الجمعة 21 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • قراءة بنيوية في مسار تفكك الدولة اليمنية وتحديات إعادة التأسيس (1962–2026)

لماذا تشظى اليمن وانهارت دولته؟

قراءة بنيوية في مسار تفكك الدولة اليمنية وتحديات إعادة التأسيس (1962–2026)

لم يكن انهيار الدولة اليمنية عام 2014 حدثًا عارضًا في تاريخ اليمن السياسي المعاصر، بل كان تتويجًا لمسار طويل من التآكل البنيوي. فالدولة الحالية في اليمن ظلت منذ لحظة نشوئها في الشمال (1962)، وفي الجنوب (1967)، كيانًا يفتقر إلى «العقد الاجتماعي» الراسخ، حيث تم استبدال مفهوم «المواطنة» بـ«شبكات الولاء»، ومفهوم «المؤسسة» بـ«التوازنات القائمة على الغلبة».

والإشكالية التي أمسكنا بها في هذه الورقة تكمن في الجدل القائم بين «الدولة كفكرة تحديثية والمجتمع كبنية تقليدية». ومن خلال مقاربة بنيوية تاريخية، قمنا بتفكيك ست مراحل مفصلية أدت بالدولة من «التأسيس المختل» إلى «الانهيار»، مع تحليل كيف أدى غياب «التراكم المؤسسي» إلى جعل الدولة «رهينة» للنخب، لا «خادمة» للمجتمع.

ومنهجيًا، اعتمدنا في هذه الورقة مقاربة بنيوية تاريخية تستند إلى: مفهوم «الدولة الهشة» في تفسير تفكك الدولة وانهيارها، وإلى منظور الاقتصاد السياسي لفهم السلطة بوصفها «شبكة مصالح» («ريع» يتم توزيعه لضمان الولاءات)، الأمر الذي خلق دولة «زبائنية».

وهيكليًا تكونت الورقة من ثلاثة محاور: حاولنا في المحور الأول تحليل مسار تشكل الأزمة الوطنية (أزمة الدولة)، وفي الثاني فسرنا أسباب تفكك الدولة وانهيارها، وفي الثالث حاولنا استكشاف أفق أولي لإعادة البناء (نحو «دولة ما بعد التشظي»).

المحور الأول: تحليل مسار تشكل الأزمة الوطنية

مثل مسار تشكل الأزمة الوطنية في اليمن عملية تراكمية مرت بست مراحل على النحو التالي:

المرحلة الأولى: التأسيس المختل للدولة ـ جذور الانكسار البنيوي (1962–1970)

إن فهم مآلات الدولة اليمنية المعاصرة يستلزم تفكيك «خطة التأسيس الأولى» (1962–1970)، التي لم تكن لحظة بناء توافقي وتراكمي هادئ ومستقر، وإنما جاءت في سياق صراعي حاد، إقليمي وداخلي، ألقى بظلاله الكثيفة على طبيعة الدولة التي تشكلت لاحقًا.

ففي الشمال، انقسمت القوى الفاعلة في موقفها من ثورة 26 سبتمبر إلى معسكرين كبيرين بناءً على ولاءات أيديولوجية واجتماعية متناقضة:

1. معسكر القوى الجديدة:

هذا المعسكر كان يحمل «مشروع دولة» (جمهوري، مدني، تحديثي) بالمعنى النسبي قياسًا إلى السياق اليمني في ذلك الوقت. وقد تشكل من الضباط الأحرار، وطلائع المثقفين، وممثلي رأس المال الوطني، ومن خلفهم القواعد الشعبية العابرة للمناطق والجهات والطوائف. ومن بين هذه القواعد الشعبية العابرة، تشكل جيش ثورة سبتمبر النظامي المدعوم إقليميًا من قبل مصر عبد الناصر.

2. معسكر القوى التقليدية (ثنائية الملكية والجمهورية):

انقسمت القوى التقليدية (شيوخ القبائل، القضاة، ومن بقي على قيد الحياة من مثقفي حركة 1948) إلى جناحين، أحدهما ملكي والآخر جمهوري.

أ. الجناح الملكي:

رأى هذا الجناح في الجمهورية تهديدًا وجوديًا للبنية الاجتماعية التقليدية التراتبية. ولذلك سعى إلى إسقاط الجمهورية بدعم عسكري ومالي ولوجستي قدمته بسخاء المملكة العربية السعودية، ومن خلفها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا الغربية.

ب. الجناح الجمهوري:

اصطف هذا الجناح سياسيًا إلى جانب الجمهورية، مع البقاء، اجتماعيًا وثقافيًا وقيميًا، مخلصًا لسياقاته التقليدية. فالجمهورية بالنسبة له لم تكن سوى وسيلة للتخلص من «الإقصاء» الذي مارسته بيت حميد الدين على رموزه، وفي الوقت نفسه خطط لتطويعها (أي الجمهورية) لخدمة النفوذ القبلي والحفاظ على ذات الامتيازات الاجتماعية في ظل النظام الجديد.

وقد بنى استراتيجيته على أربع ركائز هي:

1- التخلص من القوى الجديدة.

2- التخلص من الوجود المصري في اليمن.

3- عقد مصالحة مع الملكيين تحت يافطة الجمهورية.

4- التعويل في تنفيذ استراتيجيته، وفي إدارة البلاد بعد تنفيذها، على دعم المملكة العربية السعودية.

وخلال هذه المرحلة، وتحديدًا بعد انسحاب الجيش المصري من اليمن إثر هزيمة يونيو حزيران 1967، كُتب على «القوى الجديدة» أن تخوض معركة مزدوجة:

1- مع الملكيين من أجل الانتصار للثورة والجمهورية.

2- مع الجمهوريين التقليديين من أجل «تعريف الدولة الجديدة» التي ستتأسس على أنقاض دولة نظام

الإمامة.

وإذا كانت القوى الجديدة قد كسبت المعركة الأولى في ملحمة السبعين يومًا التي كُسر فيها حصار صنعاء، فإنها في المقابل خسرت المعركة الثانية (معركة تعريف الدولة) أمام الجمهوريين التقليديين الذين أغرقوا حاضنتها الشعبية (صنعاء العاصمة) بالقبائل المسلحة يومي 23–24 أغسطس 1968، ونكلوا بالقوى الجديدة، وأعادوا بناء الجيش على أسس جهوية قبلية.

المصالحة مع الملكيين («جمهورية الضرورة»، لا «جمهورية العقد»):

توج الجمهوريون التقليديون انتصارهم على القوى الجديدة في أغسطس 1968 بعقد مصالحة مع الملكيين رعتها السعودية في سبتمبر 1970، وتمت تحت مسمى «الجمهورية»، وشملت كل الملكيين باستثناء بيت حميد الدين فقط.

والحقيقة إن تلك المصالحة لم تكن «تصالحية» قائمة على التوافق على قيم الدولة، وإنما كانت «صفقة توزيع سلطة»، حيث أدى دمج الملكيين في بنية الدولة الجمهورية إلى:

تحويل الدولة إلى «ساحة لتقاسم النفوذ» بدلًا من كونها «مركزًا لإصدار القرار السيادي».

تكريس شيوخ القبائل كفاعل سياسي موازٍ للدولة، بل متفوق عليها، حيث أصبحت الدولة بحاجة إلى هؤلاء الشيوخ لتمرير قراراتها. وهذا يعني أن سلطة الدولة أصبحت «سلطة مستعارة» من القوى التقليدية، مما أفقدها القدرة على فرض القانون أو احتكار العنف.

