الثلاثاء 25 أغسطس 2026

دولة الأكاذيب الجميلة

في تلك البلاد
لم يكن للكذب وجه قبيح
كان يرتدي بدلة رسمية
ويصافح الأطفال... ويبتسم للكاميرات
ثم يعلن: لقد انتصرنا
لأن الهزيمة غيرت اسمها
هناك كانت الحقيقة تستدعى إلى المحكمة
بتهمة التشويش على نشرة الأخبار
ويحكم عليها بأن تعيش منفية في دفاتر الشعراء
أما المواطن
فكان يحمل في جيبه بطاقة هوية
وشهادة حسن تصديق
وكيسًا صغيرًا يضع فيه أحلامه
كلما مر على حاجز جديد
وكانت العاصمة تكبر كل صباح بتمثال جديد
وتصغر كل مساء برغيف أقل وبسؤال أكثر
قال الوزير: الحرية بخير
لكنهم كانوا يقيسونها بسلسلة من ذهب
وقال المذيع: كل شيء على ما يرام
حتى صار الخراب هو المعنى الرسمي لكلمة السلام
في البدء لم تكن هناك دولة
كان هناك فم واسع
يقول للمرأة أنت كاذبة
ثم جاء رجل يحمل مفتاحًا من ذهب
وقال: سأفتح لكم أبواب المستقبل
ففتحوا الباب.. فدخل الماضي
أسسوا دولة لا تبنى بالحجارة بل بالتصفيق
لا تحتاج إلى جنود كثيرين
فالكلمات تقوم بالمهمة
لا تحتاج إلى سجون كبيرة
فكل مواطن يحمل في صدره زنزانة صغيرة
سموها دولة الأكاذيب الجميلة
لأن الكذبة فيها تضع عطرًا فرنسيًا
وترتدي ربطة عنق وتلقي خطابًا عن الشرف
في دولة الأكاذيب الجميلة
كان النهر يسير إلى الخلف
كي لا يرى الجثث على ضفتيه
وكانت الأشجار تثمر صور الزعماء
بدل التفاح
وكان الأطفال في المدارس يتعلمون الحساب
واحد زائد واحد يساوي
ما تقوله النشرة المسائية
وكان التاريخ موظفًا صغيرًا في وزارة الذاكرة
يمسح أسماء الفقراء ويلمع أسماء المنتصرين
في دولة الأكاذيب الجميلة
كان الفقير لا يموت من الجوع
بل من سوء الفهم
فالحكومة أعلنت: لا يوجد جائعون
فاضطر الجائعون إلى الاعتذار عن وجودهم
وكان العاطل عن العمل يتهم بالكسل
لأنه لم يجد وظيفة تليق بإنجازات الوطن العظيمة
يا شعب دولة الأكاذيب الجميلة
لا تسألوا أين ذهبت الشمس
لقد باعوها في مزاد علني وقالوا:
نحن لا نبيع الضوء. نحن نعيد توزيعه
فأصبح الظلام حقًا دستوريًا
وأصبح النور تهمة تحتاج إلى تصريح
هناك
كان الحاكم يخاف من شاعر
ليس لأن الشاعر يملك جيشًا
ولا لأن في يده بندقية
بل لأن الشاعر يمتلك كارثة واحدة
إنه يقول الحقيقة حين ينام الجميع
فيا دولة الأكاذيب الجميلة
افرحي لقد انتصرت
فقد صار الكذب أكثر أناقة من الحقيقة
وصارت الخيانة ترتدي عطر الوطنية
وصار اللص يكتب قانون مكافحة السرقة
وصار القاتل يلقي محاضرة عن السلام
لكن في آخر شارع منسي
تحت نافذة مكسورة
كان طفل يكتب على الجدار:
لم تولد الأكاذيب من أجل أن تحكم
بل أن تسقط حين يتذكر الناس أنهم كانوا أحياء
في دولة الأكاذيب الجميلة
كان للحقيقة وزارة
نعم وزارة كاملة بمبنى من الرخام
وحراس عند الباب وختم أحمر يقول:
ممنوع دخول الحقيقة إلا بعد تعديلها
كان الوزير رجلًا أنيقًا لا يكذب كثيرًا
فالكذب الكثير يفقد صاحبه الهيبة
