أحمد السري.. حين يتأدبن التاريخ وتتفلسف الرواية

من المتعارف عليه أن لغة المؤرخ يغلب عليها طابع الإخبار، وصفة السرد، فتبدو في كثير من الأحيان لغةً تقريرية، شبه جافة، تكتفي بالرصد والتوثيق والتدوين، وتتعامل مع الوقائع بوصفها مادةً ينبغي إثباتها وترتيبها وتفسيرها.
وكذلك لغة السياسي المحترف، التي تنزع غالبًا إلى الدبلوماسية والمراوغة، وربما المخاتلة أحيانًا، إذ يواري بها جملةً من القضايا والمواقف التي يرى أن الإفصاح المباشر عنها قد يفقد السياسة بعض مرونتها، أو يضيّق على الدبلوماسية مساحتها.
أما الفيلسوف، فإنه يستخدم لغةً ذات كثافة مفهومية، عميقة الدلالة، تستنطق الظواهر، وتتجاوز ظاهر الأشياء إلى البحث عن عللها وأسبابها، وتفتش عن المعنى الكامن خلف الحدث، وعن القوانين التي تحكم حركة الإنسان والمجتمع والتاريخ.
في حين أن الأديب يمتلك لغةً أخرى؛ لغة الموهبة والشاعرية، والعذوبة والموسيقى، لغةً تحفل بالرمز والإيحاء، وتتوسل الجمال طريقًا إلى المعنى، فتغدو العبارة لديه أكثر من مجرد أداة للتعبير، لتصبح في ذاتها جزءًا من المتعة الجمالية للنص.
وهذا كله طبيعي ومسلّم به؛ إذ إن لكل حقل معرفي لغته وأدواته وطرائق اشتغاله، ولكل متخصص فرسه الذي يجيد امتطاءه، وميدانه الذي يحسن فيه العدو. ولا ينتقص ذلك من قيمة أي تخصص أو يقلل من شأن أصحابه؛ فالمعرفة في نهاية المطاف بناء تراكمي، يسهم كل حقل فيه بقدر، ويضيف كل منتج معرفي لبنةً إلى صرح الثقافة والفكر.
بيد أن اللافت والمدهش معًا، أن تجد متخصصًا في التاريخ لا يقف عند حدود المؤرخ، ولا يحبس نفسه داخل القالب التقليدي للكتابة التاريخية، بل يجمع إلى احترافية المؤرخ أدوات الفيلسوف، وحس الأديب، ووعي المفكر، ومرونة السياسي، وملكة لغوية مائزة؛ ليصنع من هذه العناصر جميعًا نسيجًا معرفيًا خاصًا، ونسقًا كتابيًا نادرًا.
وأحسب البروفيسور أحمد علي السري، أستاذ التاريخ الإسلامي وحضارته بجامعة صنعاء، واحدًا من طليعة أولئك الأكاديميين الأفذاذ الذين استطاعوا أن يغادروا مألوف الكتابة التاريخية إلى فضاء أكثر رحابة؛ فجمع بين المؤرخ والأديب، وبين فلسفة التاريخ وأدبنة الرواية، وامتلك لسانًا فصيحًا، وقلمًا بليغًا، وأسلوبًا شاعريًا، وطرحًا فلسفيًا قلما نجد له مثيلًا في الكتابة الأكاديمية المعاصرة.
ولا أزال أتذكر محاضراته البليغة حين كنت أحد تلامذته في مرحلة البكالوريوس؛ كيف كان يستحضر مقولات فلسفة التاريخ داخل محاضرته بجدارة وتمكن، حتى يخيل إليك أنك أمام فيلسوف عميق النظر، لا مجرد أستاذ متخصص في التاريخ. وكيف كان يستدعي نصوص الشعر ويوظفها في تعزيز رؤاه وأفكاره، بأسلوب فطن ومدهش، فتجد نفسك أمام قامة أدبية وشاعرية سامقة.
كانت محاضراته لا تُمل، وإن طالت؛ وكانت عباراته سلسة، وإن تعقدت أفكارها؛ وكان طرحه فلسفيًا رصينًا، وإن أسهب في التفصيل. لم يكن يقدم المعلومة باعتبارها نهاية المطاف، وإنما كان يحولها إلى سؤال، والسؤال إلى قضية، والقضية إلى مساحة للتأمل والجدل.
ومن خلاله تشجعتُ على طرح السؤال وإثارة النقاش، وتعلمت أن الحدث التاريخي لا ينبغي أن يُستقبل باعتباره واقعةً مكتملة الدلالة، وإنما بوصفه نصًا مفتوحًا على التأويل، وأن قراءة التاريخ لا تقتصر على معرفة ما حدث، بل تتجاوز ذلك إلى محاولة فهم لماذا حدث؟ وكيف حدث؟ وما الذي يمكن أن نتعلمه منه؟
ولعل هذه إحدى أهم خصائص الكتابة التاريخية عند البروفيسور أحمد السري؛ فهي لا تقدم التاريخ بوصفه سجلًا للوقائع، وإنما بوصفه مجالًا للتفكير في الإنسان والمجتمع والسلطة والتحولات الحضارية.