وهكذا انتهت المرحلة الأولى في مسار «تشكل الأزمة الوطنية» بانتصار القوى التقليدية في معركة «تعريف الدولة»، حيث أُرسيت دعائم «جمهورية» قائمة على «موازين القوى»، لا على «المؤسسات». وهنا تكمن جذور الانكسار البنيوي، أو قل «التأسيس المختل» الذي بسببه تحولت الدولة إلى كيان يعاني من ثلاثة أمراض مزمنة:

1- الشرعية المستمدة من «الرضا القبلي»، لا من المؤسسة القانونية.

2- العاصمة صنعاء كمركز «للتوزيع» وليس كمركز «للقرار السيادي».

3- هشاشة الجيش (تحول الولاء العسكري إلى ولاءات شخصية أو قبلية).

تأسيسًا على ما سبق، لم يكن «التأسيس المختل» مجرد خطأ عابر، بل كان «شفرة وراثية» في جسد الدولة جعلتها مهيأة دائمًا للانفجار مع أي صدمة سياسية كبيرة. وهذه «الشفرة» تحديدًا هي التي ناوأت وقتلت الرئيس إبراهيم الحمدي وقامت بوأد مشروع الإصلاح الذي أعلنه عام 1974، وهي نفسها التي مهدت الطريق لرئاسة قائد لواء تعز الرائد علي عبد الله صالح، وأبقت عليه رئيسًا لثلاثة وثلاثين عامًا.

وفي الجنوب، رغم بناء دولة مركزية ومؤسسية، إلا أنها وقعت في فخ «الانغلاق السياسي». والنتيجة التاريخية المشتركة التي ترتبت على ذلك، شمالًا وجنوبًا، كانت نشوء دولتين تفتقران إلى «العقد الاجتماعي»، مما حول الدولة في اليمن من «مظلة جامعة» إلى «أداة لإدارة التوازنات»، وهو ما زرع بذور الانهيار في جوهر التكوين الأول للدولة.

التناقضات البنيوية في هذه المرحلة (1962–1970)

1. ثنائية (الجمهورية كأيديولوجيا، والقبيلة كواقع ميداني):

مثل التناقض بين طرفي هذه الثنائية المحرك الأول للأزمة؛ حيث تطلبت الجمهورية «مواطنة» لا تتوفر شروطها المادية، بينما كانت القبيلة هي «المؤسسة» الوحيدة القادرة على تأمين الحماية والولاء. والنتيجة كانت «استيعاب الدولة للقبيلة، لا دمجها»، مما حول الدولة إلى «مظلة» لمصالح قبلية متصارعة بدلًا من كونها سلطة سيادية.

2. ثنائية (المؤسسة العسكرية الحديثة، والولاء الشخصي):

تشير هذه الثنائية إلى التناقض بين بناء جيش نظامي وفق عقيدة وطنية، وبين الاعتماد على «المشايخ» كقادة عسكريين ميدانيين. وقد أدى هذا التناقض إلى تداخل التراتبية العسكرية مع التراتبية القبلية، مما جعل الولاء للفرد (القائد/الشيخ) يتجاوز الولاء للمؤسسة.

3. ثنائية (الاستقلال الوطني، والتبعية الإقليمية):

تشير هذه الثنائية إلى التناقض بين الخطاب الوطني (الإنشائي ـ الاستهلاكي)، وبين الارتهان «الوجودي» للدعم الخارجي (الإقليمي). هذا الارتهان خلق «شبكات مصالح» عابرة للحدود، حيث أصبحت القوى الإقليمية شريكًا داخليًا في إدارة السلطة، مما أفرغ مصطلح «الاستقلال» من مضمونه البنيوي.

وفي هذه الجزئية جدير بنا أن نشير إلى أن «الارتهان الوجودي للدعم الخارجي» لم يكن عرضًا طارئًا، بل هو جزء من «تكوين» النظام السياسي. بتعبير آخر، لم يكن الارتهان المشار إليه «خيانة» بقدر ما كان «خيارًا استراتيجيًا» لنخب الحكم التقليدية التي وجدت في الدعم الإقليمي (المالي والسياسي والعسكري) ما يغنيها عن الحاجة لبناء «عقد اجتماعي» مع الشعب. فإذا لم تكن هذه النخب بحاجة لضرائب يدفعها الشعب، فمن الطبيعي ـ تبعًا لذلك ـ أن ترى نفسها في غنى عن المساءلة الشعبية.

ووفقًا لثنائية «الاستقلال الوطني، والتبعية الإقليمية»، فإن القول بأن «السيادة» فُقدت لأن الإقليم تدخل هو قول غير صحيح، والصحيح أن «السيادة» فقدت لأن النخب المحلية باعت «صلاحياتها السيادية» مقابل استمرارية نفوذها الخاص. والنتيجة المترتبة على ذلك هي إفراغ مبدأ «الاستقلال»، المنصوص عليه في الدستور، من مضمونه البنيوي.

ولنا أن نتخيل حجم الكارثة الوطنية الناجمة عن هذا «الإفراغ» إذا علمنا أن مفهوم «الاستقلال البنيوي» يعني أن الدولة تمتلك «القدرة على اتخاذ قرار مخالف لداعميها إذا تطلبت المصلحة الوطنية ذلك». بينما يعني «الارتهان الوجودي» أن أي استقلال في القرار هو بمثابة «انتحار سياسي» للنخبة الحاكمة، لأنها تعلم أن شرعيتها ليست مستمدة من الداخل، بل من عواصم الإقليم.

إن التناقض بين الخطاب الوطني الاستهلاكي، والارتهان الوجودي للدعم الإقليمي ليس مجرد تناقض في المواقف، بل هو محرك رئيسي لتآكل الدولة. حيث تحول الداعم الإقليمي من «عامل مساند» إلى «شريك داخلي» في إدارة السلطة، مما جعل القوى الإقليمية جزءًا أصيلًا من شبكات المصالح المحلية. وهذا الدمج جعل «السيادة» شعارًا للاستهلاك الجماهيري فقط، بينما في البنية التحتية للسلطة، أصبحت السيادة «موزعة» بين مراكز القرار المحلي والارتباطات الإقليمية.

وبذلك، فقدت الدولة استقرارها البنيوي، حيث لم تعد تملك القدرة على اتخاذ قرارات وطنية قد تتعارض مع أجندة شركائها الإقليميين الذين يمثلون ـ فعليًا ـ صمام الأمان لبقاء هذه النخب.

لقد بدأ الارتهان إذن بـ«المال» (الريع) ثم تطور إلى «القرار» (السياسة). لكن هذا لا يعني أن النخب اليمنية فقدت سيادتها لأنها عجزت عن تحقيق الاكتفاء الذاتي المالي. بتعبير آخر: النخب اليمنية لم ترتهن لأنها ضعيفة، بل الارتهان هو الذي جعلها ضعيفة وعطل بناء الدولة.

4. ثنائية (الحداثة الإدارية، والبنية الريعية):

تشير هذه الثنائية إلى التناقض بين محاولة تأسيس جهاز إداري مدني (بيروقراطية دولة) وبين اقتصاد يعتمد على التوزيع الريعي. حيث أدى هذا التناقض إلى «تضخم جهاز الدولة» دون فعالية إنتاجية، حيث أصبحت «الوظيفة العامة» وسيلة لتمويل شبكات الولاء والزبائنية بدلًا من تقديم الخدمات.

