تداعيات الحرب على القطاع الصحي العام: من الهشاشة إلى الإنهيار
كان القطاع الصحي في اليمن قبل عام 2015 يعاني من هشاشة هيكلية وضغوط تاريخية، ورغم التحسن التدريجي في بعض المؤشرات، إلا أنه كان يُصنف ضمن أضعف المنظومات الصحية في المنطقة، فالإنفاق الحكومي على الصحة كان ضئيلاً للغاية (لا يتجاوز 5 % إجمالي الموازنة العامة للدولة)، مما جعل الاعتماد الأكبر على الإنفاق الذاتي من جيوب المواطنين بنسبة تتجاوز 70%. كما أن القطاع كان يعاني من نقص حاد في الأطباء والاستشاريين، حيث كان معدل الأطباء يصل إلى حوالي 4 إلى 5 أطباء لكل 10,000 مواطن، مع تركز شديد للكوادر المؤهلة في المدن الرئيسية على حساب المناطق الريفية، مما جعل توفر الخدمات الصحية محدودة، ولا تتجاوز 58 % من إجمالي السكان (80 % في الحضر و 20 % فقط بالريف).
وكانت اليمن تسجل نسباً مرتفعة في وفيات الأمهات عند الولادة ووفيات الأطفال دون سن الخامسة نتيجة سوء التغذية والأمراض القابلة للوقاية. ورغم ذلك، كانت تغطية التحصين والتطعيم مرتفعة نسبيا، حيث بلغت نسبة تغطية اللقاحات الروتينية للأطفال قبل الحرب نحو 80-85%، وهي نسبة أمنت حماية نسبية ضد الأمراض المتفشية الكبرى (الكوليرا، الدفتيريا، شلل الأطفال، الحصبة)، وتحقق ذلك بفضل التعاون والتنسيق مع المنظمات الدولية العاملة في مجال دعم القطاع الصحي.
فترة الحرب
شهد القطاع الصحي في اليمن خلال فترة الحرب (2015 - 2026) حالة من التداعي الهيكلي نتيجة الصراع القائم بين سلطتي عدن وصنعاء، تحول معها من نظام يعاني من ضعف التمويل إلى قطاع يعتمد كلياً على الإغاثة الطارئة، قبل أن يصل في الفترة بين 2024 و2026 إلى مرحلة الشلل شبه التام جراء انهيار التمويل الدولي والتضييق الإداري.
فخلال السنوات الأولى للحرب، تضررت مئات المنشآت الطبية جراء القصف والمواجهات المباشرة، وانقطع صرف أجور الكوادر الصحية الحكومية، مما دفع الكثير من الأطباء والمختصين لترك المستشفيات العامة والبحث عن فرص العمل خارج البلاد. وانهار النظام الصحي أمام أزمات متتالية (جائحة كورونا، تفشي الكوليرا، سوء التغذية الحاد)، وأصبح القطاع الصحي يعتمد بنسبة تفوق 80% على تمويل المنظمات الدولية لشراء الأدوية والوقود وتغطية حوافز الأطباء.
دور المنظمات الدولية
مع اندلاع الحرب وتوقف الموازنة العامة للدولة عن تمويل المستشفيات والمراكز الصحية وتشغيلها، تحولت المنظمات الدولية والجهات المانحة إلى "شريان الحياة" الوحيد لمنع الانهيار الكامل للمنظومة الصحية في البلاد، حيث قامت منظمات أممية مثل منظمة الصحة العالمية واليونيسف بدفع حوافز مالية شهرية للكوادر الطبية والصحية لضمان استمرارهم في العمل بعد انقطاع الرواتب الحكومية، كما قامت المنظمات بتمويل وتوريد المشتقات النفطية للتشغيل المباشر للمستشفيات العامة ومراكز الغسيل الكلوي وبنك الدم لضمان عمل المولدات الكهربائية باستمرار.
وكان للمنظمات الدولية دورا بارزا في مكافحة سوء التغذية، من خلال إنشاء وتجهيز المئات من مراكز التغذية العلاجية والمراكز الخارجية للتعامل مع حالات سوء التغذية الحاد الوخيم لدى الأطفال والحوامل. إضافة إلى قيام المنظمات بتمويل حملات التحصين الوطنية واللقاحات عن طريق شراء وتوفير اللقاحات وحفظها في الثلاجات المزودة بالطاقة الشمسية بدعم من منظمة اليونيسف والتحالف العالمي للقاحات، إضافة إلى أن البنك الدولي قدم تمويلات كبيرة، عبر مؤسسات أُممية بالتعاون مع مؤسسات محلية كالصندوق الاجتماعي للتنمية ومشروع الأشغال العامة، مما ساهم في إعادة تأهيل وبناء المرافق الصحية وتزويدها بالمعدات والمنظومات الشمسية.
