مجلس القيادة الرئاسي.. قيادة دولة أم شقق مفروشة؟!
يبدو أن عضوية مجلس القيادة الرئاسي للجمهورية اليمنية أصبحت تمنح أصحابها امتيازات وصلاحيات تتجاوز الفنادق الفارهة، والمواكب الضخمة، والمخصصات المالية السخية؛ لتصل أخيراً إلى إحياء دول بائدة غابت عن الخريطة منذ عقود، واستدعاء جيوشها من صفحات التاريخ، والحديث باسمها وكأن الوحدة اليمنية لم تكن، وكأننا أمام دولتين تتعايشان داخل جسد دولة واحدة..!!
عبدالرحمن المحرمي الشهير بأبو زرعة يكتب عن (جيشنا الجنوبي العريق)، وعن (القوات المسلحة الجنوبية)، ويعلن مواصلة بناء وتطوير هذه القوات، باعتبارها مؤسسة قائمة بذاتها، وعن بناء قوات (موحدة في قيادتها)، من دون أن يخبرنا موحدة بأي قانون، وتحت أي دولة، وضمن أي وزارة دفاع، ووفق أي دستور، وبأي صفة يتحدث عضو أعلى هيئة سياسية في البلد عن جيش لايصفه بأنه جزء من القوات المسلحة اليمنية، وكأنه مجرد مفسبك نزق، وليس عضو في مجلس القيادة الرئاسي للجمهورية اليمنية..!!
لايمكن لأحد أن يمحو التاريخ أو يمنع الناس من الاحتفاء بذكرياتهم، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الذكرى إلى مشروع عسكري وسياسي قائم بذاته، مؤسسة عسكرية موازية، وهوية سياسية موازية، وقيادة موازية، ومشروع دولة موازي، بينما صاحب هذا الخطاب يجلس في الوقت نفسه على مقعد عضو مجلس القيادة الرئاسي للجمهورية اليمنية، بكل حقوقه السياسية والمادية والمعنوية..!!
يبدو ان ابو زرعة يتقمص دون ان يشعر؛ دور وتجربة عيدروس الزبيدي؛ من عضوية قيادة الجمهورية إلى صناعة مشروع موازي لها، مع فارق وحيد؛ أن نهاية التجربة السابقة كانت أكثر دراماتيكية مما قد يتوقعه أصحاب المشاريع المنفصلة؛ حين وجد صاحبها نفسه متخفياً في قارب مواشي هارب باتجاه الصومال..!!
إذا كان (الجيش الجنوبي) جيش وطني تابع للجمهورية اليمنية، فلماذا لايسمى القوات المسلحة اليمنية، ولماذا لاتكون مرجعيته وزارة الدفاع اليمنية، ولماذا الحديث عن (بناء قواتنا المسلحة الجنوبية) بدلاً من الحديث عن إعادة بناء القوات المسلحة اليمنية على أسس وطنية ومؤسسية لصالح مشروع اليمن الكبير..!
أما إذا كان المقصود جيش تابع لكيان سياسي مستقل عن الجمهورية اليمنية، أو تابع لكيان اقليمي، فهذه مسألة أخرى تماماً، وتحتاج إلى تعريف سياسي ودستوري واضح، لا إلى الجمع بين صفتين متناقضتين؛ عضو في قيادة الجمهورية اليمنية، وقائد لمشروع عسكري خارج مؤسسات الجمهورية..!!
الأغرب من كل هذا هو صمت مجلس القيادة الرئاسي، فماذا بقي من مفهوم الدولة إذا كان أعضاء القيادة العليا للجمهورية يتحدثون باسم جيوش ومشاريع وهويات عسكرية أخرى، ولايجدون من يسألهم مجرد سؤال؛ أنتم تتحدثون باسم أي دولة..؟!
لقد تحول مجلس القيادة الرئاسي، في صورته الراهنة، إلى مايشبه فندق فاخر بنظام الشقق المفروشة؛ لكل شقة مشروعها، ولكل مشروع جيشه، ولكل جيش قائده، ولكل قائد علمه وشعاره ومنطقته، ثم يخرج الجميع من أبواب الفندق نفسها ليحدثوا العالم باسم الجمهورية اليمنية المدمرة..!!
وهنا تحديداً، ينبغي أن تكون الرسالة واضحة للأشقاء في المملكة العربية السعودية؛ لا يمكن بناء أمن سعودي مستدام على يمن تتعدد فيه الجيوش بقدر ماتتعدد فيه الولاءات، ولا على دولة يجري تفكيكها إلى مناطق نفوذ ومراكز قوى مسلحة..
قد يبدو تعدد هذه القوى لبعض الوقت وسيلة لصناعة التوازن، لكنه في المدى البعيد لاينتج إلا دولة رخوة، وحدود رخوة، وأمن هش؛ وسيكون من السذاجة الاعتقاد أن شرر هذا العبث سيبقى محصوراً داخل اليمن.
مصلحة السعودية الاستراتيجية ليست في يمن تتعدد فيه الجيوش بقدر ماتتعدد فيه الولاءات، وإنما في دولة يمنية واحدة مستقرة، بجيش وطني موحد، ومؤسسة عسكرية محترفة، وعقيدة دولة واضحة، وسلطة سياسية قادرة على حماية حدودها وتأمين جوارها الاستراتيجي وعمقها الأمني..