5. ثنائية (المركز المهيمن، والأطراف التابعة):

تكشف هذه الثنائية عن التناقض في طبيعة العلاقة القائمة على التبعية. وفيها المركز هو «سوق توزيع الريع» الذي تديره النخبة الحاكمة. والأطراف هي «المكونات التي تم إخضاعها بنيويًا» عبر استيعاب نخبها في «شبكة المصالح»، وهي هنا جزء من «الدولة» في شكلها السلطوي، لكنها تعاني من التهميش أو التبعية القسرية.

إن ثنائية «المركز المهيمن» و«الأطراف التابعة» تشكل الهيكل الحقيقي للسياسة اليمنية. فالدولة اليمنية الحالية لم تكن يومًا مركزًا مستقلًا يواجه تمردًا من هذا الطرف أو ذاك، بل كانت «مركزًا سلطويًا» يمارس الهيمنة عبر استيعاب نخب الأطراف في شبكات ولاء زبائنية.

وفي هذا السياق، لم تكن الأطراف «متمردة» على فكرة الدولة، بل كانت أطرافًا «مهيمنًا عليها بنيويًا» تسعى للحصول على نصيب من الريع ضمن اللعبة التي وضع المركز قواعدها. هذا الاحتواء القسري هو ما أدى إلى استقرار هش، ينهار بمجرد اختلال موازين القوى أو توقف قنوات توزيع الريع.

وأخيرًا: هذه الثنائيات لا تفسر ما حدث في مرحلة التأسيس المختل للدولة الواقعة بين 1962 و1970 فحسب، بل هي «الجينات» التي تكررت في المراحل اللاحقة.

المرحلة الثانية: نموذجان متباعدان للدولة (1970–1990)

اتسمت هذه المرحلة بتبلور مشروعين سياسيين متناقضين: ففي الشمال، وبعد وأد مشروع إبراهيم الحمدي (1974–1977)، جاءت مرحلة علي عبد الله صالح (بدءًا من 1978) لتعيد تشكيل الدولة كـ«تحالف بين المركز التقليدي والمؤسسة العسكرية». ولهذا كانت حرب عام 1979 أداة وظيفية متقنة لغايات خاصة من جهة، وإقليمية من جهة أخرى؛ حيث استخدم صالح هذه الحرب كآلية لترسيخ سلطته الناشئة، موظفًا التوتر مع الجنوب لفرض حالة استنفار داخلي مكنته من إعادة هيكلة الجيش لصالحه. ومن زاوية إقليمية، جاءت الحرب تنفيذًا لدور وظيفي يخدم أجندة القوى الداعمة لصنعاء في مواجهة النموذج الجنوبي.

أما في الجنوب، فقد اتجه المسار نحو دولة نواتها السياسية وقائدها حزب «أيديولوجي». ورغم الطموح الكبير لتفكيك البنى التقليدية، إلا أن النظام السياسي اصطدم بتناقضات انفجرت في أحداث 13 يناير 1986، التي كشفت أن الدولة في الجنوب كانت من الناحية العسكرية والأمنية تمتلك بنية مؤسسية قوية ولكنها هشة سياسيًا، بدليل أن المؤسسية كانت تتلاشى لحظة تصارع النخب داخل الحزب الحاكم.

لقد أثبتت أحداث 1986 أن الولاءات المناطقية التي كان الحزب يظن أنه تجاوزها، كانت لا تزال هي المحرك الحقيقي للصراع عند لحظات الاختبار الوجودي.

إن هذا التباعد في مسارات التأسيس ـ بين شمال استوعب التقليد عبر «شبكات المصالح» تحت قيادة صالح، وجنوب حاول إلغاء التقليد فاصطدم بتناقضاته اجتماعيًا ومناطقيًا ـ جعل من الوحدة لاحقًا لقاءً بين كيانين لا يمتلكان «عقدًا اجتماعيًا» مشتركًا، بل يحملان «أمراضهما البنيوية». لقد دخل الطرفان مشروع الوحدة وهما يحملان هذه المحطات (اغتيال الحمدي، حرب 79، أحداث 86)، مما حول الوحدة من مشروع بناء دولة وطنية إلى ساحة صراع مفتوحة لتصفية الحسابات وإعادة تقاسم المصالح.

التناقضات البنيوية خلال هذه المرحلة (1970–1990)

1. ثنائية (الدولة كواجهة، وشبكة المصالح كفاعل حقيقي)

في الشمال، تطور التناقض بين الخطاب الرسمي للدولة (الجمهورية والمؤسسات) وبين الواقع الذي أصبحت فيه الدولة مجرد واجهة لـ«شبكات مصالح» تتقاطع فيها مراكز القوى التقليدية (القبيلة) والجديدة (النخب العسكرية ـ التجارية). ولكل ذلك لم تكن الدولة تحكم، بل تدير توازنات هذه الشبكات.

2. ثنائية (النخبة الطليعية، والكتلة الاجتماعية)

في الجنوب، كان التناقض بين طموح «النخبة الحزبية» في تحقيق تحديث (اشتراكي) وبين الواقع الاجتماعي الذي لم ينخرط في هذا المشروع بعمق. أدى هذا إلى «عزلة النخبة» داخل مؤسسات الحزب، مما جعل أي خلاف داخل النخبة يتحول إلى أزمة وجودية للدولة بأكملها.

3. ثنائية (الاستقرار السلطوي، والشرعية السياسية)

في الشمال، تم شراء الاستقرار السياسي عبر «الاستيعاب الريعي» للقوى التقليدية، مما خلق استقرارًا هشًا يعتمد على تدفق الريع، بينما أدت «الشرعية الثورية» في الجنوب إلى تضخم دور الأمن والمؤسسات العقائدية، مما أفرغ السياسة من حيويتها التنافسية.

4. ثنائية (الوحدة كشعار، والشطرية كواقع)

التناقض بين خطاب «الوحدة اليمنية» الذي كان يتبناه الطرفان كأداة ضغط سياسي متبادل، وبين الواقع البنيوي المتباعد (اقتصاديًا وإداريًا وقانونيًا). هذا التناقض حول الوحدة من «هدف استراتيجي» إلى «ورقة تفاوض» يستخدمها النظامان ـ في الشمال والجنوب ـ لتجاوز أزماتهما الداخلية، مما جعل الأرضية التأسيسية للوحدة مفخخة بالتناقضات.

5. ثنائية (الولاء للمؤسسة، والولاء للجماعة)

بينما كان الصراع في الشمال يتمظهر في شكل «توازنات بين مراكز القوى»، كان الصراع في الجنوب يتمظهر كـ«تصفية حسابات داخل النخبة». في الحالتين، كان الولاء للمؤسسة (الدولة/الحزب) دائمًا في المرتبة الثانية بعد الولاء للجماعة (القبيلة في الشمال/الشللية والمناطقية في الجنوب).

المرحلة الثالثة: الوحدة كحل سياسي، لا كمشروع دولة (1990–1994)

لم تكن الوحدة في عام 1990 تتويجًا لمسار اندماجي طبيعي، بل كانت «مخرجًا تكتيكيًا» لأزمات وجودية.

ففي الشمال، كانت «شبكات المصالح» بقيادة علي عبد الله صالح تبحث عن تجديد شرعيتها. وفي الجنوب، كان الحزب الاشتراكي اليمني يعاني من تداعيات وآثار أحداث يناير 1986، وإلى حد ما من التحولات في دول المنظومة الاشتراكية.

