محطات مضيئة في حياة رمز ثقافي يواجه المرض بصمت (الحلقة الثَّانية)

أولًا: جهوده ودراسته العلمية عن الهمداني:
يُمَثِّل كتاب "الهمداني: مصادره، وآفاقه العلمية"، لمحمود إبراهيم الصغيري، أحدَ أبرز مساهماته في الجانب العلمي. فقد اهتمَّ بهذا الكتاب بإبراز الجانب التَّجريبي في فكر الهمداني الذي طَغَى عليه جانبهُ التَّاريخي والأدبي؛ فهو لا يُقَدِّم لسان اليمن أبا محمد الحسن بن أحمد الهمداني، في هذا الكتاب كمؤرخ، وجُغرَافي، ولغوي؛ بل يُقدِّمُهُ كعالم سَبَقَ عَصرَه؛ فهو عالم فيزياء، وكيمياء، وفلك، وصاحب منهجية علمية في استخراج الذَّهب وَالِفضَّة، وفي تَنقِيَةِ المعادن، وقد أشارَ إلى وجود الأكسجين، ودَلَّلَ عليه مَعمَليًّا.

وَقَدَّمَ الدكتور حميد العواضي؛ الأستاذ بقسم اللغة الفرنسية، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، بجامعة صنعاء عام 1986م، عَرضًا لمحتوى هذا الكتاب بمناسبة الذِّكرَى الألفية للهمداني، ونشره في (مجلة كلية الآداب)، المُجلَّد (٣٣)؛ وهو عدد خاص، صَدَرَ عام 2010م؛ وجاء في هذ العرض قوله إنَّ: «محمود الصغيري: يَكشف في كتابه هذا كيف تَطوَّرَ التَّفكِير الانساني حول ظاهرة الاحتراق؛ ابتِداءً بجهود الفيزيائي الفرنسي (جان ري)، من مطلع القرن السَّابع عَشَرَ، ثُمَّ (روبرت يويل)، في نهاية القرن نفسه، ثُمَّ سَيطَرَتْ «نظرية الفلوغستون»؛ حَيث أصبح القَول بعلاقة الأكسجين بالاحتراق من المُسَلَّمَات العِلميَّة المفروغ منها».

ويمضي؛ فيقول: «يُسَجِّل محمود الصغيري بِالنُّصُوص التي جاءت عن الهمداني ما يمكن اعتباره تَفسيرًا لنظريَّة الاحتراق، بمصطلح «قِلَّة النَّسِيم»؛ مُبَيًّنا أنَّ الهمداني لم يَكتشفْ ظَاهرة الاحتراق فَحَسب؛ بل اكتشف ظاهرة القَابِليَّة المرتبطة بها؛ وهذا يعني أنَّ الهمداني في القرن العاشر الميلادي، قد بَرهنَ بِشكلٍ حَاسِمٍ على علاقة الهواء بالاحتراق أولًا، والتَّنفُّس ثَانِيًا؛ وذلك قبل ظهور أيّ نظرية مماثلة في أوروبا، بنحو ثمانية قرون ميلادية».
ويذكر د. حميد العواضي أنَّ المؤلف أَشارَ في هذا الكتاب بِأنَّهُ «لم يَقِفْ على تفسير سبب عدم تطور هذه النَّظرِيَّة لدى العرب».
ويطرح سُؤالًا استنكاريًّا: «كيف تَمَّ إهمال هذا المكسب العلمي الذي تَمَّت العودة إليه بعد استتباب العمل بِالنَّظريَّات، وَالقَوانين السَّائِدَة!».
ويستعرض د العواضي مَا جَاءَ في (الباب الثَّالث)، من الكتاب؛ حَولَ مكانة الهمداني، ودوره في تَطوُّر مفهوم الإنسان لظاهرة الجاذبية؛ ابتداءً بأرسطو، وَمَنْ جَاءَ بعده؛ وُصُولًا إلى بُحُوث العرب في هذا المِضمار، وَخَاصةً ابن سِينَا، والرَّازِي، والبيروني؛ مُستشهِدًا بنصوص مِمَّا ورد في كتاب "الجوهرتان العتيقتان"، للهمداني.
وفي (الباب الرَّابع)، من الكتاب، بعنوان: «الهمداني والرِّيَادة العَربيَّة في علوم الأراضة»، يقول: «المقصود بهذا العلم مَا صَارَ يُعرَف في المُعجَم العربي (بعلم الجيولوجيا، أو علوم الأرض)؛ مُؤكِدًا إسهام الهمداني في هذا الجانب؛ وَخاصّةً في كتابه "الجوهرتان".
ويمضي الدكتور العواضي قَائلًا: «يُعَدُّ هذا الكتاب -في تقديرنا- مُساهَمةً هَامّةً؛ لأنه كُتِبَ في مطلع الثَّمَانينيات من القرن الماضي، وَقُدِّمَت فيه معلومات مُفَصَّلَة عن مَصَادر الهمداني العِلميَّة؛ مِمَّا يُسَاعِد على كَشفِ مراحل حياة الهمداني، وفهمها»؛ مُشيدًا بِالنَّزعَة الموسوعِيَّة للمؤلف.
ثُمَّ يقول: «نعتبر أنَّ مَا وَردَ في هذا الكتاب قَادِحًا للباحثين اليمنيين؛ لتعميق معرفتهم بهذه الإسهامات»؛ مُختَتِمًا عَرضَهُ لمحتوى أبواب الكتاب بالقول: «وَجَبَ علينا الشُّكر والتَّقدير للمؤلف؛ لأنَّهُ من أوائل الباحثين اليمنيين الذي كَرَّسَ للهمداني كِتابًا يَخُصُّهُ، ويُظهِرُ جُهدَه في المجال العلمي».



