رسالة البركاني: صوت الميثاق الوطني والخطوة الأولى لاستعادة المؤتمر من داخله
في لحظة سياسية دقيقة تتداخل فيها المبادرات الشخصية مع الاستحقاقات التنظيمية، جاءت رسالة الشيخ سلطان بن سعيد البركاني، رئيس مجلس النواب والأمين العام المساعد للمؤتمر الشعبي العام، لتضع النقاط على الحروف، وتعيد النقاش حول مستقبل المؤتمر إلى مساره الصحيح.
إن ما ورد في الرسالة ليس مجرد رد على تيار أو مبادرة حملت عنوان «استعادة دور المؤتمر الشعبي العام»، بل هو تذكير بأن المؤتمر ليس كياناً بلا مؤسسات، ولا إرثاً سياسياً مباحاً لمن شاء أن يتحدث باسمه. إنه تنظيم سياسي له ميثاقه ونظامه ولوائحه وهيئاته وقياداته وقواعده. وأي حديث عن استعادة دوره لا يمكن أن يبدأ من خارج هذه الأطر.
وتكمن القيمة الوطنية لهذا الموقف في أنه صادر عن رجل كان وما زال أحد أبناء المؤتمر الأوفياء للميثاق الوطني، ويدرك أن الحفاظ على المؤتمر لا يكون بالضجيج الإعلامي، ولا بتشكيل التيارات والمراكز الموازية، وإنما بإعادة الروح إلى مؤسساته التي أصابها الجمود خلال سنوات الحرب والانقسام.
ومع إشادتنا بهذه الرسالة، فإن المسؤولية تقتضي ألا تظل مجرد ردة فعل على «تيار استعادة المؤتمر» ثم تنتهي بانتهاء الجدل حوله. فالرسالة، في تقديري، يجب أن تكون بداية لمسار تنظيمي حقيقي وشامل، وأن تتحول من موقف سياسي إلى برنامج عمل مؤتمري يعيد ترتيب البيت من الداخل.
لقد آن الأوان لأن تتقدم القيادات المؤتمرية خطوة إلى الأمام. واستناداً إلى المذكرة التي رفعتها قيادات المؤتمر الشعبي العام في المناطق المحررة إلى الأخ نائب رئيس المؤتمر الدكتور أحمد عبيد بن دغر، تلك المذكرة التي عكّرت صفو الرابضين على الحقوق السياسية لهذا التنظيم، واضطرتهم إلى إنشاء «تيار استعادة دورالمؤتمر الشعبي العام» لتعطيل العمل المؤسسي داخل الحزب، للحفاظ على مصالحهم ،فإن الوقت قد حان لتلك القيادة بأن تضع مسألة تفعيل الأطر التنظيمية على رأس أولوياتها.
فالمؤتمر اليوم بحاجة إلى مراجعة جادة لأوضاع هيئاته ودوائره وأمانته العامة، وتحديد مواقع الشواغر، ومعالجة حالات الوفاة والاستقالة والغياب والتعطيل، واستكمال عملية التصعيد بعناصر من أبناء المناطق المحررة، نظراً لما قدموه من تضحيات، وما تتطلبه المرحلة القادمة من حراك تنظيمي يعيد للمؤتمر الشعبي العام الثقة في مناطق الشرعية.
وهنا تبرز المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق اللجنة العامة والأمانة العامة والهيئات التنظيمية المختصة. وعليها حصر جميع الشواغر في الهرم القيادي للمؤتمر وفي الأمانة العامة وفي مختلف الدوائر، ووضع آلية واضحة للتصعيد والتعيين وفقاً للمرجعيات التنظيمية، حتى يكتمل البناء المؤسسي للمؤتمر.
كما تقع المسؤولية على عاتق الرجال الذين حملوا راية المؤتمر في أصعب الظروف، وفي مقدمتهم أعضاء اللجنة العامة والهيئات التنظيمية والأمانة العامة، للانتقال من مرحلة الصمت إلى مرحلة الفعل.
فإن انعقاد اجتماع تنظيمي للجنة العامة لمراجعة أوضاع المؤسسات القيادية، وسد الشواغر، وتصعيد الكوادر، وتفعيل الدوائر والفروع، سيكون أقوى رد على كل من يحاول اختصار المؤتمر في مجموعة أشخاص أو مبادرة أو عنوان جديد.
إن الرسالة التي وجهها الشيخ سلطان البركاني تمثل، في جوهرها، دعوة إلى الاحتكام إلى المؤسسة بدل الأشخاص، وإلى الميثاق بدل المصالح، وإلى التنظيم بدل الفوضى.
لكن قيمتها الحقيقية لن تكتمل إلا عندما تتحول إلى قرار تنظيمي عملي يبدأ بتفعيل اللجنة العامة، ومراجعة تركيبة الأمانة العامة، وسد الشواغر في مختلف المستويات، وتصعيد الكفاءات المؤتمرية من أبناء المحافظات الجنوبية لشغل تلك الشواغر، وإعادة بناء الدوائر والفروع، ثم الانتقال إلى مرحلة جديدة من النشاط السياسي والجماهيري.
فالمؤتمر لا يحتاج اليوم إلى مزيد من البيانات التي تتحدث عن قوته، بقدر ما يحتاج إلى مؤسسات تعمل، ودوائر تتحرك، وفروع تنشط، وقيادة تجتمع، وقواعد تشارك. وهذه هي اللحظة التي ينبغي أن ينتقل فيها المؤتمر من الدفاع عن شرعيته التنظيمية إلى ممارسة هذه الشرعية على أرض الواقع.
إن الرسالة الوطنية التي خرجت من رجال أوفياء للميثاق الوطني يجب ألا تكون نهاية المواجهة مع «تيار استعادة المؤتمر»، بل يجب أن تكون بداية لاستعادة المؤتمر نفسه: مؤسسةً وتنظيماً ونشاطاً ودوراً وطنياً.
المؤتمر الشعبي العام يستحق أن يعود إلى الحياة السياسية والتنظيمية، لا أن يبقى حاضراً في الذاكرة وغائباً عن الميدان.



