المولد النبوي الشريف.. بين السياسي والسلالي والطائفي
وُلِدَ الهدى فالكائناتُ ضياءُ ... وفمُ الزمانِ تبسُّمٌ وثناءُ
والروحُ والملأُ الملائكُ حوله ... للدينِ والدنيا به بُشراءُ
أحمد شوقي.
عشنا وتربينا دينياً وثقافياً ووجدانياً وروحياً على محبة الرسول الكريم محمد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومنذ طفولتنا الأولى تعلمنا أبجدية التعلق والتوحد بمحبة الرسول العظيم، كنا وما نزال نحتفل بالمولد النبوي الشريف باعتباره جزءاً لا يتجزأ من طقوس حياتنا الخاصة والعامة المذهبية/ الدينية، لنا كأفراد ومجتمع، بعيداً عن التوظيف السياسي والسلطوي لذكرى المولد النبوي العظيم، وبدون تحويل الذكرى إلى مناسبة سياسية وأيديولوجية لخدمة طرف سياسي مذهبي/عرقي ضد آخر، والأهم أننا نحتفل ونحتفي بالذكرى باعتبارها نقلت البشرية من الظلام إلى النور، ومن العبودية إلى آفاق الحرية الإنسانية، ذلك أن المولد النبوي يذكرنا بالعدالة والمساواة بين الناس جميعاً، وليس المسلمين خاصة، المولد النبوي ذكرى عطرة للدفاع عن الحق، وعن الكرامة الشخصية للبشرية الإنسانية قاطبة.. ذكرى المولد النبوي تدلنا وتذكرنا بطرق ووسائل مقاومة الاستبداد والتمييز العنصري، وأن لا فرق بين الناس إلا بـ "التقوى"، وفقاً للنص القرآني الكريم.
قصيدة حسان بن ثابت، وشعر عبدالله بن رواحة، من أجمل نصوص الاحتفاء بالمولد النبوي، ومنذ ذلك الزمان النبوي حتى يوم الناس هذا، جميع المسلمين يرددون: "طلع البدر علينا من ثنيات الوداع، وجب الشكر علينا ما دعا لله داع"...
وهي كلمات احتفائية ما نزال نرددها في جميع مناسباتنا الدينية.
وقصيدة "البردة" الميمية، للشاعر محمد بن سعيد بن حماد البوصيري، التي يقول في مطلعها:
أَمِنْ تَذَكُّرِ جِيْرَانٍ بِذِي سَلَمِ ** مَزَجْتَ دَمْعاً جَرَى مِنْ مَقْلَةٍ بِدَمِ
والبردة في تاريخ الشعر العربي/النبوي، أي في المديح/المدائح النبوية، باقية وخالدة في ذاكرة الأجيال المسلمة منذ ذلك القول حتى يومنا هذا، وإلى ما سيأتي من الأيام.
وصولاً إلى المئات، إن لم تكن الآلاف، من القصائد الاحتفائية بذكرى المولد النبوي، يرددها جميع المسلمين من مختلف المذاهب والطوائف الدينية الإسلامية في جميع أقطار العالم الإسلامي.
قصائد عظيمة حولت الذكرى إلى مناسبة تربوية وتعليمية وثقافية ودينية إنسانية لتعميم نشر مكارم الأخلاق، وهي جوهر الرسالة القرآنية والمحمدية؛ إذ ما بُعث إلا متمماً لمكارم الأخلاق.
واليوم الأخلاق الدينية تحولت إلى مذهبية سياسية طائفية/وسلالية، بعد أن تحول الاحتفال بالعيد/المولد النبوي الكريم إلى مناسبة للترزق وتوسيع نطاق "الجبايات" على فقراء المسلمين في بلادنا المقطوعة رواتب موظفيها منذ حوالي عشر سنوات.
اليوم تحول المولد النبوي الشريف إلى مناسبة سياسية رسمية، بعد أن فقد معناه كرسالة لنشر المحبة والخير والاستقرار والسلام.
اليوم تُقطع الشوارع، وتعيش العاصمة صنعاء حالة استنفار قصوى في مناسبة المولد النبوي، بما يترك انطباعاً غير مريح عند الناس، وكأننا في حالة طوارئ.
فأين بردة البوصيري الشعرية الخالدة مما نراه في بلادنا، ونهج بردة أمير الشعراء أحمد شوقي، من احتفالات سياسية تحولت إلى طقوس لفرض أيديولوجية مذهبية تعكس قناعة ورؤية سلطة الأمر الواقع؟
وكأن هناك محاولة لقهر ومحو التعددية المذهبية في صورة معظم ما يجري اليوم في واقع الممارسة، وصلت حد احتكار المولد النبوي في جماعة صغيرة معينة.