ولهذا كان اتفاق الوحدة «محاصصة» بين نخبتين، ظلت معها مراكز القوى في الشمال محتفظة بهيكليتها العسكرية والقبلية، بينما افتقر الطرف الجنوبي للأدوات الكافية لحماية نفوذه داخل الدولة الجديدة.

ولقد لعبت التعددية الحزبية دورًا مفارقًا في هذه المرحلة (1990–1994)؛ فبدلًا من أن تكون أداة لتوسيع المشاركة الشعبية وترسيخ المؤسسات، تحولت إلى «ساحة قتال» قانوني وسياسي، واستُخدمت كقناع لتغطية الاستقطاب الحاد؛ حيث سعت القوى التقليدية في الشمال إلى توظيف الأدوات الديمقراطية (مثل التنافس الانتخابي) لتثبيت شرعية «شبكاتها» تحت مظلة الوحدة، بينما حاول الحزب الاشتراكي استخدام هذه الأدوات كدرع لحماية مكتسباته الإدارية.

وقد أدى هذا التوظيف النفعي للتعددية إلى «تسييس الانقسام» بدلًا من «إدارته ديمقراطيًا»، حيث أصبحت الأحزاب مجرد أذرع سياسية للتحالفات القائمة، مما عمق الشعور بالاستبعاد لدى الطرف الجنوبي الذي وجد نفسه يخسر الرهان في صناديق الاقتراع التي صممت قواعدها لصالح «الأغلبية الديموغرافية» التي تسيطر عليها مراكز القوى الشمالية.

لقد أدت «الوحدة الفوقية» والتوظيف النفعي للتعددية الحزبية إلى نشوء صراع وجودي حول «تعريف الدولة». ففي حين سعت نخبة الشمال لفرض منطقها السلطوي، اكتشف الطرف الجنوبي أنه فقد القدرة على التأثير، وجراء ذلك تصاعدت التوترات والاغتيالات السياسية لتنتهي هذه المرحلة عام 1994 بحرب طاحنة أثبتت أن «الحل السياسي» والتعددية الصورية لم ينجحا في تحويل الوحدة إلى مشروع دولة، لتبدأ مرحلة جديدة من إعادة صياغة الدولة تحت هيمنة القوة المنتصرة.

التناقضات البنيوية في هذه المرحلة (1990–1994)

1. ثنائية (الاندماج الشكلي، والانقسام الفعلي)

التناقض بين الخطاب الوطني الذي احتفى بإعلان «الجمهورية اليمنية» وبين الواقع الذي شهد بقاء جيشين، وجهازين أمنيين، ونظامين إداريين متوازيين. هذه «الازدواجية المؤسسية» جعلت من الدولة كيانًا هجينًا لا يمتلك مركزًا واحدًا للقرار، مما حول «الوحدة» من حالة اندماج إلى حالة «تعايش قسري» محكوم بانتظار لحظة الانفجار.

2. ثنائية (التعددية الحزبية، والاستقطاب الشمولي)

التناقض بين الانفتاح الديمقراطي الصوري (التعددية) وبين طبيعة النخب التي كانت تدير اللعبة، حيث استُخدمت الأحزاب كواجهات سياسية لـ«شبكات المصالح» القبلية في الشمال أو «الأجنحة المناطقية» في الجنوب. لم تؤسس التعددية لمواطنة، بل شرعنت الصراع بين «تحالفات» كانت تتنافس للسيطرة على الدولة لا لإدارتها.

3. ثنائية (الوحدة كـ«حل»، والوحدة كـ«مشروع»)

التناقض بين اعتبار الوحدة «مخرجًا مؤقتًا» من أزمات الشطرين (الحل السياسي)، وبين ضرورتها كعملية بناء وطني طويل الأمد (مشروع دولة). هذا التناقض أنتج «عقدًا اجتماعيًا هشًا» قام على توازنات رملية، حيث كان كل طرف يرى في الآخر «شريكًا في المصالح» لا «مواطنًا في الوطن».

4. ثنائية (الشرعية الديمقراطية، وميزان القوى العسكري)

التناقض الصارخ بين الاحتكام لصناديق الاقتراع (1993) وبين التمسك بـ«الاستحقاق العسكري» والميداني. عندما تعارضت نتائج الانتخابات مع موازين القوى الفعلية على الأرض، سقطت «الشرعية

الديمقراطية» أمام «القوة القسرية»، مما كشف أن الديمقراطية كانت مجرد ترف لا يمكنه الصمود في مواجهة بنية السلطة الصلبة (الجيش والقبيلة).

5. ثنائية (المركزية الوطنية، والمناطقية المستترة)

التناقض بين ادعاء المركزية الوطنية في صنعاء وبين ممارسة الإقصاء التي شعر بها الطرف الجنوبي، مما دفع الأخير للاحتماء بهويته المناطقية كدرع دفاعي. هذا التناقض أفرغ «الوحدة» من محتواها الوطني وأعاد إحياء العصبيات الشطرية التي كان يفترض أن تذوب في كيان الدولة الجديدة.

المرحلة الرابعة: من نظام الغلبة إلى تفكك الدولة (1994–2011)

بعد حرب 1994، تحولت الدولة إلى «دولة غلبة»؛ حيث رسخت النخبة الحاكمة «شبكات المصالح» كقوة وحيدة تتحكم في مفاصل الدولة والاقتصاد. تم تهميش الشراكة الوطنية واستبدالها بنظام قائم على الولاء الشخصي والزبائنية، مع تداخل عضوي بين المؤسسة العسكرية والقبيلة ورؤوس الأموال المرتبطة بالسلطة.

تعمقت هذه الحالة مع تمديد فترات الحكم عبر التعديلات الدستورية المتكررة، وتزامن ذلك مع تراجع تدريجي في عوائد النفط، مما أضعف قدرة النظام على «شراء الولاءات»، ودفع الدولة نحو الاعتماد على سياسات إفقار ممنهجة لضمان التبعية.

في مقابل هذا التغول، برز تحالف أحزاب «اللقاء المشترك» عام 2001 كتحالف سياسي عابر للأيديولوجيات (إسلامية وقومية ويسارية)، محاولًا خلق «ثقل مضاد» لـ«نظام الغلبة». لكن هذا التحالف ـ رغم أهميته السياسية ـ وجد نفسه أمام جدار مسدود؛ فالسلطة لم تكن تمارس السياسة عبر المؤسسات، بل عبر «شبكات مصالح» صلبة لا تخضع لمعايير التنافس الديمقراطي.

وبينما كانت المعارضة تراهن على الإصلاح المؤسسي، كان النظام يواجه «تفككًا بنيويًا» من الداخل نتيجة تراكم الأزمات:

1- حروب صعدة (2004–2010) التي استنزفت الدولة.

2- الحراك الجنوبي (2007) الذي أعلن فشل صيغة 1994.

3- تفاقم الفساد الذي جعل الدولة هيكلًا فارغًا من أي محتوى وطني.

إن هذا التضاد بين «نظام الغلبة» الذي يسعى للاستحواذ، و«تحالف المعارضة» الذي يحاول استرداد الدولة، في ظل غياب الموارد الريعية لتمويل الولاءات، أدى إلى «تفكك بطيء» في بنية النظام. لقد أثبتت هذه المرحلة أن «الغلبة» لم تكن قوةً للدولة، بل أداة لتآكلها، حيث انفجرت التناقضات (المناطقية، والمذهبية، والاجتماعية) التي لم يعد بمقدور «شبكات المصالح» احتواءها، لتصل الدولة إلى لحظة الانهيار في 2011.

