السبت 29 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • التمويل الخارجي لمشاريع التنمية في اليمن: من الفرص الضائعة إلى المخاطر القائمة

التمويل الخارجي لمشاريع التنمية في اليمن: من الفرص الضائعة إلى المخاطر القائمة

شهدت اليمن خلال الفترة من 2000 إلى 2014 نوعا من الاستقرار والاستجابة التنموية المباشرة، باستثناء 2011، ولاقت تلك المرحلة اهتماماً دولياً بالدعم التنموي والبرامج والأنشطة الهادفة لتحسين مستوى المعيشة والحد من الفقر والبطالة ودعم التحول السياسي والاقتصادي. وعُقدت عدد من مؤتمرات المانحين، مؤتمر باريس (2002)، ولندن (2006) والرياض ونيويورك (2012)، وحصل اليمن على تعهدات مالية كبيرة تجاوزت 13 مليار دولار لتثبيت الاستقرار الاقتصادي ولدعم الانتقال السياسي والحراك الديمقراطي، وتركزت التمويلات على مشاريع البنية التحتية (كهرباء، طرق، مياه، صرف صحي) وعلى قطاعات التنمية البشرية (التعليم والصحة)، إضافة إلى دعم البناء المؤسسي والإصلاحات الاقتصادية.

وخلال تلك الفترة، كانت أمام اليمن فرصة سانحة للاستفادة من تعهدات المانحين والتي كانت إما مساعدات أو قروض ميسرة، إلا أن الحكومات المتعاقبة واجهت مشكلة ضعف القدرة الاستيعابية لدى مؤسسات الدولة، وتشير التقارير إلى أن نسبة استيعاب التعهدات والسحب الفعلي لم تتجاوز 35%– 40% من إجمالي التعهدات حتى منتصف عام 2014. ويرجع ذلك إلى ضعف البنية المؤسسية للأجهزة الحكومية وغياب الدراسات الفنية الجاهزة للمشاريع، إضافة إلى ممارسة الفساد في تنفيذ بعض المشاريع الممولة خارجيا، " مطار صنعاء، مثالاً". وللإنصاف، تمكنت بعض المؤسسات والمشاريع الوطنية (مثل الصندوق الاجتماعي للتنمية، ومشروع الأشغال العامة، وبرنامج الطرق الريفية) من إستيعاب كل مخصصات المشاريع ذات التمويل الخارجي والمدرجة في خططها السنوية، ومثلت نموذجا يحتذى في تحقيق الأهداف التنموية للدولة.

الدعم التنموي في ظل الحرب

مع اندلاع الصراع في عام 2015، تحول نمط التمويل الدولي جذرياً من التنمية المستدامة إلى خطط الاستجابة الإنسانية للإغاثة الطارئة، باستثناء بعض المؤسسات الدولية، مثل البنك الدولي عبر هيئة التنمية الدولية، حيث انتقلت التدخلات من نموذج التنمية التقليدي إلى نموذج "التنمية المستجيبة للأزمات"، لضمان استمرار الخدمات الأساسية والحفاظ على المؤسسات الوطنية من الانهيار. وتميزت مشاريع البنك بالتركيز على القطاعات الحيوية مثل الحماية الاجتماعية وتحسين البنية التحية (في قطاعات الطرق والمياه والصرف الصحي) والصحة والطاقة والنقد مقابل العمل. وبلغ إجمالي التمويلات المقدمة من البنك الدولي منذ2015 أكثر من 3 مليار دولار، عبر شراكات مبتكرة لتجاوز العقبات السياسية.
كما ساهم بنك التنمية الألماني في تمويل مشاريع تنموية في مجالات المياه والصرف الصحي والتعليم، بهدف الحد من تدهور البنية التحتية بالمدن والريف. فضلا عن مساهمات بعض المؤسسات الخليجية في تمويل مشاريع تنموية في مناطق سلطة عدن.
وفي هذا السياق، اعتمد المانحون، مثل البنك الدولي، نموذج العمل عبر الشركاء الدوليين والمحليين، لتفادي تجميد التعامل المباشر مع السلطات السياسية وللحفاظ على حيادية المشاريع، حيث أُسند إدارة محفظة المشاريع للوكالات الأممية (مثل برنامج الإنمائي للأمم المتحدة الإنمائي، منظمة اليونيسف، منظمة الصحة العالمية، ومكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع)، والتي قامت بدورها الميداني، عبر المؤسسات الوطنية، شبه الحكومية، والتي تميزت بالحياد والكفاءة الفنية والقدرة الإدارية على العمل في كافة محافظات الجمهورية وفي الحضر والريف، مثل الصندوق الاجتماعي للتنمية ومشروع الأشغال العامة،

