الأحد 6 سبتمبر 2026

حين يخسر الإنسان.. من المنتصر؟

الناس يفكرون بمن تقدّم ومن تأخر، من انتصر ومن انهزم، من سيطر على جبل ومن خسر مدينة، من رفع راية ومن أنزل أخرى.
أما أنا، فلا أستطيع أن أفكر بهذه الطريقة.

أنا أفكر في الناس.
أفكر في أولئك الذين خرجوا من بيوتهم تحت جنح الظلام، يحملون أطفالهم، ويسوقون أمامهم ما تبقى من مواشيهم، يمشون بخطوات مرتجفة لا يعرفون إلى أين يذهبون، ولا إلى متى سيظلون هاربين، ولا لماذا اضطروا أصلًا إلى الرحيل.
أتساءل عمّا يدور في رؤوسهم وهم يلتفتون خلفهم للمرة الأخيرة نحو بيوتهم.
هل سيعودون؟
ومتى؟
وهل سيجدون منازلهم كما تركوها، أم سيعودون ذات يوم فلا يجدون إلا حجارة سوداء وذكريات تحت الرماد؟
أفكر في ذلك الطفل الصغير الملتصق بصدر أمه، يسمع أصوات الانفجارات ويرى الرعب في عيون الكبار، ولا يفهم لماذا يركض الجميع، ولماذا ترتجف يد أمه، ولماذا لم يعد مسموحًا له أن ينام في فراشه الصغير.
هو لا يعرف شيئًا عن السياسة، ولا عن الخرائط، ولا عن خطوط التماس، ولا عن موازين القوى.
كل ما يعرفه أن العالم الذي كان آمنًا بالأمس أصبح مخيفًا اليوم.
أفكر في الأرملة التي طرق الخبر بابها فجأة.
قيل لها إن زوجها لن يعود.
تلتفت إلى أطفالها الواقفين أمامها، تتأمل وجوههم الصغيرة، ثم تنهار.
ربما لا تبكي زوجها وحده في تلك اللحظة، بل تبكي مستقبلًا كاملًا انكسر أمام عينيها.
من سيشتري الخبز؟
من سيأخذ الصغير إلى الطبيب؟
من سيحمل عنهم ثقل الأيام؟
ومن سيجيب حين يسأل أحد أطفالها مساءً: متى يعود أبي؟
أفكر في طفل يتيم يقف أمام باب المدرسة، ينظر إلى زملائه بثيابهم وحقائبهم وكتبهم الجديدة، ثم ينظر إلى ثيابه القديمة ويديه الفارغتين.
وربما يسأل نفسه بصمت:
لو كان أبي هنا، هل كنت سأقف هكذا؟
أفكر في سكينة القرى حين تمزقها الصواريخ فجأة.
قرى كانت تعرف صوت المؤذن، وصياح الديكة، وخطوات النساء إلى الآبار، وضحكات الأطفال في الأزقة، فتستيقظ ذات ليلة على دويّ لا يشبه شيئًا عرفته من قبل.
يدخل إليها رجال بوجوه مغبرة ومتعبة، تسبقهم البنادق والخوف، يفتشون البيوت، يأخذون ما يستطيعون حمله، ثم يرحلون، تاركين وراءهم أبوابًا مكسورة، وجدرانًا مثقوبة، وبيوتًا تتحول شيئًا فشيئًا إلى أكوام من الحجارة والرماد.
وأفكر في تلك المساجد القديمة التي كانت تمتلئ بجباه أهل القرى في الفجر والمغرب، ثم أصبحت صامتة.
مآذنها ما تزال واقفة، لكن أصحاب الوجوه التي اعتادت رؤيتها تفرقوا في الجبال والمدن ومخيمات النزوح.
كأن المكان نفسه أصبح ينتظرهم.
أفكر في قلب أم تسمع أن ابنها، الذي لم يتجاوز الثالثة عشرة، سيذهب إلى جبهة قتال.
ذلك الطفل الذي كانت تراه منذ أشهر عاجزًا عن حمل حقيبته المدرسية الثقيلة، صار مطلوبًا منه اليوم أن يحمل بندقية.
كيف تنام تلك الأم؟
كيف تتخيله وحيدًا في جبل بارد، أو وادٍ مظلم، أو خلف صخرة ينتظر رصاصة لا يعرف من أين ستأتي؟
وأي فكرة في هذا العالم تستحق أن يتحول طفل إلى مقاتل قبل أن يعرف جيدًا معنى الحياة؟
أفكر في شاب لم يمض على زواجه سوى أسبوعين.
كان قبل أيام يدخل بيته وسط التهاني والضحكات، وكانت زوجته ترتب أحلامها الصغيرة معه، بيتًا، وأطفالًا، وحياة طويلة.
ثم يعود إلى البيت محمولًا على أكتاف الرجال.
رصاصة جاءت من جبل بعيد أنهت كل شيء.