التناقضات البنيوية خلال هذه المرحلة (1994–2011)

1. ثنائية (الاستقرار السلطوي، والتآكل البنيوي)

التناقض بين الخطاب الرسمي الذي سوّق لـ«الاستقرار» كمنجز للمنتصر، وبين الواقع الذي شهد تفككًا تدريجيًا لمؤسسات الدولة لصالح «شبكات المصالح» الخاصة. استهلكت السلطة رصيد الدولة ومواردها لضمان بقائها، مما أدى إلى تآكل البنية التحتية للمؤسسات.

2. ثنائية (تمركز القوة، وتشتت السلطة)

التناقض بين الظاهر السلطوي (الرئيس ونظامه كمركز وحيد للقرار) وبين الواقع الذي شهد تنافس «مراكز قوى» داخل السلطة نفسها (العائلة، المؤسسة العسكرية، القبيلة). أصبحت الدولة هي الميدان الذي تُحل فيه صراعات هذه المراكز، لا المظلة التي تحكمها.

3. ثنائية (التعددية الحزبية، وديمقراطية الواجهة)

التناقض بين السماح بوجود معارضة منظمة (اللقاء المشترك) وبين إغلاق قنوات التغيير السلمي. هذا التناقض حول المعارضة من «أداة إصلاح» إلى «شاهد على العجز»، حيث اصطدمت طموحاتها ببنية سلطوية ترى في أي إصلاح مؤسسي تهديدًا وجوديًا.

4. ثنائية (اقتصاد الريع، والحاجة للإنتاج)

مع تراجع الموارد الريعية، اصطدم النظام بتناقض بنيوي؛ فنموذجه القائم على «شراء الولاءات» لم يعد قادرًا على تغطية التكاليف. أدى هذا إلى سياسات إفقار وإهمال للأطراف، مما فجر التمردات المناطقية (الحراك الجنوبي، حروب صعدة).

5. ثنائية (الدولة كمفهوم وطني، والدولة كملكية خاصة)

تحول مؤسسات الدولة إلى «أصول» يتم توزيعها على أفراد الشبكة الحاكمة، مما نزع عن الدولة «الشرعية الأخلاقية» وجعل من انهيارها في 2011 حتمية هيكلية.

6. ثنائية (الاستقلال الوطني، والتوظيف الإقليمي)

التناقض بين الخطاب الوطني السيادي وبين الممارسة الفعلية التي حولت الدولة إلى «وكيل إقليمي» في صراعات المحاور. لقد تحول «الأمن الوطني» إلى أداة لخدمة الأجندات الإقليمية، حيث استُخدمت المساعدات والتدخلات لتعزيز «شبكات مصالح» بعينها (سواء السلطة أو حلفائها أو خصومها)، مما جعل السياسة الخارجية للدولة مجرد انعكاس لحسابات إقليمية، وأفقدها القدرة على بناء استراتيجية وطنية مستقلة.

المرحلة الخامسة: لحظة الانكشاف ـ الثورة والانهيار (2011–2014)

كانت ثورة 2011 الزلزال الذي ضرب بنية «دولة الغلبة»؛ فلم تكن مجرد احتجاجات، بل إعلانًا بانتهاء صلاحية «عقد الزبائنية». خلال هذه المرحلة، حدث «انكشاف» كامل لطبيعة السلطة؛ حيث اتضح أن «مؤسسات الدولة» ليست سوى أذرع لهذه الشبكة أو تلك، مما أدى إلى انقسام القوى العسكرية والأمنية بناءً على ولاءات شخصية وعائلية، لا بناءً على عقيدة وطنية.

وجاء مؤتمر الحوار الوطني (2013–2014) كمحاولة أخيرة لإضفاء شرعية قانونية على الدولة من خلال إعادة صياغة عقدها الاجتماعي. كان الحوار في جوهره «صراعًا على مفاهيم الدولة»، حيث حاول المجتمعون معالجة جذور الأزمة (الجنوب، صعدة، الحكم).

لكن المفارقة البنيوية كانت أن هذا الحوار جرى في «فراغ ميداني»؛ فبينما كانت النخب تتجادل حول نصوص الدستور، كانت هناك مليشيات (وفي مقدمتها جماعة الحوثي) تستثمر في «انهيار المركز» لتمدد نفوذها العسكري والجغرافي. لقد استخدمت هذه المليشيات ضعف الدولة وتفكك «شبكات المصالح» القديمة لتفرض واقعًا مغايرًا يتجاوز كل مخرجات الحوار.

إن هذا التضاد بين «حوار النخب» وبين «زحف المليشيات» أدى إلى انهيار الوظيفة السيادية للدولة. فبدلًا من أن يؤدي الحوار إلى دمج المليشيات داخل الدولة، أدى إلى تعرية الدولة التي وجدت نفسها عاجزة عن حماية مخرجات حوارها أمام الزحف المسلح.

وقد وصل هذا التناقض إلى ذروته في سبتمبر 2014 بسقوط صنعاء، الذي لم يكن مجرد انتصار عسكري، بل كان «إعلانًا نهائيًا عن إفلاس الدولة كمركز للقرار»، وانتقال السلطة بالكامل من أيدي «النخب السياسية» التي تراهن على الحوار، إلى أيدي «قوى الأمر الواقع» التي تراهن على القوة الميدانية.

التناقضات البنيوية خلال هذه المرحلة (2011–2014)

1. ثنائية (الشرعية التوافقية، وقوى الأمر الواقع):

التناقض بين محاولة بناء شرعية الدولة عبر «مؤتمر الحوار الوطني» (توافق النخب) وبين صعود «قوى الأمر الواقع» التي اعتمدت على السيطرة الميدانية. هذا جعل من الدولة «خيالًا قانونيًا» لا يملك سلطة فعلية على الأرض، بينما كانت القوة المادية (السلاح والتنظيم) هي المرجع الحقيقي للحكم.

2. ثنائية (الفراغ المؤسسي، وتضخم مراكز القوى):

مع انهيار «دولة الغلبة» وتفكك شبكاتها القديمة، حدث فراغ مؤسسي هائل سارع (الحوثيون، والقوى القبلية المتحالفة، والأجنحة المنشقة) لملئه. تحولت الدولة من مؤسسة مركزية إلى «ميدان مفتوح» لتنافس مراكز قوى لا تعترف بمركزية صنعاء إلا بمقدار ما تخدم أهدافها الخاصة.

3. ثنائية (الخطاب الوطني الجامع، والهويات الفرعية):

في خضم الثورة، برز خطاب وطني يحلم بـ«دولة مدنية»، لكنه سرعان ما تآكل لصالح بروز الهويات الفرعية (المناطقية، والمذهبية، والقبلية). لم تجد الثورة «حاضنة مؤسسية» تحميها، فتشظت آمال التغيير إلى اصطفافات تخدم أجندات هذه القوى الطامحة، مما أدى إلى تمزيق النسيج الوطني بدلًا من إعادة بنائه.

4. ثنائية (مخرجات الحوار، ومعوقات الواقع):

التناقض بين الطموح النظري لمخرجات الحوار الوطني (دولة اتحادية، مواطنة، توزيع عادل للسلطة) وبين البنية التحتية الصلبة التي ترفض هذا التحول. كانت مخرجات الحوار تبشر بدولة جديدة، بينما كان «الواقع الميداني» يعيد إنتاج علاقات القوة القديمة أو يفرض علاقات قوة أكثر استبدادية، مما جعل الحوار يبدو كـ«جنازة سياسية» للدولة القديمة قبل أن يولد بديلها.

