عبدالقوي مكاوي: قائدٌ وطنيٌ يمنيٌ تحرري (1 - 2)

عبدالقوي مكاوي.. السياسي والإنسان
في مثل هذا الشهر (أغسطس) من عام 1998م، رحل عن دنيانا اسمُ عَلَمٍ وطني كبير، هو القائد السياسي والوطني التحرري عبدالقوي مكاوي.
رحل في أرض الكنانة "مصر"، بعد أن لم يجد في مساحة الوطن الكبيرة مكانًا يستريح فيه، ويقضي ما تبقى له من أيام عمره التي كرّسها للعمل السياسي والوطني الديمقراطي.
هو ابن عدن التي حمل روحها الجميلة التعددية المتسامحة في داخله، بعيدًا عن التعصب المناطقي والقبلي؛ إذ كان بطبيعته شخصية متوازنة وسطية في التفكير، وفي السياسة، وفي مجمل قضايا الحياة. وهو ما ساعده -في تقديري- على التطور والتقدم في رؤيته الفكرية والسياسية؛ لينتقل من عضوٍ في المجلس التشريعي لعدن، ورئيسٍ لوزرائها، إلى أمينٍ عام لجبهة تحرير الجنوب اليمني المحتل بعد الدمج القسري في 13 يناير 1966م.
إن التسامح -بوصفه رؤية وثقافة، وقبولًا بالتعدد والتنوع، واعترافًا بالآخر- هو دائمًا ما يؤهلنا لنبذ روح التعصب بأشكالها كافة، وهو الطريق الواسع والأمين للتطور والتقدم الذاتي للفرد والجماعة والمجتمع، بل وللأحزاب أيضًا.
عبدالقوي مكاوي -كما يروي جميع من عرفوه، بل ومن خلال سلوكه الحياتي اليومي وأثره السياسي والاجتماعي- شخصيةٌ سوية ومتوازنة ومعتدلة حتى في أشد الظروف والمواقف قسوة. ولا أدلّ على ذلك من موقفه البطولي والإنساني الخالد بعد لحظات من تفجير منزله واستشهاد ثلاثة من أبنائه الشباب؛ إذ وقف أمام الحشود التي تقاطرت إلى جوار منزله، ومبتعدًا في تلك اللحظة الإنسانية الاستثنائية الفارقة عن خطاب الإدانة وتوجيه الاتهامات. بل إنه تجاوز خطاب الاستعمار البريطاني الذي سارع بعد دقائق إلى إصدار بيانٍ يتهم فيه الجبهة القومية؛ وهو موقفٌ يبرهن فور سماعك عنه في أي وقت على أننا أمام قامة وقيمة أخلاقية واجتماعية وإنسانية سامية.
تلك هي ثقافة الفارس النبيل وسلوكه اللذان يبرزان في أصعب المواقف الذاتية والإنسانية وأكثرها تعقيدًا.
يُعدّ عبدالقوي مكاوي -من حيث مولده وعمره- من جيل رجال حركة الأحرار اليمنيين في شمال البلاد، ومن رموز النهضة الفكرية والسياسية الوطنية الجنوبية (عدن/ الجنوب)؛ فقد ولد في العام الذي ولد فيه الشهيد الشاعر محمد محمود الزبيري والرئيس عبدالله السلال (عام 1918م).
وفي شهر أغسطس هذا، نحيي الذكرى الـ28 لرحيله؛ ذلك الرحيل الذي لم يغيبه عن الحضور في ذاكرة الناس والوطن.
وهذه الكتابة، هي تحية تقدير ووفاء لدوره ومكانته في حياتنا السياسية والوطنية.
كنتُ واحدًا من الشباب الذين سمعوه وهو يقف صلبًا وحزينًا متلعثمًا، والكلمات مرتعشة في فمه، أمام بوابة منزله في حي المنصورة، يلقي بعض عبارات الحزن المتعثرة بعد استشهاد ثلاثة من أبنائه الشباب. كان يقف وكأنه نور عينيه في حالة انطفاء.