وتغلب على كتاباته التاريخية المسحة الفلسفية والروح الأدبية، وهو ما يتجلى في مؤلفاته وأبحاثه، كما يتجلى بصورة أوضح في تجربته الروائية؛ فقد كتب عددًا من الأعمال الأدبية، بأسلوب شيق ورشيق، ومن أبرزها روايتا «العذيرة» و«العمائم الليلكية»، إلى جانب كتاباته ومقالاته وأبحاثه في الفكر والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والاستشراق وغيرها من الحقول المعرفية المتصلة بالإنسان والمجتمع والتاريخ.
وهو لا يقدم التاريخ بأسلوب جاف، ولا يصوغه وفق القوالب التقليدية الجامدة، بل يمنحه بعدًا إنسانيًا وجماليًا وفلسفيًا، حتى يغدو التاريخ عنده مادةً للتأمل بقدر ما هو مادة للمعرفة.
ولعله من الذين أسهموا بوضوح في تكريس مفهوم «أدبنة التاريخ»؛ أي إخراج الكتابة التاريخية من أسر التقرير البارد إلى فضاء أكثر رحابة، تتجاور فيه الحقيقة التاريخية مع جماليات التعبير، ويتعانق فيه التوثيق مع التأمل، وتتحول فيه الوقائع من مجرد أحداث ماضية إلى أسئلة حية تستفز العقل والوجدان معًا.
ومن هنا، لا يبدو التاريخ عند أحمد السري مجرد ماضٍ يعيد إنتاج نفسه بصورة آلية، وفق المقولة الشائعة: «التاريخ يعيد نفسه»، بقدر ما هو صيرورة متحركة، تتداخل فيها عوامل الاستمرار والتغير، وتتحرك في مسار حلزوني متصاعد، لا يكرر الماضي حرفيًا، وإنما يعيد إنتاج بعض أسئلته في سياقات جديدة.
وفي تعامله مع التراث، لا يراه كتلةً مقدسة مغلقة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، وإنما ينظر إليه بوصفه نتاجًا بشريًا قابلًا للقراءة والمراجعة والتفكيك وإعادة الفهم؛ يؤخذ منه ما هو إيجابي ونافع، ويتجاوز ما تجاوزه الزمن، دون الوقوع في أسر التقديس أو القطيعة العمياء معه.
أما في مجال الدولة والسياسة، فتبدو رؤيته أكثر التصاقًا بفكرة الدولة المدنية الحديثة؛ الدولة التي لا تقوم وظيفتها على الضبط والقسر فحسب، وإنما على النظام الرشيد الذي يجعل من المواطنة المتساوية والعدالة والحرية والتعايش والتعدد والتنوع أسسًا للحياة العامة.
ومن هذا المنطلق، يرجح الحياة السياسية المدنية الحديثة القائمة على السلم والتعايش، ويرى أن مخرج اليمن من أزماتها لا يمكن أن يكون عبر مشاريع التشظي والانقسام، وإنما من خلال مشروع وطني جامع يستوعب الجميع، ويؤطر اختلافاتهم داخل دولة واحدة، ومفهوم جامع للمواطنة، بحيث يصبح التنوع مصدر ثراء لا سببًا للصراع.
ولعل هذه الرؤية تكشف عن جانب آخر من شخصية السري؛ فهو لا يتعامل مع التاريخ باعتباره ماضيًا منفصلًا عن الحاضر، وإنما يراه أداةً لفهم الحاضر واستشراف المستقبل، ومن ثم تصبح فلسفة التاريخ لديه جزءًا من فلسفة الإنسان والمجتمع والدولة.
وهكذا، يغدو البروفيسور أحمد السري نموذجًا أكاديميًا متميزًا ونادرًا؛ مؤرخًا لا يستغني عن الفلسفة، وفيلسوفًا لا يتخلى عن التاريخ، وأديبًا لا ينفصل عن المعرفة، وروائيًا يحمل معه وعي المؤرخ وقلق المفكر.
لقد جمع في تجربته بين احترافية المؤرخ الحصيف، وحكمة الفيلسوف العميق، وشاعرية الأديب الأريب، ووعي المفكر، ليشكل في المحصلة النهائية ظاهرة ثقافية وأكاديمية مائزة، ونادرة في المشهد اليمني؛ ظاهرةً لا تكتفي بأن تكتب التاريخ، وإنما تحاول أن تمنحه معنى، ولا تكتفي بأن تروي الحكاية، وإنما تبحث عما وراءها من دلالات.
وهذه، في تقديري، هي قيمة استاذي أحمد السري الكبرى؛ أنه لا يكتب التاريخ بوصفه ماضيًا، ولا الأدب بوصفه ترفًا، وإنما يمزج بينهما ليجعل من المعرفة فعلًا جماليًا، ومن الجمال طريقًا آخر إلى المعرفة.



