الأربعاء 2 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • جولة وزيرة الخارجية اليمنية وتساؤلات المكانة والدور

جولة وزيرة الخارجية اليمنية وتساؤلات المكانة والدور

تثير جولة وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة، في عدد من الدول العربية، مجموعة من التساؤلات السياسية والدبلوماسية التي تتجاوز في دلالاتها مجرد الزيارات البروتوكولية، فمن الملاحظ أن الجولة لم تشمل حتى الآن الإمارات وسلطنة عمان، وهما دولتان لهما حضور وتأثير مباشر في الملف اليمني، كما أن مستوى الاستقبال في بعض الدول التي شملتها الجولة لم يكن على مستوى رؤساء أو أمراء هذه الدول، وإنما جرت اللقاءات مع أولياء العهود أو نواب الحكام والمسؤولين المعنيين، وهو ما يفتح باب التساؤل عما إذا كان ذلك مجرد ترتيب بروتوكولي مرتبط بطبيعة الزيارة وبرامج القادة، أم أنه يعكس بصورة أو بأخرى مستوى الاهتمام السياسي الذي يحظى به اليمن في المرحلة الراهنة.

في العلاقات الدولية لا يمكن الحكم على مكانة دولة من لقاء واحد أو من مستوى المسؤول الذي يستقبل وزيرًا، فالاعتبارات البروتوكولية وجداول القادة وطبيعة الزيارة كلها عوامل ينبغي أخذها في الاعتبار، لكن عندما تتكرر الصورة في أكثر من محطة يصبح من المشروع طرح السؤال حول موقع اليمن في أولويات العواصم العربية، فاليمن الذي يمتلك موقعًا استراتيجيًا مهمًا على جنوب الجزيرة العربية والبحر الأحمر وباب المندب، تحول خلال سنوات الحرب والانقسام من دولة يفترض أن تكون شريكًا إقليميًا مؤثرًا، إلى ملف أزمة تتعامل معه كثير من العواصم من زاوية الأمن والحدود والمساعدات والتسوية السياسية، أكثر مما تتعامل معه باعتباره دولة قادرة على التأثير وصناعة المبادرات.
كما أن عدم شمول الجولة حتى الآن للإمارات وسلطنة عمان، يثير تساؤلات إضافية بالنظر إلى أهمية الدولتين في المشهد اليمني، ولكل منهما علاقاته وحساباته ودوره المختلف في تطورات الأزمة، ولذلك قد يكون عدم زيارتهما مرتبطًا بترتيبات الجولة أو بمواعيد وزيارات لاحقة، ولا ينبغي تحميل ذلك وحده دلالات سياسية قاطعة، لكنه في الوقت نفسه يعكس مدى تعقيد البيئة الإقليمية المحيطة باليمن، ومدى الحاجة إلى سياسة خارجية يمنية قادرة على التواصل مع مختلف العواصم، والتعامل معها من موقع الدولة التي تعرف مصالحها، وتحافظ على توازن علاقاتها بعيدًا عن الاستقطابات التي فرضتها سنوات الحرب.
المشكلة الأكبر في تقديري ليست في من استقبل الوزيرة أو في مستوى البروتوكول الذي رافق الزيارة، بقدر ما هي في المكانة التي أصبحت تحتلها الدولة اليمنية نفسها، فمكانة الدول في الخارج هي في جانب كبير منها انعكاس لقوتها وتماسك مؤسساتها في الداخل، وكلما طال الانقسام وضعفت المؤسسات وتعددت مراكز القرار، أصبح التعامل الخارجي مع اليمن أقرب إلى إدارة أزمة مزمنة منه إلى بناء علاقة طبيعية بين دولتين، وهنا يكمن التحدي الحقيقي، لأن استمرار هذه الصورة قد يجعل اليمن في بعض الحسابات الإقليمية عبئًا سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا يحتاج إلى الاحتواء بدلًا من النظر إليه باعتباره شريكًا استراتيجيًا يمتلك من الموقع والثقل السكاني والتاريخ والموارد ما يؤهله ليكون عنصرًا أساسيًا في أمن المنطقة واستقرارها.

وفي المحصلة سيكون من التسرع اعتبار مستوى الاستقبال في هذه الجولة حكمًا نهائيًا على مكانة اليمن، أو دليلًا قاطعًا على تراجع أهميته لدى الدول العربية، فالدبلوماسية تحكمها اعتبارات كثيرة لا تظهر جميعها في الصور والمراسيم، لكن من المشروع أن تفتح هذه الجولة نقاشًا أوسع حول صورة اليمن في الحسابات الإقليمية اليوم، وهل ما يزال ينظر إليه باعتباره دولة محورية ينبغي الاستثمار في استقرارها واستعادة دورها، أم أن سنوات الحرب والانقسام جعلته ينظر إليه بصورة متزايدة باعتباره أزمة طويلة ومكلفة ينبغي إدارتها واحتواء تداعياتها؟ والإجابة على هذا السؤال لن نجدها فقط في أسماء المسؤولين الذين يستقبلون المسؤول اليمني، وإنما في طبيعة المواقف والالتزامات التي تنتج عن هذه الزيارات، وفي قدرة اليمنيين قبل غيرهم على استعادة مؤسسات دولتهم ووحدة قرارهم، وبناء سياسة خارجية متوازنة تعيد تقديم اليمن إلى محيطه العربي باعتباره شريكًا يمتلك مصالح ورؤية ودورًا، لا مجرد ملف أزمة على طاولات الآخرين.