5. ثنائية (الدولة كحكم، والدولة كخصم):

نتيجة لضعف الحكومة الانتقالية، تحولت الدولة في نظر القوى الطامحة من «حكم ومظلة» إلى «خصم» يجب السيطرة عليه أو إقصاؤه. هذا التناقض أنهى مفهوم «الحياد الوظيفي» للدولة؛ فكل قوى النفوذ (بما فيها القوى الموالية للنظام السابق) بدأت تتعامل مع مؤسسات الدولة كـ«غنائم» أو «أدوات حرب»، مما أدى إلى تدمير آخر بقايا الهيبة المؤسسية.

6. ثنائية (حرية التعبير، والتوظيف التحريضي):

التناقض بين الانفجار غير المسبوق في حريات الإعلام ونشاط المجتمع المدني، وبين تحول هذه الوسائل إلى «أدوات تعبئة» في يد القوى المتصارعة.

فمن جهة: أتاح الإعلام والمجتمع المدني فضاءً نقديًا كسر «تابوهات» النظام القديم وفضح فساد «شبكات المصالح». ومن جهة أخرى، ونظرًا لغياب «ميثاق شرف» أو «رؤية وطنية جامعة»، استغلت مراكز القوى (القبلية، الحزبية، والمذهبية) هذه المنابر لتغذية الاستقطاب وتعميق الانقسامات الاجتماعية.

وبدلًا من أن يكون الإعلام والمجتمع المدني «جسرًا» لبناء عقد اجتماعي جديد، تحولا إلى «مكبرات صوت» تعكس تفتت المجتمع؛ حيث تم توظيف السرديات الإعلامية لترسيخ «ثقافة الكراهية» وتبرير العنف، مما أدى إلى «سيولة معلوماتية» خانقة جعلت من الصعب على المواطن العادي التمييز بين الحقائق والمصالح الضيقة، وأضعفت قدرة المجتمع على بناء «كتلة حرجة» تقف ضد مسار الانهيار.

المرحلة السادسة: من تفكك الدولة إلى «السيولة السيادية» (2015–الآن)

بعد التدخل العسكري في مارس 2015، انتقلت اليمن من «تفكك الدولة» إلى «السيولة السيادية»؛ حيث انتهى مفهوم المركز الواحد وحلت محله كيانات سلطوية تدير أقاليمها بشكل مستقل.

لكن التحول الأخطر في هذه المرحلة يكمن في إعادة تشكيل بنية الاقتصاد الاجتماعي؛ حيث أدت الحرب إلى انهيار الاقتصاد الرسمي (المرتبات، الخدمات، القطاع الخاص التقليدي) مقابل صعود «اقتصاد الحرب».

لقد نشأت طبقة اقتصادية جديدة من أمراء الحرب، ووسطاء الوقود، ومسؤولي الجبايات، الذين وجدوا في استمرار النزاع مصدرًا مستدامًا للثراء. هذا التحول الاقتصادي لم يكتفِ بتمويل الصراع، بل أدى إلى «إفقار ممنهج» للمجتمع، مما جعل المواطن اليمني رهينة لشبكات إغاثية أو ميليشياوية، وأضعف الروابط الاجتماعية التقليدية لصالح علاقات «الزبائنية المسلحة».

إن هذا التغير في بنية الاقتصاد الاجتماعي يعني أن «الدولة» ـ حتى لو أُعيد بناؤها مؤسسيًا ـ ستصطدم بواقع اقتصادي جديد يرفض السلام، لأن السلام يعني ببساطة «إفلاس» هذه النخب الجديدة التي اقتاتت على الحرب.

تتسم هذه المرحلة بتعدد المرجعيات السياسية والدولية، مما جعل السيادة الوطنية مجرد ورقة مقايضة. نحن لا نشهد انهيار مؤسسات فحسب، بل «تشظيًا مجتمعيًا» ناتجًا عن اقتصاديات الحرب التي خلقت واقعًا لا يمكن تجاوزه بقرارات سياسية فوقية؛ فكل «مركز نفوذ» محلي يمتلك اليوم «اقتصادًا خاصًا» يجعله مستقلًا عن الآخرين، مما يجعل مهمة إعادة بناء «الدولة الوطنية» أصعب من أي وقت مضى.

التناقضات البنيوية خلال هذه المرحلة (2015–الآن)

1. ثنائية (السيادة الوطنية، والوصاية الإقليمية ـ الدولية):

التناقض بين الخطاب الوطني السيادي الذي ترفعه كافة أطراف الصراع، وبين واقع الارتهان الكامل للقرار (أمنيًا، ماليًا، وسياسيًا) للفاعلين الإقليميين والدوليين. تحولت اليمن إلى مسرح لإدارة صراعات الآخرين، وأصبحت «السيادة» مجرد وظيفة لخدمة أجندات خارجية لا تتقاطع بالضرورة مع مصلحة بقاء الكيان اليمني.

2. ثنائية (شرعية الأمر الواقع، والشرعية المؤسسية):

التناقض بين القوى التي تفرض وجودها عبر القوة المسلحة (الأمر الواقع) وبين المؤسسات (الحكومية، الدستورية) التي تحاول الحفاظ على «وهم الشرعية». أدى هذا إلى خلق واقع هجين؛ حيث لا تستطيع القوى المسلحة حيازة الاعتراف الدولي، ولا تستطيع المؤسسات ممارسة سلطتها الفعلية على الأرض.

3. ثنائية (اقتصاد الحرب، والمصلحة الوطنية):

هذا هو التناقض الأكثر رسوخًا؛ فاستمرار الحرب تحول إلى «خيار اقتصادي» لنخب جديدة (أمراء الحرب، الوسطاء، المهربون). المصلحة الوطنية تتطلب إنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة، بينما تقتضي «اقتصاديات النزاع» إطالة أمدها. هذا التناقض جعل من الصعب إيجاد «كتلة حرجة» وطنية قادرة على الضغط باتجاه السلام، لأن المستفيدين من الحرب هم من يمتلكون السلاح والمال.

4. ثنائية (التعددية المناطقية، ووحدة الجغرافيا):

التناقض بين الخريطة السياسية المتشظية (دويلات أمر واقع) وبين وحدة الجغرافيا اليمنية التي لا تزال تحتفظ بوشائجها الاجتماعية. أدى هذا إلى صراع هوية حاد؛ فبينما تحاول القوى المحلية فرض «هوية سياسية/مناطقية» جديدة، لا تزال الروابط الاجتماعية والقبلية والتاريخية ترفض هذا التقسيم، مما يخلق حالة من «الاحتقان الداخلي» الدائم.

5. ثنائية (التفتت المؤسسي، والحاجة للخدمات العامة):

حاجة المجتمع الملحة للخدمات (التي كانت الدولة تقدمها سابقًا) وبين غياب المركز الذي يمكنه تقديمها. أدى ذلك إلى نشوء «نظام موازٍ» تعتمد فيه الخدمات على المبادرات الفردية، أو الجمعيات الإغاثية الدولية، أو الفاعلين المسلحين (الذين يستخدمون الخدمات كأداة لفرض الولاء)، مما يعمق «الارتهان» ويضعف قدرة المجتمع على الاستقلال بذاته.

6. ثنائية (الجمود السياسي، والسيولة العسكرية):

التناقض بين حالة الجمود في مسارات الحل السياسي (المبادرات، المفاوضات الدولية) وبين السيولة والتقلب الدائم في الخرائط العسكرية والتحالفات المحلية. هذا التناقض يجعل «الحل السياسي» دائمًا متأخرًا عن الواقع، حيث تتغير موازين القوى الميدانية قبل أن تكتمل جولات المفاوضات.