فكيف للإنسان أن يودع أجمل زهور عمره وحياته (أبنائه)، بهذه البساطة دون أن يمس الحزن شغاف قلبه وعقله وروحه؟
على أنه -بقامات الكبار- كان يجسد قيمة الصبر الإنساني العظيم في سلوكه ذلك اليوم، فلم يخرج عن طور التوازن النفسي والسياسي والإنساني.
يمكننا القول إن الأستاذ والمناضل الفقيد عبدالقوي مكاوي من الأسماء اليمنية القليلة (جنوبًا وشمالًا) التي تحظى بمكانة عالية في نفوس الكثيرين من مختلف أرجاء الوطن.
حدثني أستاذي القدير حسين علي الحبيشي، عميد كلية بلقيس، أنه من أنبل من عرف من المثقفين والسياسيين في اليمن، وأنه كان متحررًا من أشكال العصبيات المناطقية والجهوية والعرقية كافة، وفي غاية التواضع. كما ذكر أنه حين تولى رئاسة الوزراء في عدن، سعى لإصدار قرار في 19 مايو 1965م بتشكيل مجلس استشاري مالي واقتصادي وتنموي، وأصر على أن يكون الأستاذ حسين علي الحبيشي (الشمالي)، رئيسًا لهذا المجلس، وبعضوية كل من: الأستاذ عبدالعزيز عبدالغني، وأمين قاسم سلطان، والسيد عمر عبدالعزيز شهاب، وعبدالله محمد المقطري، وعلي خليل النياعي" (انظر: الموسوعة اليمنية -العفيف، نجيب محمد يابلي، ص2789).
أي أن اللجنة الاستشارية كانت تتألف في معظمها من شخصيات اجتماعية وثقافية وسياسية وتجارية تنتمي لأصول جغرافية شمالية، بينما كان هو رئيس مجلس وزراء عدن.
وفي الاتجاه السياسي المتقدم وطنيًا ذاته، أصدر وزير الشؤون الاجتماعية في حكومته (سعيد حسن صحبي) قرارًا بتاريخ 17 مايو 1965م بتعيين أعضاء في مجلس عدن المركزي لإغاثة الفقراء ومساعدتهم، وكان من بين أعضائه الأستاذ أحمد هائل سعيد أنعم، رحمة الله تغشاه، وهو الابن الأكبر للوالد هائل سعيد أنعم (انظر: الموسوعة اليمنية -العفيف، ص2789).
ومن المؤكد أن هذا السلوك كان بدفع وتزكية من الأستاذ المناضل عبدالقوي مكاوي.
وجدتُ نفسي في ذكرى رحيله أؤكد أن أمثاله لا يرحلون؛ فهم حاضرون في الغياب. وهذه تحيةُ إجلال ووفاءٍ لمثل هذا القائد السياسي والوطني؛ فمثله اسمٌ لا يُنسى في تاريخنا السياسي والوطني المعاصر في أي موقع كان.
عبدالقوي مكاوي شخصية سياسية واجتماعية وكفاحية متوازنة وطنيًا، ومستقيمة أخلاقيًا، سواء في ظل الاستعمار والإمامة، أو حتى بعد نيل الاستقلال الوطني؛ فقد حافظ في جميع الحالات والمواقع على توازنه. وحتى معارضته السياسية لدولة ما بعد الاستقلال لم تتسم بالعنف أو العدائية، بل ظلت ضمن حدود الشرط السياسي الطبيعي للصراع، وهو حقه السياسي الديمقراطي.
إن كتابتي هذه بشقيها (الأول والثاني) ليست دفاعًا مجانيًا عنه؛ فمثله لا يحتاج إلى من يدافع عنه، فقد عاش سياسيًا وطنيًا ورحل كذلك. كما أنها ليست بمثابة رد اعتبار، فمثله من يمنح الاعتبار، وإنما هي تعبيرٌ عن الوفاء الوطني تجاهه، وتأكيدٌ لحضوره السياسي والقيمي، وإشارةٌ إلى تقصيرنا نحو هذه القامة والقيمة السياسية والأخلاقية والوطنية كعادتنا مع أمثاله ممن لا نؤدي لهم حق الوفاء.
