نُصوص وهَوامِش (2) حول عمل حكايات وأساطير يمنيَّة لعلي محمد عبده
في فترة السَّبعينيَّات حظِيَ أدب الثَّقافة الشَّعبيَّة في اليمن باهتمام الكتاب والأدباء. وكانت البداية أولًا مِن الكاتب علي محمد عبده (1931-2008)، إذ قام بتسجيل وجَمْعِ وكتابة حكايات شعبيَّة، نشرها في فترات مُختلفة على صفحات الصُّحف والمجلَّات اليمنيَّة الصَّادرة آنذاك.
وبِحَدْسِ الشَّاعر، التقط البردُّوني إشارات أدب تلك الحكايات الشَّعبيَّة، مُؤلفًا أعمالًا في الأدب الشَّعبي، ككتاب "حِكَم وأقوال علي بن زايد" وكتاب "فنون الأدب الشَّعبي في اليمن".
وفي نهاية عام 1977 رتَّبَ علي محمد عبده مجموعَ تلك الحكايات الشَّعبيّة، في منوال خيطٍ واحدٍ؛ كي تُطْبع وتُنْشَر في كتاب بعنوان "حكايات وأساطير يمنيَّة" عام 1978.
...
أهمية كتاب "حكايات وأساطير يمنية"؛ أنه عمل آتٍ من أدب ثقافة مهمشة ومقموعة، في خطاب الثقافة السائد.
والثَّقافة الشَّعبيَّة، كما يكتب عبدالكبير الخطيبي؛ وهي تكشف فراغات وتنقل مدلول الأصل أو تمركُزه، تفتح اتِّجاهات أخرى للكتابة والإبداع.

وذلك ما فَطِن إليه الكاتب علي محمد عبده؛ فأسرع إلى أدب الحكايات الشَّعبيَّة؛ رغم عَيْرها (بلا مُؤلِّف وبلا أصل وساذجة) ورُغم ما ينضاف إليها من عارٍ مُركَّب "حكاوي عجائز وكلام نسوان" (كما يرد في مُقدِّمة عمل كتاب حكايات وأساطير يمنيَّة)، إذ يصبح "العار المُركَّب" سطحًا آخر ينضاف إلى سطوح صيرورة حياة الأدب.
...
صحيح أَنَّ أدب الحكاية الشَّعبيّة هو أدب مُتكثِّر في إضافاته؛ لكن من يهتم به هُم القِلَّة -الجَدَّات والنِّساء والرُّواة الشَّعبيّون- من يسهر على استمراره. لذلك أدب الحكاية الشعبية؛ أدب أقلي.
...
ما يُميِّز الأدبَ المكتوب عن الشَّفهي هو الثُّقل؛ فالأول أثقل، أمَّا الثاني فتُميّزه خِفَّته. فالمكتوب صُلب؛ لأنَّ الكتابة صيَّرته كذلك، أمَّا الشَّفهي فصلابته تعودُ إلى صلابةِ الشَّعب، غير أنَّ الصّلب هو أكثر تغيُّرًا وتحوُّلًا وتشكيلًا أيضًا..
...
لا يعني سَفَرُ أدبِ الحكايات الشَّعبيّة وترحُّله وتغيُّر لغته، أنَّه أدبٌ دون تاريخ، بل على العكس ، فهو تاريخيُّ بامتياز.
إنَّه أصلَ تاريخ العالم؛ إذ يبدأ تاريخ العالم بحكاية.
وهذا ما كان وراءَ عملِ "حكايات وأساطير يمنيَّة" لعلي محمد عبده؛ فليس الهدفُ من العنوان جذب القارئ فقط، بل كان هناك غاية من العمل؛ إضفاء بُعد ميتافيزيقيّ خالص من أدب الثَّقافة الشعبية، على بدايات تاريخ وتشكل "الدولة الوطنية" في التَّاريخ السِّياسي الحديث والمعاصر في اليمن.
والسِّياق التَّاريخي الذي أُتي فيه عمل علي محمد عبده، يُوضِّح ذلك؛ إذ ذهبت النُّخبة المُثقَّفة في اليمن -ومنهم علي محمد عبده- إلى فنونِ الثقافة الشَّعبيّة وآدابها، كي تُرسِّخ بداية تاريخ جديد في تاريخ اليمن وثقافته.
وهذا ما فعلته النُّخَب المثقفة العربية، عند تأسيس وتشكيل "الدولة القومية أو الوطنية" في بلدانها؛ من عودة إلى الثقافة الشعبية، حتى تُرسِّخ بداية تاريخ ذاتٍ ثقافيَّة قوميَّةِ الطابع.