استنتاجات ختامية: «جدلية الدولة والشبكات»

1. الدولة كـ«ميدان» لا كـ«مرجعية»:

الاستنتاج المركزي من كل ما سبق هو أن اليمن لم يفشل في بناء «دولة» بالمعنى الوظيفي فحسب، بل إن مفهوم الدولة ذاته ظل غائبًا عن وعي النخب الحاكمة.

لقد ظلت الدولة طوال العقود الستة «ميدانًا» لتصفية الحسابات أو «مصدرًا» لاقتسام الريع، ولم تتحول أبدًا إلى «مرجعية» عليا تتجاوز المصالح الفئوية أو القبلية أو المناطقية.

2. تغول «شبكات المصالح» على «المؤسسة»:

إن «الأزمة الوطنية العامة» ليست أزمة إمكانات، بل أزمة بنية. لقد أثبتت التجربة أن «شبكات المصالح» (القبلية، العسكرية، التجارية) ليست طارئة على الدولة، بل هي البنية الحقيقية لها.

كلما حاولت المؤسسات الرسمية أن تستقل، قامت هذه الشبكات بابتلاعها أو إفراغها من محتواها، مما أدى إلى حالة دائمة من «تآكل المؤسسية» التي جعلت الدولة عاجزة عن الاستجابة للأزمات.

3. مأزق «الشرعية» في غياب «العقد الاجتماعي»:

لم تنجح أي مرحلة من المراحل الست في إنتاج «عقد اجتماعي» حقيقي يربط المواطن بالدولة. لقد استبدلت السلطات المتعاقبة «العقد الاجتماعي» بـ«الزبائنية» (شراء الولاءات). وحينما جفت الموارد الريعية، أو حينما عجزت النخب عن توزيع الفتات، انهار الهيكل فورًا. فالدولة التي تقوم على «شراء الولاء» تفقد شرعيتها بمجرد عجزها عن الدفع.

4. مفارقة الوعي الوطني مقابل التصلب البنيوي:

هناك فجوة عميقة بين «الوعي الوطني» الذي عبرت عنه ثورة سبتمبر 1962 ثم ثورة 2011 وبين «التصلب البنيوي» للقوى التقليدية التي ترفض التغيير.

هذه الفجوة هي التي خلقت «السيولة السياسية»؛ حيث الشعب يريد دولة، والشبكات القائمة تريد «نظامًا» يضمن استمرار هيمنتها. هذا التناقض هو المحرك الأساسي لعمليات الانهيار المتكررة.

5. التدويل كـ«تأبيد للأزمة»:

أدى التدخل الإقليمي والدولي في كل محطات اليمن التاريخية ـ بداية من صراعات الحرب الباردة، وصولًا إلى استقطابات اليوم ـ إلى تحويل الأزمة من شأن وطني إلى «ورقة مقايضة» إقليمية. هذا التدويل أضعف القدرة على بناء استراتيجية وطنية مستقلة، وجعل من «الاستقرار» ـ بمفهومه الإقليمي لا الوطني ـ أولوية فوق أي إصلاح بنيوي.

6. حتمية التغيير الجذري:

خلاصة هذه الورقة تؤكد أن حل الأزمة اليمنية لا يكمن في «ترميم» الهياكل القديمة، لأن هذه الهياكل بحد ذاتها هي من أنتجت الأزمة. إن أي مشروع مستقبلي يتطلب «تفكيك» البنية الريعية والزبائنية القائمة، وإعادة الاعتبار لـ«المواطنة» كقاعدة وحيدة للشرعية، وهو تحدٍ يواجه اليوم مقاومة عنيفة من «اقتصاديات الحرب» التي تجد في استمرار التشظي مصلحتها في البقاء.

المحور الثاني: آليات التفكك وانهيار التوازن«تفكك شبكات المصالح»

إذا كان المحور الأول قد كشف عن الكيفية التي تشكلت بها البنية السياسية في اليمن، وكيفية تبلور «شبكات المصالح» كفاعل أساسي في إدارة الدولة، فإن هذا التكوين لم يكن حالة استقرار، بل حمل في طياته بذور القابلية للتفكك.

إن الانتقال من مرحلة «التشكل» إلى مرحلة «الانهيار» هو انتقال تحليلي من دراسة بنية السلطة إلى دراسة ديناميكيات الصراع داخلها؛ فشبكات المصالح التي أدارت الدولة لم تكن سوى معاول لهدمها حينما تعارضت مصالحها الضيقة مع متطلبات الدولة الوطنية.

تتجلى آليات التفكك في تآكل «الشرعية التوافقية»؛ إذ تحولت شبكات المصالح من أداة لإدارة التنوع إلى وسيلة للاستحواذ، مما حول العقد الاجتماعي من اتفاق عام يضمن الحقوق إلى مقايضات أمنية هشة، جعلت الولاء مرهونًا باستمرارية تدفق الموارد، لا بقدرة الدولة على تقديم نموذج إدارة ناجح.

هذا التآكل الأخلاقي والسياسي أفضى بالضرورة إلى «شلل وظيفي» للمؤسسات السيادية، التي تحولت إلى ساحات لتصفية الحسابات بين أقطاب النفوذ، ففقدت الدولة قدرتها على اتخاذ القرار المستقل، وانكفأت عن وظائفها الأساسية لتترك الفراغ للميليشيات والكيانات الموازية.

استندت ديمومة هذه الشبكات في السلطة إلى ثلاث أدوات رئيسية:

أولًا، «التحكم في الموارد» عبر اقتصاد الريع الذي كرس التبعية المطلقة للشبكة وحول الميزانية العامة إلى أداة لتمويل نفوذها.

وثانيًا، «التوظيف الأمني» حيث خُصصت الأجهزة الأمنية لحماية الشبكات بدلًا من السيادة الوطنية، مما خلق ازدواجية هيكلية أدت إلى تآكل هيبة الدولة.

وثالثًا، «هندسة القانون» الذي استُخدم كغطاء شرعي لتجاوزات النافذين، مما أطاح بمبدأ المساواة أمام القانون وأفرغ الدولة من مضمونها التنظيمي.

ولإخراج هذا التحليل من دائرة التجريد، نلحظ في المحطات التاريخية كيف تحولت هذه الأدوات إلى عوامل انفجار؛ ففي درس 1994 أُعلن انتهاء حقبة الشراكة الوطنية حينما استخدمت الشبكة المهيمنة أدوات الدولة لإقصاء الشريك، مؤسسةً «اقتصاد الغنيمة».

وفي محطة 2011 كان انفجار التناقضات الداخلية نتيجة طبيعية لشلل المؤسسات، حيث انقسمت الشبكات الكبرى إلى مراكز قوى متناحرة، لتثبت هذه المحطات أن أزمات اليمن ليست قدرًا، بل هي نتيجة تراكمية لنمط حكم اعتمد «شبكات المصالح» كبديل عن الدولة.

خلاصة القول، إن مسار الانهيار يوضح أن ما شهده اليمن لم يكن مجرد أزمات عابرة، بل «لحظات كشف» عن هشاشة العقد الاجتماعي الذي صاغته هذه الشبكات.

إن الاعتماد على هذه الشبكات أدى إلى مأزق تاريخي؛ فهي من جهة عاجزة عن بناء دولة مؤسسية مستدامة، ومن جهة أخرى تقاوم أي تغيير لأن بقاءها مرتبط بنظام «الغنيمة».