خلال لحظة واحدة تتحول ثياب العرس إلى ثياب حداد، وتتحول المرأة التي كانت عروسًا قبل أيام إلى أرملة.
أي نصر يستطيع أن يعيد لها تلك الليالي التي لم تعشها؟
أفكر في الطفل الراعي الذي خرج صباحًا خلف أغنامه كما يفعل كل يوم.
لم يكن يحمل سلاحًا.
لم يعرف حتى معنى خطوط القتال.
كانت مهمته الصغيرة أن يعيد الأغنام إلى البيت قبل المغيب.
ثم داس على لغم.
استيقظ في المستشفى فاكتشف أن إحدى قدميه لم تعد موجودة.
سيكبر هذا الطفل.
سيصبح شابًا ثم رجلًا، وسيحمل معه طوال حياته سؤالًا لا جواب له:
لماذا كانت هناك قنبلة مدفونة في الطريق الذي كنت أرعى فيه غنمي؟
أفكر في ملايين الأطفال الذين تمر طفولتهم دون مدرسة تليق بهم.
صفوف متهالكة، وكتب ناقصة، ومعلمون يرهقهم الفقر، وأجيال تتعلم كيف تتعايش مع الحرب أكثر مما تتعلم الرياضيات والعلوم.
وأفكر في شباب تذبل زهرة أعمارهم وهم جالسون لساعات طويلة يمضغون القات، ينتظرون وظيفة لا تأتي، ومستقبلًا لا يعرفون من أين يبدأ، ودولة لم تمنحهم فرصة عادلة كي يكتشفوا ماذا يمكن أن يكونوا.
كم طبيبًا ضاع؟
كم مهندسًا؟
كم شاعرًا؟
كم عالمًا؟
كم مشروعًا جميلًا مات قبل أن يولد لأن صاحبه لم يجد مدرسة جيدة أو جامعة محترمة أو فرصة عمل تحفظ كرامته؟
أفكر في المستشفيات.
في ذلك الأنين الطويل خلف الأبواب.
في أم تحمل طفلًا مريضًا وهي تبحث عن دواء غير موجود.
وفي رجل يبيع آخر ما يملك ليدفع ثمن علاج.
وفي طبيب يقف أمام مريض يعرف كيف يعالجه، لكنه لا يملك الجهاز ولا الدواء ولا الإمكانات.
كم إنسانًا لم تقتله الرصاصة، ولكن قتلته نتائج الحرب؟
أفكر في طفل أيقظه حر الصيف ليلًا لأن الكهرباء انقطعت.
يتقلب فوق فراشه الصغير وقطرات العرق تغطي وجهه، بينما تحاول أمه أن تحرك قطعة كرتون فوقه لتمنحه قليلًا من الهواء.
طفل آخر في مكان آخر من العالم ينام تحت جهاز تكييف هادئ ولا يعرف أن هناك أطفالًا يعتبرون ليلة كاملة من الكهرباء حلمًا.
أفكر في المسافر الذي ضل طريقه في صحراء مترامية لأن الطرق تهدمت أو أغلقت بسبب الحرب.
يبقى أيامًا بين الرمال، يراقب كمية الماء القليلة التي معه وهي تنفد، ويشعر بأن الموت يقترب ببطء، لا لأنه ارتكب جريمة، بل لأنه أراد الانتقال من مدينة إلى أخرى في وطنه.
أفكر في المهاجر الذي يقف في المطارات طويلًا، ممسكًا بجواز سفره.
يرى الآخرين يعبرون بسهولة، بينما يخضع هو للأسئلة والانتظار والشكوك.
ليس لأنه ارتكب شيئًا.
بل لأن اسم بلده أصبح مرتبطًا بالحرب والفوضى والفقر.
كم هو مؤلم أن يتحول الوطن، الذي ينبغي أن يكون مصدر كرامة الإنسان، إلى سبب لإهانته خارج حدوده.
أفكر في طفلة تستيقظ ليلًا تبكي من الجوع.
تطلب الحليب.
تنظر أمها الأرملة إلى وجهها ولا تملك شيئًا.
ربما تفتح الخزانة وهي تعرف مسبقًا أنها فارغة.
ربما تضع الماء على النار حتى تظن الطفلة أن شيئًا سيأتي.
وربما تحتضنها طويلًا حتى تنام من التعب.
ما اسم المعركة التي انتصرت إذا كانت طفلة لا تجد كوبًا من الحليب؟
وأفكر في المعتقل.
ذلك الذي رفض أن يحمل السلاح أو يذهب للقتال، فوجد نفسه خلف جدار بارد.
أفكر في لياليه الطويلة، وفي أمه التي تنتظر، وفي أبنائه الذين لا يعرفون متى يعود.
وأفكر في كل الذين اختفوا داخل هذه السنوات السوداء حتى أصبحت أسرهم معلقة بين الأمل والحِداد، لا تعرف هل تنتظرهم أم تبكيهم.
ثم أسمع من يتحدث عن النصر.