...
رُغم أَنَّ لعلي محمد عبده أعمالًا أخرى (أدبيَّة وتاريخيَّة توثيقيَّة) إلَّا أنَّ عمل "حكايات وأساطير يمنيَّة" بدا كأنَّه عمله الوحيد واليتيم. فهو العمل الذي حَظِي بالشُّهرة والاهتمام من قِبَل الدَّارسين والقُرَّاء، بل أصبح بمنزلةِ طابعٍ بريديٍّ للأدب اليمني المعاصر.
...
وإن حافظ عمل "حكايات وأساطير يمنية" على روحِ نَصِّ الحكاياتِ الشَّعبيّة، كما جاء في نَصِّ اللغة الشَّفهية، إلا أن الكاتب كان أشبهَ بمترجمٍ للأدب؛ بالرغم من تجاورِ اللغتين (الشفهية والناطقة)، ففَرادةَ الكاتب أَلَّفَت بينهما، وأظهرت أدب الحكايات الشعبية في طيفٍ جديد. إذ حرَّر علي محمد عبده الحكايات الشَّعبيّة من الشَّفهيّ بالكتابة؛ فلم يَقُمْ فقط بتسجيل نصوص الحكايات الشَّعبيّة وجمْعها ونشرها، كما جاءت في لغتها الأصليَّة الشَّفهيَّة الدَّارجة؛ بل نقلها إلى اللغة المنطوقة (العربية).
...
كل ذلك، جعل من عَملِ كتاب "حكايات وأساطير يمنيَّة" لعلي محمد عبده، طيفًا واعدًا بلغةٍ جديدة، في كتابة الأدب اليمني المعاصر.
فماذا تبقى من طيف ذاك الوعد؟ وهل مازال واعدًا؟
...
ليس للحكايات وحدها أطياف، بل هناك طيفُ رسائل في عمل علي محمد عبده.
يكفي للتَّوضيح الإشارة إلى "البريد الأدبي"، وهو الرَّسائل الأدبيَّة المُتبادلة بين الأحرار في أربعينيَّات القرن الماضي، فقد كان علي محمد عبده وقتها في مُقتبَلِ العمر وتأثَّر بأدب رسائل حركة الأحرار اليمنية، وأفكارها الواردة في مطبوعة البريد الأدبي، بل أصبح عضوًا في حركتها السِّياسية.
وإن يختلف موضوع رسائل مطبوع البريد الأدبي، عن موضوع عمل الكتاب أو موضوع الحكايات الواردة فيه، فهناك قران موضوع يجمعها، مُحرِّر الخوف.
ومشركهما واحد: محرر الفرد من لغة الثقافة الاجتماعيَّة والسياسيَّة السَّائدة، وفتح مَنْفَذ للحِيَل خارج سلطتهما.
كذلك هناك "قِرانات" أخرى متعددة؛ بخاصة وأنهما في حقل واحد، حقل الأدب.
فكتابة الحكايات ككتابة الرَّسائل، قصيرة وموجزة.
ولغة الحكاية كلغة الرَّسائل، بسيطة وواضحة؛ بلا بلاغة.
...
وجُودِ الحكاية كالرسالة (في انغلاق أو انفتاح) منفتح على الإنسان. سواء كان بوحًا أو اعترافًا، فمؤكد لهشاشة الإنسان.
فالحكايات والرسائل هشة.. وكتابتهما هشة.. والإنسان هش.
...
فلا عجب من لجوء صاحب "الكينونة والزمان" مارتن هيدغر، إلى كتابة رسائل أدبية ومبادلتها مع حنة أرندت.
فكتابة الرسائل الأدبية حررت مهنة الأستاذ والمفكر من لغة كتابته؛ معترفةً بهشاشة الفكر.
والأبعد من ذلك، هيدغر -وهو يعترف بهشاشة محبته- كان يعترف بالآخر، في (نَعَمِ) هشاشة اعتراف مُحِبة أصيلة من نُعَمِ الأدب.
فاعتراف كتابة الرسائل الأدبية المتبادلة بين أرندت وهيدغر؛ اعتراف آخر، اعتراف الآخر وللآخر وبالآخر..
...
ونِعَّمِ الأدب: نُعم الاعتراف: نَعم الرسائل، لأنها نَعم نسيان.
وَنَعمِ النسيان: نَسَيان الكتابة.
...
"لقد نسيت مظلتي؟"- يكتب نيتشه معترفًا بالآخر.. فصار آخر، صار امرأة.