كان يكفيه أن يقول نصف الحقيقة
ثم يترك النصف الآخر يموت وحيدًا في الشارع
في صباح كل يوم
كانت الوزارة تصدر بيانًا:
أيها المواطنون نحن نعيش أفضل أيامنا
وكان المواطن يفتح نافذته
فيرى الخراب واقفًا في الطابور
يرى الجدار الذي سقط
والبيت الذي رحل أهله
والحلم الذي هرب من البلاد
دون جواز سفر
ثم يبتسم
لقد تعلم منذ الصغر أن يصدق البيان ويكذب عينيه
في دولة الأكاذيب الجميلة
كانت المرآة تحتاج إلى ترخيص
لأنها وقحة
لأنها لا تعرف فن المجاملة
لأنها تقول للحاكم: أنت متعب
فيغضب الحاكم: بل أنا خالد
فتعتذر المرآة: أخطأت يا سيدي
كنت أقصد تمثالك
وكان للشعراء قسم خاص في وزارة الحقيقة
يجلس الموظف أمام الشاعر ويسأله:
ماذا تريد أن تكتب؟
فيقول الشاعر: أريد أن أكتب عن الجوع
فيجيبه الموظف:
اكتب عن مائدة الوطن
أريد أن أكتب عن الخوف
اكتب عن الأمن
أريد أن أكتب عن السجون
اكتب عن الإصلاحيات
أريد أن أكتب عن موت الإنسان
اكتب عن الأرقام.. فالأرقام لا تبكي
لكنهم نسوا شيئًا صغيرًا
نسوا أن القصيدة ليست موظفًا عند أحد
وأن الحرف حين يخرج من قلب محترق
لا يعود ملكًا لصاحبه
ذات ليلة
دخل شاعر عجوز إلى مبنى الوزارة
لم يحمل سلاحًا ولا منشورًا ولا راية
حمل ورقة بيضاء
سأله الحارس: ما هذه؟
قال: هذه أخطر وثيقة في الدولة
ضحك الحارس: إنها فارغة
فقال الشاعر:
بالضبط... لأنكم لم تتركوا عليها مكانًا لكذبة جديدة
في صباح اليوم التالي
اختفى الشاعر
لكن الورقة بقيت
تناقلها الناس سرًا كأنها نار صغيرة
كل من لمسها كتب عليها كلمة
أم
حرية
كرامة
خبز
وطن
حتى امتلأت الورقة
وعندما امتلأت
بدأت جدران دولة الأكاذيب الجميلة تتعرق
كان للجنرال في دولة الأكاذيب الجميلة
قصر لا تنام فيه المرايا
فقد كان يخاف منها
ليس لأنها تكشف وجهه
بل لأنها تحفظ الوجوه التي مرت قبل وجهه
وكان يقول لحراسه:
غطوا كل المرايا بعد منتصف الليل
فالليل وقت خطير
تخرج فيه الأشياء التي أخفيناها
كان الجنرال يحب صورته أكثر من نفسه
فصورته لا تشيخ.. لا تمرض.. لا تخاف.. ولا تسأل:
كم أمًا بكت؟
كم بيتًا تهدم؟
كم حلمًا دفن تحت أقدام الجنود؟
أما هو
فكان يكره جسده
لأن الجسد خائن
يترك الشعر الأبيض
والتجاعيد والارتجاف الصغير
حين يسمع كلمة
الشعب
أمر ببناء تمثال له في كل ساحة
قال المهندس:
أي حجم تريد يا سيدي؟
قال:
أكبر من التاريخ؟
فسأله المهندس:
وأين نضع التاريخ؟
أجاب الجنرال:
نضعه تحت قدمي
في المدارس
كان الأطفال يرسمون الجنرال قبل أن يرسموا الشمس
وفي الكتب
كان اسمه أكبر من العنوان
وفي الأغاني
كانت الطيور تغير مسارها كي تمر فوق صوته
حتى النهر
أصدروا له أمرًا عسكريًا أن يجري باتجاه القصر
لكن شيئًا واحدًا لم يخضع للأوامر
المرآة
في ليلة شتائية
دخل الجنرال غرفته وحيدًا
خلع بدلته العسكرية
ووضع أوسمته على الطاولة
اقترب من المرآة وقال:
أريني أعظم قائد في التاريخ
فأجابته المرآة:
أرى رجلًا خائفًا يقف خلف جيش كامل
غضب الجنرال
صرخ:
أنا من صنعت البلاد
قالت المرآة:
بل صنعت صورة لها
ثم صدقت الصورة
رفع مسدسه نحو المرآة
لكن المرآة لم تخف
قالت:
أطلق النار إن شئت
لقد كسرت آلاف النوافذ لكنك لم تستطع كسر نافذة
واحدة تريك نفسك
في الصباح
وجد الحراس الجنرال أمام المرآة
واقفًا
صامتًا
لا يحمل سيفًا ولا خطابًا ولا أمرًا عسكريًا
كان يحمل سؤالًا واحدًا:
من أكون.. إذا لم يصفق أحد؟
بحثوا عن الإجابة في القصر
في الخزائن
في الملفات السرية
في خطب النصر
في أرشيف الصور
لكنهم لم يجدوا شيئًا
فقد كان الجنرال قد أمضى عمره كله يبني تمثالًا
لنفسه
ونسي أن يبني إنسانًا
وفي اليوم الذي سقط فيه التمثال الأول
لم يهتف الناس
لم ينتقموا
لم يرقصوا
فقط
اقترب طفل صفير وكتب على قاعدة التمثال
هنا كان يقف رجل أكبر من شعبه في الصورة
وأصغر من طفل يعرف الحقيقة
في دولة الأكاذيب الجميلة
لم تكن الشمس تشرق من الشرق
كانت تنتظر أولًا إذنًا من المذيع
فإذا قال صباح الخير يا وطن
عرف الناس أن الصباح قد وصل
وإذا صمت
عرفوا أن الليل مازال في السلطة
كان المذيع رجلًا وسيمًا
وجهه لا يغضب.. عيناه لا تسألان
وصوته مصنوع من القطن
كي لا يجرح أكاذيب الدولة
كان يملك ألف كلمة
لكنه لم يكن كلمة واحدة
كل مساء
يجلس أمام الكاميرا ويرتدي ابتسامته الرسمية
يقرأ:
اقتصادنا يزدهر
وخلف الزجاج رجل يبحث في القمامة
عن شيء يشبه الغد
يقول: الشعب يعيش في رخاء
وفي الشارع أم تقسم رغيفها بين خمسة أحلام
يقول: لا وجود للخوف
فتغلق المدينة أبوابها قبل غروب الشمس
ذات يوم
أخطأ المذيع
كان خطأ صغيرًا
زلة لسان
قرأ في الورقة:
لقد انتصر الشعب
بدل لقد انتصر النظام
ساد الصمت ثانية واحدة فقط
لكنها كانت أطول من أربعين عامًا
توقفت الكاميرات
ارتجفت يد المخرج
قال المدير:
أعد الجملة
فأعادها المذيع
لكن صوته هذه المرة لم يكن صوته
كان صوت الرجل الذي اكتشف أنه كان يبيع الوهم
وهو يبتسم
في تلك الليلة
ذهب إلى بيته
وقف أمام المرآة
قال: منذ متى وأنا أكذب؟
لم تجبه المرآة
فقد كانت متعبة أيضًا
لكنها كتبت على البخار الذي صنعته أنفاسه:
منذ أن صدقت اللسان ملكك
في الصباح
دخل المذيع مبنى التلفزيون
جلس أمام الكاميرا
أضاؤوا الضوء الأحمر
بدأ البث
ابتسم
وقال: أيها المواطنون
لدينا خبر عاجل
اقترب الجميع من الشاشات
قال:
لقد اكتشفنا بعد سنوات طويلة
أننا كنا نعرض لكم صورة الوطن
وليس الوطن
قطعوا البث
اتهموه بالخيانة
قالوا: لقد خان الدولة
فرد رجل عجوز في المقهى:
لا
لقد خان الكذبة
وفي اليوم التالي
لم يعد المذيع إلى الشاشة
لكن الناس للمرة الأولى
نظروا إلى الشاشة
ولم ينتظروا منها شيئًا
كان ذلك أول انتصار
فالدولة التي تفقد قدرتها على إقناع الناس بالكذب
تبدأ العد التنازلي للسقوط
وفي آخر نشرة لم تبث
وجدوا ورقة على مكتب المذيع:
كنت صوتًا لا يسمع نفسه