وبذلك، لم يُترك النظام في حالة ضعف فحسب، بل دُفعت الدولة عضويًا إلى حافة «الفراغ السيادي» بفعل حالة الانسداد التاريخي، حيث لم تعد هناك سلطة مركزية قادرة على ممارسة وظائفها، أو شبكة مصالح قادرة على حماية توازنها الداخلي، ليضعنا هذا الانسداد أمام استحقاق حتمي: إما إعادة تعريف الدولة بعيدًا عن منطق الشبكات، أو الغرق في دورات لا تنتهي من الصراع المفتوح.

المحور الثالث: نحو رؤية وطنية«استكشاف أفق أولي لإعادة البناء»

إذا كان المحور الثاني قد شخص طبيعة التفكك وأسباب الانسداد التاريخي الناتج عن تغول «شبكات المصالح»، فإن المحور الثالث يأتي ليطرح إمكانية الخروج من هذه الحلقة المفرغة؛ فإعادة البناء لا تعني مجرد ترميم الهياكل المتهالكة، بل تتطلب «إعادة تأسيس» للعقد الاجتماعي على أسس تعيد الاعتبار للدولة ككيان عام ومستقل.

إن الأفق الأول لإعادة البناء يرتكز بالضرورة على الانتقال من «سيادة الشبكات» إلى «سيادة المؤسسات»، وذلك عبر مسارات متداخلة تضمن استدامة التحول.

يبدأ المسار الأول من «إعادة الاعتبار للمجال العام» من خلال كسر احتكار الموارد. لا يمكن الحديث عن إعادة بناء الدولة دون تفكيك «اقتصاد الغنيمة» الذي يغذي الشبكات؛ وهو ما يتطلب بالضرورة إصلاحات هيكلية تعيد الموارد إلى ميزانية الدولة وتخضعها للرقابة القانونية الصارمة.

إن تحويل الدولة من «موزع للمغانم» إلى «منظم للعدالة الاجتماعية» هو الضمانة الوحيدة لإنهاء التبعية التي أرغمت المكونات المجتمعية على الانكفاء نحو الولاءات الفرعية، إذ إن استعادة الثقة في المؤسسات تبدأ عندما يشعر المواطن أن حقوقه لا تمر عبر قنوات الولاء للشبكة، بل عبر مسارات المواطنة المتساوية.

أما المسار الثاني، فيتعلق بـ«إعادة الهيكلة الوظيفية» للدولة، بدءًا من السلطة القضائية والأجهزة الأمنية. إن استقلال القضاء وتطهير المؤسسات من «ازدواجية الولاء» ليس مطلبًا تقنيًا، بل هو استحقاق سياسي وجودي؛ فبدون قانون يسود على الجميع، ستظل السلطة عرضة للاختطاف من أي شبكة نفوذ قوية.

إن بناء أفق أولي يتطلب تحويل الأجهزة الأمنية إلى مؤسسات وطنية تلتزم بحماية الدستور والسيادة، لا بحماية أطراف بعينها، وهو ما يقتضي صياغة عقد مهني جديد يعلي من شأن «الكفاءة» و«النزاهة» على حساب «المحسوبية» و«القرابة».

في المسار الثالث، تبرز ضرورة «الحوار الوطني التأسيسي» الذي يتجاوز التوافقات التكتيكية بين النخب.

إن الفشل التاريخي للتوافقات السابقة كان نابعًا من كونها محاصصة بين شبكات المصالح؛ لذا، فإن الأفق الجديد يتطلب إشراك القوى الحية والمجتمع المدني في حوار حقيقي يعيد صياغة «عقد اجتماعي» جديد، يقر بالتعددية ويديرها بعيدًا عن منطق الإقصاء.

إن هذا الحوار يجب أن يضع «الحد الأدنى الديمقراطي» كقاعدة لا يمكن التنازل عنها، بحيث تكون المؤسسات هي الحكم في أي نزاع، لا موازين القوى المسلحة أو التحالفات الضيقة.

خلاصة الرؤية أن إعادة البناء ليست عملية تقنية، بل هي مشروع نضالي وطني طويل الأمد. إنها تتطلب إرادة صلبة للتحرر من «منطق الشبكات» الذي أدى إلى الانهيار، والقبول بضرورة التضحية بالمصالح الآنية للنخب لصالح استقرار الدولة ومستقبلها.

إن الأفق المتاح ليس «نهاية التاريخ» أو حلولًا سحرية، بل هو طريق وعر يبدأ بالاعتراف بأن الدولة لا تقوم إلا على سيادة القانون والمواطنة، وأن أي محاولة لإعادة البناء دون استئصال جذور «الشبكات» ستعيدنا بالضرورة إلى حلقة التفكك الأولى.

إن هذا الأفق هو البوابة الوحيدة لتحويل اليمن من ساحة للصراع بين المصالح إلى فضاء رحب للمواطنة والسيادة الوطنية.

خاتمة: «نحو استعادة الدولة من أسر شبكات المصالح»

إن رحلة البحث في جذور الأزمة الوطنية العامة في اليمن، من خلال تفكيك بنية السلطة وآليات عمل «شبكات المصالح»، قد أفضت بنا إلى قناعة منهجية مفادها أن الأزمة اليمنية ليست صدفة تاريخية، بل هي نتاج حتمي لنمط حكم ارتضى «الشبكة» بديلًا عن «المؤسسة».

لقد أوضحنا كيف أن هذه الشبكات، التي تشكلت كأدوات لإدارة التوازن في مرحلة التأسيس، قد تحولت بحكم طبيعتها الاستحواذية إلى معاول لهدم الدولة؛ حيث استنزفت مواردها، وأفرغت مؤسساتها من مضمونها السيادي، ورهنت استقرارها لدوائر ولاء ضيقة بدلًا من عقد اجتماعي وطني شامل.

إن قراءتنا لمحطات الانهيار، وعلى رأسها أزمات 1994 و2011، لم تكن مجرد سرد تاريخي، بل كانت تدليلًا على «عجز بنيوي» لهذه الشبكات عن التكيف مع متطلبات الدولة الحديثة.

فعندما تغيب المؤسسة وتغيب معها سيادة القانون، تصبح الدولة رهينة لاختلالات هذه الشبكات ومصالحها، مما يجعل الانهيار أو التفكك هو النتيجة المنطقية لتناقضاتها الداخلية.

وعليه، فإن الأفق الذي استشرفناه لإعادة البناء لا يمثل ترفًا فكريًا، بل هو استحقاق وجودي يتطلب شجاعة المواجهة مع «منطق الشبكات» والبدء في استعادة المجال العام.

ختامًا، إن اليمن اليوم يقف عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما الاستمرار في دوامة الصراع المفتوح الذي تغذيه هذه الشبكات، أو التوافق على عقد اجتماعي جديد يعيد الاعتبار للمواطنة كقاعدة وحيدة للحقوق والواجبات.

إن بناء الدولة ليس عملية تقنية يمكن استيرادها، بل هو مسار نضالي يبدأ بفك الارتباط بين النفوذ والمال، وبين السلطة والولاء الشخصي.

إن استعادة الدولة من أسر هذه الشبكات هي الخطوة الأولى، والأساسية، لأي مشروع وطني حقيقي يطمح إلى تحويل اليمن من ساحة للصراعات التنافسية بين النخب إلى وطن يتسع للجميع، ويحكمه قانون واحد، ومصلحة عامة لا تتقاطع مع مصالح الأفراد أو الجماعات.