ملكاً للفكرة الجيدة، بل ملكاً لشبكة العلاقات. والنتيجة الحتمية: إحباط الكاتب الجاد الذي لا "ظهر" له.
الظاهرة الموازية - إن صح التوصيف - هي الانتقال من "الكتابة من أجل الفكرة" إلى "الكتابة من أجل اللغة". إذ نجد مقالات مكتظة بمفردات معجمية، بعضها نادر، وبتراكيب بلاغية متكلفة، وبصور بيانية متراكمة. لكن القارئ يخرج في النهاية بسؤال: ما الفكرة التي أراد الكاتب أن يقولها؟
هنا لا تخدم اللغة المعنى، بل قد تحجبه. ولا توضحه بقدر ما تجعله ضبابياً. ويتحول هدف المادة المكتوبة من "الإقناع" إلى "الإبهار"، ومن "التبسيط" إلى "التعقيد".
لا شك أن امتلاك ناصية اللغة أمر مهم، وهي فِعل تخصص، ونتاج تراكم معرفي، وعلاقة وثيقة مع القراءة، ومهارة ومِراس على الكتابة، والتعبير بها يُظهر ملكات وقدرات عقلية يتميز بها الكاتب عن غيره. فاللغة أدب وفن وموسيقى ومتعة لا تُضاهى. وفي هذا الصدد تروق لي كتابات بعض الزملاء ممن اعتلوا صهوة اللغة وعبَروا بها فضاءات الفكر والأدب بمهنية واحتراف. لكن في الصحافة تبدو اللغة الجيدة هي اللغة الشفافة. فهي التي توصل المعنى بأقصر طريق وأوضح تعبير، كما أنها تخاطب أفهاماً متفاوتة في درجات الوعي والقدرة على التركيز والاستيعاب.
وفي هذا الخصوص، تبدو هاتان الظاهرتان أكثر حضوراً في السنوات الأخيرة. لكن المعادلة تغيرت في المقابل، فمنصات السوشيال ميديا كسرت احتكار المنصات والمواقع الصحفية لسنوات طويلة، فلم يعد النشر حكراً على أفراد أو جماعة أو فئة أو شلة متجانسة بأي صورة من الصور. بل صار الكاتب قادراً على أن ينشر ما يكتبه في حسابه بحرية، وفي أي وقت ومناسبة، ويتفاعل معه ويشاركه جمهور من المتابعين من كل القوالب الثقافية والفكرية.
في هذا الفضاء الجديد، تُعبِّر الفكرة الجيدة عن نفسها وتجد طريقها إلى عقول الناس بكل سهولة ويسر، فهي لا تحتاج "تزكية" ولا "واسطة" ولا "دوراً في الطابور". يكفي أن تكون صادقة وواضحة ومفيدة حتى يتداولها الناس وتستقر في أذهانهم. وهذا يضع (بعض) منابر الصحافة لاسيما المنصات الإلكترونية أمام مفترق طرق: فإما أن تراجع معاييرها وتستعيد ثقة الكاتب والقارئ، أو أن يهجرها الاثنان معاً إلى فضاء أكثر انفتاحاً وعدالة.
إن استمرار هاتين الظاهرتين، برأيي، يكلِّف ثلاث خسائر:
١. خسارة الكُتاب الجادين، الذين ينسحبون بصمت، لأنهم لا يملكون "واسطة نشر".
٢. خسارة القارئ، الذي يفقد الثقة ويهجر المنابر التي لا تحترم وقته وعقله.
٣. خسارة المهنة، التي تتحول تدريجياً من رسالة عامة إلى نشرة داخلية لبعض الأفراد والجماعات.
وفي المقابل، فإن من دواعي الإنصاف، الإشادة ببعض ما ينشر في بعض هذه المنصات، وهو نشر يجمع بين الشكل والمضمون، بين المحتوى الواضح واللغة الرصينة.
ختاماً
الصحافة في جوهرها - وفق بعض الرؤى - عقد ثقة بين ثلاثة أطراف: المؤسسة والكاتب، والكاتب والقارئ، والمؤسسة والقارئ. وحين يختل أحد أطرافه، يتصدع البناء كله.
ولاستعادة هذا العقد، نحتاج إلى خطوتين:
أولاً: أن تضع المنصات والمواقع الصحفية معايير نشر معلنة وشفافة وتُطبقها على الجميع بلا استثناء. وأن تلتزم بمدة زمنية للرد: بالقبول أو بالاعتذار المهني. فالاعتذار الواضح احترام، والتسويف الطويل استهتار.
ثانياً: أن نعود إلى السؤال الجوهري قبل كل سطر نكتبه: "ما الجديد الذي سأقدمه؟"
وأن نهتم بالفكرة أولاً، ثم نلتمس لها لباساً لغوياً يليق بها. لا أن نخيط فكرة واهية لثوب لغوي فاخر.
في النهاية، الناس لا تتذكر مقالاً بسبب كلمة نادرة فيه. الناس تتذكر المقالات التي غيرت زاوية رؤيتهم، أو بسطت لهم معقداً، أو نطقت بما كانوا يفكرون به.
وحين نُعيد معايير الجودة والأهمية والوضوح في الكتابة إلى صدارتها، نضمن أن يبقى المنبر الصحفي مساحة للحوار والفكر العام، لا مساحة للمجاملات والانتظار والوعود المؤجلة.