وحين سمعت نفسي
عرفت أن الصمت أحيانًا هو أول بيان للحرية
في دولة الأكاذيب الجميلة
كان لكل شيء نشيد
للحائط نشيد.. للمعتقل نشيد.. للطابور الطويل نشيد
حتى الجوع
كان له لحن عسكري تعزفه الفرقة الرسمية
قبل أن يبدأ
كانوا يقولون:
الغناء دليل الحياة
لكنهم نسوا أن المقابر أيضًا تحتفظ بأصوات موتاها
في ساحة القصر
كان المغنون يقفون صفًا
يحملون العود والكمان والكلمات المصقولة
مثل أحذية الجنرالات
يصعد الشاعر إلى المنصة
يقول:
يا وطننا العظيم
ثم يلتفت حوله
لا يرى الوطن
يرى الكاميرات
فيرفع صوته أكثر:
يا وطننا الخالد
ولا يجرؤ أحد أن يسأل:
كيف يكون الوطن خالدًا وأطفاله مؤقتون؟
كانت الأغنية الرسمية تبدأ دائمًا بكلمة
نحن
لكن أحدًا لم يعرف من هم نحن
هل نحن الذين في القصور
أم الذين يقفون أمام المخابز منذ الفجر
هل نحن الذين يكتبون التاريخ؟
أم الذين يمحى اسمهم منه؟
في دولة الأكاذيب الجميلة
كان الشاعر الذي يمدح الحاكم يسمى صوت الأمة
والشاعر الذي كتب عن الناس يسمى صوت الفتنة
فصار الميزان غريبًا
كلما اقتربت القصيدة من القصر قالوا: ما أعظمها
وكلما اقتربت من الشارع قالوا: ما أخطرها
ذات يوم
دخل فتى صغير إلى مهرجان الأغاني
كان يحمل قصيدة قصيرة
قالوا له:
ماذا ستغني؟
قال: سأغني عن أمي
ابتسم المسؤول:
جميل.. هل تذكر فيها القائد؟
قال: لا
هل تذكر انتصارات الجيش؟
قال: لا
هل تذكر أمجاد الدولة؟
قال: لا
غضب المسؤول:
إذن ماذا ستغني؟
قال الفتى:
عن امرأة تنتظر ابنها الذي لم يعد
ساد الصمت
لأن الجميع عرفوا أن الأغنية وصلت قبل أن تبدأ
منذ ذلك اليوم
أغلقت أبواب المسرح
لكن الناس في الأزقة بدأوا يغنون
بصوت منخفض
بلا آلات
بلا إعلام
بلا إذن
وكانت تلك أول أغنية لا تستطيع الدولة أن تسرقها
فالأغاني التي تكتب بالحبر الرسمي
تموت مع الورق
أما الأغاني التي تكتب بدمعة أم
وبتعب عامل
وبحلم طفل
فلا تجد قبرًا يتسع لها
وفي آخر ليلة من عهد الأغاني المنورة
دخل حارس المقبرة ليعد القبور
وجد قبرًا بلا اسم
سأل: لمن هذا؟
جاءه صوت من الداخل:
لأغنية وطنية
قال الحارس:
ولماذا بلا شاهد؟
أجابه الصوت:
لأنها كانت تقول الحقيقة
والحقيقة لا تحتاج إلى تمثال
في دولة الأكاذيب الجميلة
كان للجوع بورصة
ترتفع أسعاره كلما انخفضت أصوات الفقراء
وكانوا يعلنون كل صباح:
الأسواق مستقرة
فيضحك الخبز
لأنه يعرف أن الاستقرار الوحيد هو استقرار الجوع
في بطون الناس
في تلك البلاد
لم يكن الفقير فقيرًا
كانوا يرفضون هذه الكلمة
قال الوزير:
لا يوجد فقر عندنا
لدينا فقط مواطنون لم يصلوا بعد إلى مرحلة الثراء
فسأل طفل أباه:
أبي... هل نحن فقراء؟
قال الأب:
لا يا بني
نحن فقط أغنياء مؤجلون
كانت الدولة تبيع الأحلام في علب فاخرة
على العلبة صورة قصر.. وشحرة.. وسيارة لامعة
وعلى الخلف مكتوب:
افتح العلبة.. قد تجد مستقبلك
لكن الناس كانوا يفتحونها
فيجدون ورقة صغيرة