نصر من؟
وعلى من؟
أي نصر هذا الذي تُهدم لأجله البيوت، وتُيتم بسببه الأطفال، وتُرمّل النساء، وتُبتر أرجل الصغار، وتضيع المدارس، وتنهار المستشفيات، ويغادر الناس وطنهم بحثًا عن مكان يستطيعون فيه فقط أن يعيشوا حياة عادية؟
قد تربح جماعة جبلًا.
وقد يسيطر جيش على مدينة.
وقد تتغير خريطة.
وقد ترتفع راية فوق مبنى كانت ترفرف فوقه راية أخرى.
لكن الخرائط لا تبكي.
والجبال لا تُيتّم.
والرايات لا تجوع.
الإنسان وحده من يدفع الثمن.
ولهذا، عندما يخبرني أحدهم أن هذا الطرف انتصر، أسأل سؤالًا واحدًا:
هل عاد الطفل إلى مدرسته؟
هل عادت الأسرة إلى بيتها؟
هل نام الناس دون خوف؟
هل وجدت الأرملة ما تطعم به أطفالها؟
هل عاد المريض يجد دواءه؟
هل توقفت الأمهات عن انتظار أبنائهن؟
هل أصبح الطريق آمنًا؟
هل عاد الناس يستطيعون السفر بجواز بلادهم مرفوعي الرأس؟
إن لم يحدث شيء من ذلك، فأي نصر نتحدث عنه؟
ربما يكون أكبر وهم صنعته الحروب أنها أقنعت الناس بأن النصر يُقاس بعدد المواقع التي تُحتل، لا بعدد الأرواح التي تُنقذ.
وبأن الوطن قطعة أرض يجب السيطرة عليها، لا بشرًا يجب حمايتهم.
الوطن ليس الجبل.
ولا القصر.
ولا المعسكر.
ولا العلم المرفوع فوق مبنى.
الوطن هو ذلك الطفل الذي يستحق مدرسة.
وتلك الأرملة التي تستحق حياة كريمة.
وتلك الأم التي تستحق أن يكبر ابنها أمام عينيها.
وذلك الشاب الذي يستحق أن يقضي شبابه في بناء حياته لا في انتظار الموت.
وذلك المريض الذي يستحق علاجًا.
وذلك المسافر الذي يستحق طريقًا.
وذلك الإنسان الذي يستحق أن يحمل جواز وطنه دون أن يشعر بالخجل أو الخوف.
ولهذا كلما سمعت كلمة «نصر» وسط كل هذا الخراب، يعود السؤال إليّ أكثر قسوة:
إذا كان ثمن النصر أن نخسر الإنسان نفسه..
فهل بقي بعد ذلك شيء يستحق أن نسمّيه نصرًا؟
وفي النهاية، لا أستطيع أن أمنع نفسي من التفكير في أولئك الذين أوقدوا نار الحرب من أجل سلطة، أو نفوذ، أو غنيمة، أو مقعد أعلى في هرم الحكم. ربما جلس بعضهم بعيدًا عن صوت الرصاص، تحرسهم الجدران، وتصل إليهم الأخبار على هيئة أرقام وخرائط وتقارير؛ مدينة سقطت، وجبهة تقدمت، ومنطقة أصبحت تحت السيطرة. لكن خلف كل خط يُرسم على الخريطة بيتٌ هُدم، وخلف كل رقم أمٌّ ثكلى، وطفلٌ يتيم، وامرأة فقدت سندها، وشاب ضاع مستقبله.
ما أسهل أن يشعل المرء حربًا حين لا يكون ابنه هو الذي سيحمل البندقية، ولا بيته هو الذي سيُقصف، ولا أمه هي التي ستنتظر عند الباب، ولا طفلته هي التي ستنام جائعة.
ومن أشعل النار من أجل كرسي، سيكتشف يومًا أن الكرسي لا يساوي دم طفل واحد، وأن الغنيمة لا تساوي دمعة أم، وأن السلطة التي تُبنى فوق المقابر ليست نصرًا، بل شاهدًا طويلًا على الهزيمة.
قد يحصل مشعلو الحروب على ما أرادوا، وقد تتغير أسماؤهم في دفاتر السلطة، لكن التاريخ لا يسأل فقط: من حكم؟ ومن انتصر؟ بل يسأل أيضًا: كم بيتًا احترق حتى وصل إلى الحكم؟ كم طفلًا تُيتم؟ كم أمًا بكت؟ وكم وطنًا جُرح من أجل رغبة رجل أو جماعة في المزيد من النفوذ؟
لذلك فإن أبشع ما في الحرب ليس الرصاص وحده، بل أن تكون كل هذه المآسي قد بدأت لأن أحدهم أراد سلطة أكبر، أو غنيمة أوفر، أو مجدًا يكتب باسمه.
وحين تكون السلطة هي الغاية، والإنسان هو الثمن، فلا نكون أمام نصر، بل أمام جريمة طويلة يرتدي فيها المنتصر ثياب المهزوم.