ملاحظات على تحقيق ديوان صردر، وقصيدته في مدح العميد الكندري
فُتِنتُ بقصيدة صُرْدُرّ (ت: 465هـ)، التي امتدح بها عميد الملك الكندري (ت: 456هـ)؛ وزير طغرلبك السَّلجوقي، وأعجبت بها أيَّمَا إعجاب؛ حين قرأتها من تاريخ ابن خلكان: «وَفِيَّات الأعيان».
وهي:
أكذا يُجَازَى وُدُّ كُلِّ قَرينِ؟!
أم هذه شِيمُ الظِّباءِ العِينِ؟
وقد امتدحها ابن خلكان. ومعه كُلَّ الحق؛ فإنها من عيون الشِّعر العربي؛ وقال «إنَّها من الشِّعر الفائق المختار». وذكر أنَّ ابنَ التَّعاويذي عارضها بقصيدة امتدح بها السُّلطان صلاح الدين الأيوبي؛ وأولها:
إن كان دِينُكَ في الصَّبابَة دِينيْ
فَقِفِ المَطِيَّ برملتي يَبرينِ
وابن المعلم:
مَا وَقفةُ الحَادِيْ عَلى يَبرِينِ
وهو الخَلِيِّ من الظبِّاءِ العِينِ؟
وبالقدر الذي أطربتني هذه القصيدة، بالقدر الذي ساءني تُهَمُ الإلحاد والكفر التي وجهها له بعض المؤرخين كابن الجوزي، والذهبي، وابن كثير؛ بحسب إفادة الدُّكتور محمد سيد علي عبد العال الذي قام بدراسة وتحقيق ديوانه.
وكذا النِّهاية الفظيعة التي لقيها ممدوحه الوزير الكندري على يد السَّلطان ألب أرسلان؛ ابن أخي طغرلبك؛ المتولي بعده.
إذ يذكر ابن خلكان أنَّ ألب أرسلان أرسلَ وزيره؛ ليخطبَ له ابنة السُّلطان خوارزم شاه؛ فأشاع حُسَّادُهُ وأعداؤه أنه خطبها لنفسه، فخشي الكندري من بطش ألب رسلان؛ وقام بحلق لحيته، وجب خصيتيه.
ومع ذلك، فلم يَنجُ الكندري من قسوة هذا الطَّاغية الذي قام بقتله.
وقد رثاه الشَّاعر الباخرزي بقصيدة خاطب فيها السُّلطان ألب أرسلان؛ يقول فيها:
وعَمُّكَ أدنَاهُ وَأعَلى مَحَلَّهُ
وَبَوَّأهُ مِن مُلكِهِ كَنفاً رَحْبًا
قَضَى كُلُّ مَولى مِنكُمَا حَقَّ عَبدِهِ
فَخولَّهُ الدُّنيا، وخَوَّلتهُ العُقبَى
سبقت الإشارة إلى أنَّ الدكتور محمد سيد علي عبد العال قام بتحقيق ودراسة ديوان صردر. وعمله - في الأصل- رِسالةً علمية؛ نال بها الباحث درجة الماجستير، ونُشِرَت الدِّراسة، والدِّيوان مُحَقَّقًا بمكتبة الخانجي، بمصر، ط1، 1429هـ/ 2008م.
وهي دراسة قيمة ومهمة، وكنت قيَّدت على الدِّيوَان المحقق بعض الملاحظات أثناء مطالعتي له؛ وهي -مع ذلك- لا تنقص من العمل الذي قام به المحقق مَشكورًا.
وهذه بعضها؛ وهي الجزء الخاص المتعلق بالقصيدة المذكورة:
هَزَّت قُدُودَهُمُ وقَالت لِلصَّبَا
هُزُوًا أعند البَان مِثلَ غُصُوني؟
فَكَأنَّما نَقَلتْ مَآزرهم إلى
جَدَدِ الحِمَى الأنقَاء من يبرينِ
ضبط المحقق (مآزرهم) بالنَّصب، ورفع (الأنقاء). والصَّواب أنَّ الشاعر في البيت الأول امتدح دِقَّة خصورهن؛ وأنَّ ريح الصَّبا- وهي ألطف أنواع الرِّياح- تحركها؛ لرقتها.
وتلك الغانيات تفتخر برشاقتها، وتهز قدودها، مخاطبة ريح الصَّبا كالمستهزئة بها، وتقول لها: هل تجدين عند غصون البان خصرًا رًشيقًا كَقَدِّي؟
ثم إنَّهُ امتدح في البيت الثاني كبر مآكمِهنَّ وعظمها؛ وهي مِمَّا يتمدَّح به العرب، ويفضلونه في النِّسَاء؛ فقال: كأنهنَّ نقلن ما في مآزرهن (أردافهنَّ)، إلى جَدَد الحمى (الجَدَد: الأرض الصَّلبة المستوية)، من نقا (رمل) يبرين. هذا بالمعنى. أو كأنَّ أردافهنَّ؛ لضخامتها وكبرها، نُقِلتَ من رمل يبرين.
ومثل هذا بيت المتنبي الذي أبدع فيه، وبلغ فيه الغاية:
أعارني سُقمَ عَينيَهِ وَحَمَّلَنِي
مِن الهَوى ثِقْلَ مَا تَحوي مَآزِرُهُ
فالوجة إذًا أن تكون مآزرهم هي الفاعل؛ وحقه الرَّفع، والأنقاء المفعول؛ وحقه النَّصب.