شكرا لاستخدامك الأمل
انتهت صلاحيته
في دولة الأكاذيب الجميلة
كان العامل يبيع عمره بالساعة
يستيقظ قبل الشمس ويعود بعد موتها
وحين يسأل عن أجره
يقولون له:
الوطن لا يقاس بالمال
فيعود إلى بيته حاملًا وطنًا كاملًا في جيبه
ولا يجد ثمن الخبز
وكان هناك رجل ثري يمتلك نصف المدينة
سألوه:
كيف أصبحت غنيًا؟
قال:
اشتريت أحلام الفقراء بسعر رخيص
سألوه: وماذا فعلت بها؟
قال:
بعتها لهم بعد أن غلفتها بكلمة المستقبل
في البرلمان
وقف النائب وقال:
لقد حققنا إنجازًا تاريخيًا
لقد أصبح المواطن قادرًا على شراء أقل من حاجته
صفق الجميع
لأن التصفيق كان المنتج الوحيد الذي لا يرتفع سعره
أما الأطفال
فكأنما يلعبون لعبة جديدة
اسمها رجل الأعمال
يسأل الطفل صديقه:
ماذا تملك؟
فيقول:
أملك بيتًا
وأنا أملك سيارة
ثم يأتي طفل ثالث ثيابه قديمة وحذاؤه ممزق
يسألونه:
وأنت ماذا تملك؟
يصمت قليلًا
ثم يقول:
أملك وقت أبي
فيضحكون
ثم يكبرون
ثم يفهمون أن الطفل الوحيد الذي كان غنيًا بينهم
هو ذلك الذي امتلك شيئًا لا يباع
وفي آخر سوق دولة الأكاذيب الجميلة
وقف رجل عجوز ينادي:
اشتروا الهواء
هواء نقي.. هواء حر.. هواء بلا ضرائب
اقترب منه أحدهم وقال:
يا رجل الهواء مجاني
ابتسم العجوز وقال:
كان كذلك
قبل أن تكتشف الدولة أن الإنسان يستطيع أن يعيش
يومًا بلا خبز
لكنه لا يستطيع أن يعيش دقيقة بلا هواء
وفي تلك الليلة
انطفأت أضواء الأبراج
ليس لأن الكهرباء انقطعت
بل لأن الفقراء اطفأوا أجهزة التلفاز
لأول مرة
لم يشاهدوا الإعلان الذي يقنعهم بأنهم سعداء
وكان ذلك
أغنى مساء عرفته دولة الأكاذيب الجميلة
في دولة الأكاذيب الجميلة
لم يكن المنفى بعيدًا
لم يكن يحتاج إلى طائرة.. ولا إلى حقيبة سفر
ولا إلى جواز مختوم
كان المنفى
أن تستيقظ في بيتك ولا تعرف لماذا أنت غريب
كان المواطن يحمل مفتاح منزله
لكن الباب لم يعد يعرفه
يحمل صورة أجداده
لكن الجدار لا يتذكرهم
يحمل اسم الشارع
لكن الشارع يهمس له:
لقد تغيرنا
في تلك البلاد
كان اللاجئ الحقيقي هو الذي بقي
فالذي رحل حمل وطنه في قلبه
أما الذي بقي
فكان كل صباح يرى قطعة منه تنتزع ولا يستطيع أن يصرخ
قالت الدولة:
كل المواطنون متساوون
فنظر الفقير إلى المرآة وسألها:
هل أنا مواطن كامل أم نسخة تجريبية؟
فلم تجبه المرآة
كانت قد تعلمت الصمت منذ زمن
في مدرسة دولة الأكاذيب الجميلة
كان الأطفال يتعلمون الجغرافيا
رسم المعلم الخريطة
قال: هذه بلادنا
رفع طفل يداه:
يا أستاذ أين نحن؟
قال المعلم:
أنتم هنا
وأشار إلى بقعة صغيرة
سأل الطفل:
ولماذا لا أجد بيتًا؟
سكت المعلم
لان الخرائط الرسمية لا تتسع دائمًا للبيوت الصغيرة
في المدينة
كان الرجل يمشي في الشارع الذي ولد فيه
لكن الجنود كانوا يطلبون منه إثباتًا
أنه ينتمي إلى المكان
يخرج بطاقته
ينظر الجندي إليها
يسأل:
أين الدليل؟
يقول الرجل:
دليلي أنني كنت هنا قبل أن تكتب هذه الأوراق