الصندوق الاجتماعي والمخاطر القائمة

خلال فترة الحرب، تميز الصندوق الاجتماعي للتنمية في قدرته على الاستجابة واستقطاب التمويلات الخارجية، وكفاءته في تنفيذ المشاريع والحفاظ على الاستمرارية المؤسسية. فقد نجح الصندوق في تجنب الاستقطاب السياسي والحفاظ على سمعته كجهة تنفيذية مستقلة وموثوقة، كما تمكن الصندوق من الإنتقال بسرعة من برامج التنمية طويلة الأجل إلى برامج الربط بين الإغاثة والتنمية والنقد مقابل العمل، بما يتوافق مع أولوية المانحين للتخفيف من الأزمة الإنسانية مع الحفاظ على الأصول المجتمعية. إضافة إلى أن الصندوق التزم بالمعايير الدولية في الإدارة المالية، وتطبيق أنظمة التقييم والرقابة المستقلة، مما قلل من المخاطر التشغيلية لدى شركاء التنمية.
كل هذا شجع المانحين الدوليين (مثل البنك الدولي، وبعض المنظمات الأممية، والاتحاد الأوروبي وغيرهم) على الاستمرار في تقديم الدعم عبر الصندوق الاجتماعي ومشروع الأشغال العامة، بدلاً من القنوات الحكومية المباشرة. وللأسف، فإن تلك المنظمات أقفلت مكاتبها في مناطق سلطة صنعاء، مما سيكون له تأثيرات سلبية على إستيعاب الدعم الخارجي وتنفيذ المشاريع التنموية في المناطق التي يشكل سكانها أكثر من ثلثي سكان اليمن الموحد.
ورغم تميز الصندوق الاجتماعي بالحياد والكفاءة الفنية والقدرة الإدارية على العمل عبر الحدود الإدارية والمناطق المختلفة، إلا أنه يواجه تحديات ومخاطر جمه في تنفيذ المشاريع التنموية في الأجل القصير والمتوسط. فإدخال الصندوق في صلب الصراع السياسي بين سلطات عدن وسلطات صنعاء قد يدفعه للاستقطاب؛ وهو ما قد يجعل بعض المانحين حذرين في ضخ تمويلات جديدة حتى يستقر الوضع التشغيلي. ولذلك، لا بد على القوى الفاعلة في المجتمع والجهات المانحة من ممارسة ضغوط مجتمعية ودبلوماسية على أطراف الصراع للإبقاء على الصندوق كمؤسسة تنموية غير مسيسة وحماية استقلاليته لضمان استمرار وصول الدعم التنموي إلى مختلف المحافظات دون تمييز جغرافي أو سياسي.
وإجمالا، فإن الظروف التي مر بها اليمن خلال 25 عاما من الاستقرار إلى الأزمات ثم إلى الحروب، رافقها تدفق للمنح والقروض الميسرة لتمويل مشاريع التنمية أو للمساعدات الإنسانية والإغاثية، تحتم على طرفي الصراع في عدن وصنعاء أن يستخلصوا العبر والدروس المستفادة من تجارب التمويلات الخارجية للمشاريع التنموية والعمل على مراجعة العلاقات والتعاون مع المنظمات الدولية والجهات المانحة بهدف تفعيل تلك العلاقات وتعزيزها استعدادا لفترة ما بعد الحرب، والبدء بإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي، والحفاظ على المؤسسات الوطنية القادرة على استيعاب التمويلات لمشاريع التنمية في مختلف القطاعات وفي عموم محافظات الجمهورية.