اليوم لم يبقَ من الدين الإسلامي ومن ذكرى الرسول العظيم، عليه أفضل الصلاة والتسليم، سوى الطقوس السياسية واللون الأخضر الذي يغطي الشوارع والمباني، بعد أن تم تسويد الأرواح والقلوب بالخوف والجوع والسواد.
فعندما يتحول الدين إلى مذهبية وطائفية مقيتة وإلى سلالية (عنصرية)، نكون أمام أول بداية لدمار الدنيا وضعف التمسك بالدين.
فالدين أمر مقدس إلهي سماوي، والسلطة والحكم والدولة أمور دنيوية بشرية مدنسة بالمصالح والصراعات.
ومن هنا تأتي ضرورة التفريق بين الديني السماوي المقدس، وبين السياسي السلطوي الأرضي المدنس.
حتى لا يقودنا هذا المعنى للحديث عن وحدة الدين بالسياسة والسلطة والدولة (الحاكم)، ومن أن الدين الإسلامي "عقيدة وشريعة"، كما يذهب إلى ذلك الاتجاه العام في "الإخوان المسلمين" وفي التيارات الشيعية المغالية، بمن فيهم تجربة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وقبلها "الوهابية السياسية".
صحيح أن القرآن الكريم أُنزِل بلسان عربي مبين، ولكنه أُنزِل للإنسانية جمعاء، وهو ما يقوله النص القرآني والسيرة المحمدية العظيمة؛ من دستور "صحيفة المدينة" أو "صحيفة الرسول"، حتى رؤية الرسول ورسالته المفتوحة للإنسانية كلها يوم "فتح مكة".
لقد تحول الاحتفاء بالمولد النبوي في بلادنا اليوم إلى قضية عائلية/عرقية/سلالية، وليس لمعنى إنساني عظيم مرتبط بالدعوة إلى الحرية والعدالة والمساواة والتنمية الإنسانية العامة لكل المجتمع، صار المولد النبوي حالة احتكارية خاصة بجماعة مذهبية/عرقية معينة، باعتبار الرسول الكريم جدهم وهم ورثته، مع أن القرآن الكريم يقول في محكم كتابه: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (سورة الأحزاب: الآية 40).
إن شكل ومحتوى الاحتفال بالمولد النبوي في بلادنا اليوم يوسع من نطاق التفرقة المذهبية والاجتماعية والوطنية، بدلاً من إنتاج مشترك ديني واجتماعي ووطني؛ إذ جعل من الدولة قوة سياسية لرعاية وحماية طقوس مذهبية معينة على حساب الواقع المذهبي المتعدد والمتنوع، بل وعلى حساب المفهوم الإسلامي والديني الواسع الذي يحتوي ويُوحد الجميع في نطاقه.
الاحتفاء والاحتفال اليوم بالمولد النبوي العظيم مع سلطة الأمر الواقع في صنعاء لا يؤسس لبناء وإقامة علاقات مجتمعية ودينية صحيحة وسليمة، بل يعزل اليمنيين عن بعضهم البعض، ويحول "أهل البيت" إلى جماعة تقف فوق ناس المجتمع كله بذريعة "الولاية"، وبالنتيجة تكون معزولة عن المجتمع، بل وضده.
لقد عاش اليمنيون قروناً متطاولة في مختلف مناطق البلاد يحتفلون بالمناسبات المختلفة: ميلاد الرسول الكريم، عاشوراء/الشعبانية، الإسراء والمعراج... إلخ، من المناسبات الدينية التي صارت جزءاً لا يتجزأ من طقوس حياتهم الاعتيادية، دون أي توظيف أيديولوجي أو سياسي لهذه المناسبات، وما يجري اليوم هو حرف وتشويه لهذا المعنى في الفكر والممارسة، بل وتشويه للتاريخ الديني الإسلامي.
كانت دولة الشطر الجنوبي الاشتراكية/ العلمانية، تعلن رسمياً يوم المولد النبوي عطلة رسمية، وتترك للناس الحرية الاجتماعية الخاصة بالاحتفال بالمولد النبوي كلٌّ على طريقته، ودون مطالبتهم بدفع أو اقتطاع مبالغ مالية من مرتباتهم لإقامة الفعاليات بهذه المناسبة الكريمة.
وكذلك كان أمر المولد النبوي الشريف في المحافظات الشمالية قبل الوحدة وبعد الوحدة.
حتى اليوم تُردد قصائد المديح/المدائح في الرسول العظيم، من شعر حسان بن ثابت الصحابي الجليل، إلى "بردة" البوصيري، إلى عشرات ومئات القصائد النبوية التي صار بعضها جزءاً لا يتجزأ من الدرس التعليمي الأدبي والثقافي لطلاب المدارس، وللناس أجمعين.