فيضحك الجندي
فالأوراق في دولة الأكاذيب الجميلة أقوى من الذاكرة
وكانت هناك امرأة عجوز
تجلس أمام بيتها القديم
قالوا لها:
لماذا لا ترحلين؟
قالت:
لأنني لا أستطيع أن أهاجر من شجرة زرعتها بيدي
قالوا:
البيت لم يعد لك
ابتسمت:
ومن قال إن البيوت تملك أصحابها؟
نحن الذين نحمل البيوت حين تسقط
في الليل
كان المنفيون داخل الوطن يجتمعون سرًا
لا يحملون رايات
لا يحملون خطبًا
يحملون صور آبائهم
وكان أخطر سلاح بينهم
الذاكرة
لأن السلطة تستطيع أن تغير الاسم
وتبدل الشارع
وتعيد كتابة الكتب
لكنها لا تستطيع أن تدخل قلب أم لتقنعها
أن ابنها لم يكن موجودًا
وفي صباح غريب
استيقظت دولة الأكاذيب الجميلة
وجدت أن الناس لم يعودوا يسألون:
ماذا حدث؟
بل بدأوا يسألون:
من فعل؟
وكان السؤال
أول حجر يلقى في جدار كبير
فالدول لا تسقط دائمًا حين تخسر الحروب
أحيانًا
تسقط حين يكتشف المواطن أنه كان غريبًا
لأنه صدق طويلًا أن الغربة قدره
في الليلة التي تعبت فيها الأكاذيب
رفعت دعوى ضد نفسها
قالت:
لقد خذلتني الحقيقة
لقد بقيت واقفة رغم كل ما فعلته بها
انعقدت المحكمة
لم يكن فيها قاضٍ
فالقضاة كانوا قد صدقوا البيانات الرسمية
وماتوا وهم يصفقون
ولم يكن فيها محامون
فالمحامون كانوا مشغولين بتجميل الجرائم
وتصغير الخطوط الحمراء
كان الشاهد الوحيد
الوقت
دخل الجنرال
حلس في قفص الاتهام
سأله الوقت:
ما تهمتك؟
قال: حميت الوطن
سأله:
ومن حمى الوطن منك؟
صمت الجنرال
لأول مرة
لم يجد جيشًا يحميه من سؤال
دخل المذيع قال:
أنا كنت أنقل الأخبار فقط
فتح الوقت ملفه
قال:
وهل الأخبار كانت تمشي إليك؟
أم كنت أنت تمشي إليها بعد أن تقتل؟
خفض المذيع رأسه
كان يعرف أن أخطر الأكاذيب ليست التي تقال
بل التي يجبر الإنسان على ترديدها حتى ينسى صوته
دخل الشاعر
قالوا له:
أنت متهم بإزعاج الدولة
ابتسم:
أنا لم أزعج الدولة
أنا فقط فتحت نافذة
قالوا:
لكن الهواء دخل
قال: وهذا هو سبب غضبكم
ثم دخل المواطن رجل بسيط
ثيابه عادية.. يداه متعبتان.. وعيناه تحملان أعمارًا كثيرة
سأله القاضي:
ما شهادتك؟
قال:
أنا الشاهد الوحيد الذي لم يكتب شهادته أحد
سألوه:
متى بدأت المشكلة؟
قال:
حين صار الجوع أكبر من الخوف
ومتى انتهت؟
قال:
حين اكتشفنا أن الذين أخافونا كانوا يخافون منا أكثر
ثم أحضروا الكذبة الكبرى
كانت ترتدي أجمل ثيابها
قالت:
لم أؤذ أحدًا
أنا فقط جعلت الناس سعداء
ضحك الوقت قال:
بل جعلتهم يبتسمون وهم ينزفون
وفي آخر صفحة من كتاب الدولة
كتب طفل صغير:
هنا انتهت دولة الأكاذيب الجميلة
لم تسقط لأنها كانت ضعيفة
بل لأنها نسيت أن الإنسان قد يتحمل الفقر
وقد يتحمل الخوف.. وقد يتحمل الانتظار
لكنه لا يستطيع أن يعيش عمره كله
وهو يعرف أنهم سرقوا منه الحقيقة
ثم زرع الطفل شجرة
سألوه: لماذا تزرعها؟
قال: لأنني أريد أن يكبر شيء هنا
لا يحتاج إلى نشرة رسمية كي يثبت أنه حي