نعم، هناك الكثير من الرموز الفكرية والسياسية الوطنية اليمنية شمالًا وجنوبًا، التي من المهم -بل من الواجب السياسي والوطني- رد الاعتبار لها ولأدوارها وتضحياتها وتاريخها السياسي والوطني، سواء اتفقنا معها أم اختلفنا؛ فالخلاف يجب ألا يقف حائلًا دون الاعتراف بأدوارهم، ودون تكريمهم كواجب وحق يليق بهم وبتاريخنا السياسي والوطني الذي ما يزال يكتب بلغة المنتصر/ المتغلب.
ومن مثل هذه المواقف تبدأ الخطوة الجدية لفهم التاريخ، وإعادة قراءة التاريخ السياسي والوطني اليمني بعقل نقدي مفتوح على اتجاهات الحياة كافة.
عبدالقوي مكاوي شخصية سوية متوازنة سياسيًا ووطنيًا وأخلاقيًا، وهو بالفعل شخصية استثنائية ظهرت في ظروف سياسية وكفاحية استثنائية، تمكن خلالها من المحافظة على عمقه السياسي الوطني التحرري. وهو وضعٌ استثنائي وإشكالي على الصعيدين الشخصي الذاتي والموضوعي؛ فمن جهة كان هناك استعمار بريطاني، ومن جهة أخرى نظام استبدادي إمامي "قروسطي"، وبينهم توزعت أشكال الكفاح السياسي الوطني بين الجنوب والشمال. إلا أن عبدالقوي مكاوي، وأمثاله (كآل لقمان) تمكنوا من فهم هذه المعادلة الصعبة والتعامل معها بأفق سياسي وإنساني مفتوح؛ فمحمد علي لقمان وقف في صف دعم حركة الأحرار اليمنيين، وسخر منابره الفكرية والإعلامية لخدمة قضيتهم، وعبدالقوي مكاوي -في حدود إمكانياته وقدراته ومجال نشاطه- تعامل مع أبناء الشمال بعيدًا عن العقلية الاستعمارية، فجذب قيادات سياسية وقانونية وتجارية للعمل معه، كما أشرنا سابقًا في تجربة حسين علي الحبيشي، وأحمد هائل سعيد أنعم، ومحمد المقطري.
إن ما تميز به الأستاذ المناضل عبدالقوي مكاوي هو التسامح السياسي والاجتماعي والوطني بعيدًا عن العصبوية الجغرافية؛ فقد كان من الأسماء السياسية القليلة التي تعترف بالآخر دون إقصاء أو تهميش، سواء أكان هذا الآخر في داخله السياسي أم خارجه. وكان -على عكس بعض رفاقه- في ظل هيمنة فكر الواحدية والعصبوية الجغرافية وركوب موجة "عدن للعدنيين" أقل الأصوات السياسية عدائية وكراهية وتحريضًا على العنف والحرب أثناء الحرب الداخلية بين الجبهتين.
وفي ذروة الحرب الداخلية بين الجبهتين (القومية والتحرير)، كان عبدالقوي مكاوي يتحاور في القاهرة/ مصر مع أمين عام الجبهة القومية قحطان محمد الشعبي، بهدف الوصول لإيقاف الحرب على أمل الوصول لتسوية سياسية للصراع والحرب، ولكن كما يبدو فإن تحركات الميدان سبقت سقف الحوار السياسي.
وبعد الاستقلال الوطني في 30 نوفمبر 1967م، اختار البعض الذهاب إلى السعودية لمواصلة الحرب العسكرية والسياسية والإعلامية ضد السلطة ودولة الاستقلال في الجنوب، بينما قرر هو الإقامة في مصر عبدالناصر كمنفى اختياري أو إجباري.
يُعدّ عبدالقوي مكاوي شخصية سياسية وطنية مستقلة؛ فحتى بعد حرب 1994م، ظل معارضًا سياسيًا لسلطة علي عبدالله صالح من خلال ما عُرف آنذاك بـ"جبهة الوطنية للمعارضة" (موج).
إلى الحلقة الثانية والأخيرة.


