آثار منهوبة من الجوف وظفار تعرض للبيع في السوق المحلية!

نعود من جديد مع مجموعة جديدة من آثار اليمن المنهوبة، هذه المرة يبدو أن الآثار منهوبة من ظفار وما حولها أو من الجوف. وتشهد محافظة إب والضالع وذمار عمليات حفر وتخريب ونهب واسعة خلال الفترة الماضية. كما أن عمليات الحفر والنهب في الجوف لم تتوقف يوما منذ سنوات أمام أعين السلطة وتغاضيها.
ورغم حظر فيسبوك بيع الآثار، فإن أدواته ما تزال غير مجدية بما يكفي لمنع ترويج القطع الأثرية مجهولة المصدر أو المشتبه بنهبها أو تهريبها، لأن الآثار غالبا ما تعرض بصور فقط أو بعبارات غير واضحة أو على شكل استفسار ولا تتضمن كلمات صريحة عن البيع، ما يُصعب على أنظمة الرصد الآلي اكتشافها، خصوصا مع نقل التفاوض إلى الرسائل الخاصة. وهنا ينبغي أن يكون لهيئة الآثار والمتاحف دورٌ أكثر حضورا، عبر رصد هذه المجموعات والحسابات، وتوثيق القطع المعروضة، وإبلاغ المنصة رسميا، والتنسيق مع الجهات المختصة لملاحقة شبكات الاتجار وحماية الآثار اليمنية.
أحياناً، قد تعرض في فيسبوك بعض القطع المقلدة أو حديثة الصنع، فالصورة وحدها لا تكفي للحكم الدقيق على أصالتها. لكن هذا الاحتمال لا يبرر تجاهلها أو تركها للتداول؛ فالواجب هو التعامل معها بوصفها قطعا مشتبها بأثريتها، والتحفظ عليها قانونيا وفحصها وتوثيقها من قبل هيئة الآثار والمتاحف والمتخصصين. فالتأكد من الأصالة أو التقليد يحتاج إلى دراسة المادة وأسلوب النحت والنقوش وآثار التقادم ومصدر القطعة، خصوصاً أن القطع المقلدة قد تُعرض أحيانا إلى جانب قطع أصلية، ولا ينبغي أن يكون ادعاء التقليد وسيلة لتسهيل تهريبها.
وتُظهر الصور أربع قطع من آثار اليمن، تحمل مشاهد بشرية وحيوانية وزخارف هندسية وعناصر كتابية توحي بانتمائها إلى تقاليد الفن في اليمن القديم.
القطعة الأولى، علي يمين الصورة. لوح حجري طويل شبه مستطيل مقسم بصريا إلى سجلين رئيسيين. يحتل الجزء العلوي مشهد لشخصية بشرية واقفة داخل إطار مستطيل، ترتدي ثوبا طويلا متسعا ومزينا بخطوط طولية متوازية، يتوشح قوساً وتمسك يده اليمني برمح يتجاوز طوله قامته. وتحيط بالمشهد زخارف هندسية منتظمة تتكون من حقول ذات خطوط أفقية ورأسية، تتخللها مربعات بزخارف متقاطعة. وفي أعلى اللوح يظهر رمز الهلال والقمر، وفي القسم السفلي من اللوح رمز الهلال والقمر بشكل أكبر. ويبدو الجزء السفلي من اللوح أكثر تآكلا وأقل زخرفة مع وجود كسور وفقد في بعض الحواف وآثار احتكاك وترسبات على السطح.
القطعة الثانية في الوسط، عبارة عن لوح داكن اللون في أعلاه شخصيتين واقفتين بثياب مخططة تحملان رماحا طويلة، وتظهر على صدر إحدى الشخصيتين هيئة بيضاوية منقطة قد تمثل ترسا. أسفل المشهد تظهر ثلاثة أسطر من نقوش المسند. ثم سجل سفلي يضم شخصيتين أصغر حجما. ويبدو تكوينها العام قريبا من الألواح التذكارية أو الجنائزية أو النذرية، لكن لا يمكن الجزم بوظيفتها من الصور وحدها.
أما القطعة الثالثة، لوح حجري منحوت بنحت بارز، تحيط بمشهده زخارف هندسية منتظمة تتكون من حقول مستطيلة ذات خطوط أفقية ورأسية، تتخللها مربعات مزخرفة بخطوط قطرية متقاطعة. يتوسط اللوح مشهد لشخصية رئيسية جالسة على كرسي، وهي أكبر حجما من الشخصيات الأخرى، في دلالة محتملة على مكانتها أو أهميتها في المشهد. تظهر الشخصية في وضع أمامي، بينما تمتد ذراعاها إلى الجانبين. وعلى جانبيها تقف شخصيتان أصغر حجما، ترتديان ثيابا قصيرة مخططة، وتتجهان نحو الشخصية الجالسة، بما يوحي بمشهد رسمي أو طقسي أو تذكاري.وفي أسفل اللوح نقش بخط المسند، وقد بدت بعض الحروف في الصورة متداخلة مع عناصر المشهد بسبب التآكل وضعف التباين.
القطعة الرابعة، عبارة عن لوح مستطيل يتوسطه رجل مقاتل واقف داخل إطار غائر. يرتدي ثوبا مزينا بخطوط مائلة ومتقاطعة، ويتوشح سيفا أو قوسا ويمسك بيده اليمنى رمحا. ويحيط بالمشهد إطار هندسي مكون من مساحات مستطيلة مخططة بخطوط أفقية ورأسية، بما يمنح اللوح طابعا معماريا واضحا.
تحتاج صور هذه القطع إلى مزيد من الدراسة والفحص المتخصص قبل الجزم بأصالتها، خاصة في ظل ازدياد ظاهرة تقليد الآثار اليمنية في الآونة الأخيرة. وهذه الظاهرة ليست جديدة، إذ عرفت اليمن منذ وقت مبكر ورشا لتقليد القطع الأثرية، ولا سيما في صنعاء وبيحان، ويعود نشاط بعضها إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى. وقد تسربت قطع مقلدة إلى أسواق ومجموعات خارج اليمن، حتى إن عددا من المتاحف والمجموعات في بريطانيا وألمانيا وفرنسا ودول أخرى تضم قطعا مقلدة باعتراف المتاحف نفسها. لذلك لا يمكن اعتماد الصور وحدها للحكم على هذه القطع، بل ينبغي فحص مادتها وتقنيات نحتها ونقوشها وآثار التقادم فيها ومقارنتها بالنماذج الأثرية الموثقة.
وفي كل الأحوال، فإن ظهور مثل هذه القطع خارج سياق أثري موثق يستدعي التعامل معها بجدية لما يحيط بها من مخاطر الاتجار غير المشروع.