وإلا فأي فائدة من نقل رمل يبرين لمآزرهم، وإلى أين عساها تنقلها؟
والَّرمَال لا تَنقُل، وإنما تُنقَل؛ وقد أراد الشَّاعر تشبيه عظم ما في مآزرهن برمال يبرين الضَّخمة.
وضبط المحقق: يشمت -بضم الياء، وكسر الميم-، ونصبَ الحُسَّاد.
لا يُشمِتْ الحُسَّادَ أنَّ مطالبي
عَادَت إليَّ بِصَفقةِ المَغبُونِ
ما يستدير البدرُ إلا بَعدَمَا
أبصرتَهُ في الضُّمرِ كَالعُرجُونِ
والصَّوَاب ضبط: (يشمت)، بفتح الياء، والميم. فهو ينهى الحُسَّاد أن يشمتوا به. ويقول: لا تشمتوا بي؛ لأنَّ سهمي في الحب خاب، فلم يُصِبْ غرضه، ولم أظفر منه بطائل.
والحُسَّاد: فاعل يشمت. و(أنَّ) هنا سِيقَت مساق التَّعليل. مثل قوله تعالى: (ولا تعتدوا؛ إنَّ الله لا يُحِبَّ المعتدين). [البقرة: 190].
وإنَّما نهى الله -عزَّ وجلَّ- عباده المؤمنين عن العدوان؛ لأنه لا يحب المعتدين. فسيقت الجملة المؤكدة بإنَّ مساق التَّعليل للنهي عن العدوان.
وكقول امرئ القيس:
أغَرَّكِ مِنِّي أنَّ حُبَّك قاتلي
وأنَّك مهما تأمري القلبَ يِفعلِ
فَإنَّ علم معشوقة امرئ القيس بمحبته لها، وانقياده لمَحَابِّها؛ جعلها تغتر، وتستهين بأمره.
فنهي الشَّاعر حُسَّادَهُ بعدم الشماتة به، أولى من نهيه لصفقته الخاسرة بألا تكون مدعاة لشماتة حساده. فإنَّه قد خسر، وكان ما كان، وشمت من شمت؛ فأي فائدة من أمر ما ظنه فاعلاً؛ وهو (صفقة المغبون).
وضبط البيت: بِضّمِّ (زاجر)، و(قاذف).
هذا الطَّريقُ الَّلحْبُ زَاجِرُ نَاقَتي
وَاليمُّ قَاذفُ فُلكيَ المَشحُونِ
وَالصَّوَاب أنَّهُمَا منصوبان على الحال. فإنَّ:
هذا: مبتدأ مبني في محل رفع.
الطَّريق: خبره. وهو مرفوع بالضمة الظاهرة.
اللحب (الواضِح): صفة للطريق.
وزاجر: حال منصوب بالفتحة الظاهرة. وصاحب الحال: (الطريق). و(زاجر) مضاف. وناقتي مضاف إليه.
واليم: معطوف على الطريق مرفوع.
وقاذف: حال من اليم. وهو مضاف، وفلكي مضاف إليه.
المشحون: صفة للفلك.
فنوع الإضافة في: (زاجر ناقتي)، و(قاذف فلكي) إضافة لفظية على تقدير الانفصال. وهي بخلاف الإضافة المعنوية التي تفيد تعريف المضاف إليه أوَ تخصيصه؛ مثل: غلام زيد، وقلم تلميذ. فإنَّ غلام عُرِّفَ بإضافته للمعرفة (زيد)، وقلم تخصص بإضافته لتلميذ.
أمَّا إضافة المشتقات: كاسم الفاعل، والمفعول، والصِّفَة المشبهة، فلا تفيد تَعريف المضاف إليه، وإنَّما هي إضافة لفظية؛ جيء بها للتَّخفيف؛ بإضافتها إلى ما بعدها؛ وذلك بحذف التنوين فيها. بدل: زاجرٌ -بالتنوين- ناقتي، وقاذفٌ فلكي.
ويختص هذا النوع من الإضافة بمجيئه حالاً. والحال لا يكون إلا نكرةً. نحو قوله تعالى: (هَديًا بالغ الكعبة)، و (ثَانيَ عِطفِهِ).
كما أنَّ (رُبَّ) تدخل عليها -ورُبَّ لا تدخل إلا على النَّكِرات-؛ وذلك في نحو قول الشَّاعر:
يا رُبَّ غَابِطِنَا لو كَانَ يَطلُبُكُمْ
لاقَى مُباعدَةً مِنكُمْ وحِرمَانَا
وضبط (السَّرجُ)، بفتح السِّين:
تَجلُو النَّوَاظِر في نَوَاحِي دَسْتِهِ
والسُّرجُ: بَدرَ دُجَى وليثَ عَرينِ
والصَّواب تشديد الضَّم على السِّين. جمع سراج. لا السَّرْج؛ سَرْجُ الحِصَان. فهي التي تجلوه في نواحي الدَّستْ (صدر المجلس/ الدِّيوان).
وجمع السُّرج مناسب لجمع نواظر. فالنواظر؛ وهي العيون التي تراه في الدَّست ذي السُّرُج تجلو منه شخصًا يتصف بالجمال والشجاعة: بدر دُجَى، وليث عرين؛ بحسب تشبيه الشَّاعر. فكلا النواظر والسُّرُج يجليانه على هَاتِهِ الصِّفة.
وضبطها بفتح السِّين شنيع. وما عسى أن يفعل سَرجْ الحصان في صدر مجلس الوزير؟!
هذه ملاحظاتنا على بعض الهَفوات والأخطاء التي وقَعَ فيها المحقق، فيما يخصُّ هذه القصيدة الرَّائِعة.