إنهيار النظام الصحي العام
خلال الفترة (2024–2026)، أدت التطورات الجيوسياسية الإقليمية والمضايقات الأمنية إلى انسحاب كبرى المنظمات الإغاثية، مما تسبب في إغلاق مئات المراكز الصحية وانقطاع الخدمات الطبية الأساسية عن ملايين المواطنين، وخاصة في المناطق الريفية، مما حرم النساء والأطفال من خدمات التطعيم والرعاية الأولية والحد من سوء التغذية. كما أدى تصاعد التوترات الأمنية والقيود المشددة على حركة وحرية عمل المنظمات الدولية في مناطق سلطة صنعاء إلى تعليق العديد من البعثات لعملياتها أو إغلاق مكاتبها تماماً، نتج عن ذلك توقف دفع الرواتب والحوافز للعاملين في القطاع الصحي وتوقف استيراد وتوزيع اللقاحات الأساسية مما أدى إلى تراجع مستويات التغطية باللقاحات الروتينية للأطفال، وانخفاض نسبة التحصين وتوقف حملات التطويق والمتابعة للأمراض الوبائية والمعدية.
إضافة إلى توقف استيراد الأدوية والتجهيزات الطبية الحرجة التي كانت تمول المستشفيات والمراكز الصحية. كما تعطلت برامج الترصد الوبائي وتجهيز مراكز عزل الأوبئة (كالكوليرا وحمى الضنك)، وانحسرت مراكز علاج سوء التغذية الحاد لدى الأطفال. وهنا يمكن القول، أن النظام الصحي في اليمن، وخاصة في مناطق سلطة صنعاء، يعيش مرحلة إنهيار في الخدمات الصحية أو في الرعاية الصحية الأولية، وتحديدا في المناطق الريفية والنائية.
القطاع الصحي الخاص
شهد القطاع الصحي الخاص في اليمن تحولاً جذرياً؛ إذ انتقل قبل الحرب من لعب دور "المكمل الترفي" للقطاع الحكومي الشحيح، إلى أن أصبح خلال الحرب "الملاذ الرئيسي والبديل شبه الوحيد" للخدمات الطبية المقدمة للمواطنين، رغم ما رافق هذا التحول من أعباء مالية وتدهور جودة الخدمة. فقد تركزت معظم المستشفيات والمستوصفات الخاصة في عواصم المحافظات الكبرى (صنعاء، عدن، تعز، ...)، مستهدفة الطبقة المتوسطة والعليا، مع إهمال شبه تام للأسر الفقيرة وللمناطق الريفية. وأتسم القطاع بضعف رقابة وزارة الصحة على معايير السلامة والجودة، إلى جانب تباين واسع في أسعار الخدمات والأدوية لعدم وجود تسعيرة مرجعية ملزمة. واعتمد القطاع الخاص بشكل اساسي على أطباء وكوادر القطاع العام الذين كانوا يجمعون بين الوظيفة الحكومية في المستشفيات العامة والعمل في العيادات والمستشفيات الخاصة.
وخلال فترة الحرب (2015 - 2026) تحول القطاع الصحي الخاص إلى الفاعل الرئيسي في تقديم الرعاية الصحية، فقد قام بسد الفراغ الذي تركه تراجع الخدمات في المستشفيات الحكومية، وشهدت جودة الخدمة في المستشفيات الخاصة تراجعا متباينا، حيث ظهرت عشرات المراكز والمستوصفات العشوائية لتلبية الطلب، وأنظم للقطاع كوادر طبية غير مؤهلة مما زاد من الأخطاء الطبية وسوء الخدمات الصحية، وعدم الإلتزام بضوابط وأخلاقيات المهنة. وصاحب ذلك، إنتشار الأدوية المهربة والمغشوشة نتيجة ضعف الأجهزة الرقابية. ويؤخذ على القطاع الصحي الخاص تسليع خدماته وإرتفاع تكاليفه مما يُحرم بموجبه أبناء الطبقات الفقيرة والمحدودة من أبسط حقوق العلاج لعدم قدرتهم على تدبر التكاليف العالية.
الحاجة لموارد الزكاة والأوقاف
إن الأوضاع الصحية في اليمن خلال فترة الحرب تأزمت بشكل متصاعد؛ حيث أدى التحول من أضرار العمليات العسكرية إلى الشلل الناجم عن انقطاع التمويل وانسحاب المنظمات الإنسانية إلى وضع المنظومة الصحية أمام انهيار شامل، مما يحتم النظر في آليات بديلة ومستدامة لدعم القطاع الصحي لإنقاذ حياة الملايين، في ظل غياب التمويل من المنظمات الدولية، وعزوف المانحين عن تقديم الدعم الإنساني لليمن. ومن هذه البدائل المتاحة، إدماج موارد الزكاة والأوقاف في دعم القطاع، من خلال تأسيس "وقف صحي وطني" يستفيد من أموال الزكاة والأوقاف والتبرعات لتمويل تشغيل المستشفيات ومراكز الأمراض المزمنة (الغسيل الكلوي، السرطان) وتوفير اللقاحات للأطفال والأدوية المنقذة للحياة، مما يخلق مصدراً مستداماً ومحلياً للتمويل. وهذا الأمر يتطلب التنسيق والتعاون المشترك بين وزارة الصحة من جانب ومؤسستا الزكاة والأوقاف من جانب آخر لوضع الترتيبات القانونية والمؤسسية لإطلاق برنامج وطني يحشد الموارد المتاحة ويستهدف دعم القطاع الصحي في هذه الظروف الاستثنائية.



