ثقافة الدولة في أذهان النخب والناس
خلال العقود الماضية حدثت عملية تجريف كبيرة لثقافة الدولة في ذهن المواطن، وترسخت مكانها ثقافة بالية ومدمرة كانت سببًا وجيهًا لما نراه اليوم من تشوهات في الدولة من رأسها إلى ساسها.
إننا بحاجة اليوم إلى إعادة صياغة ثقافة جديدة تعالج مشكلة الدولة في أذهان النخب والناس على نحو يعيد الاعتبار للدولة في الممارسات والسلوك والالتزام اليومي في دهاليز الحياة، كي نفهم ما نحن عليه وما الذي ينبغي تصحيحه وتغييره في المستقبل.
مؤلم جدًا أن يتحدث كثيرون أنهم بأفعالهم يخدمون الدولة والبلاد، بينما هم يهدمونها في الواقع وفي أذهان الأجيال الجديدة، إذ يصورون الدولة باعتبارها غنيمة أو مجرد بندقية أو مظاهرة هنا وهناك، غير مدركين أن الكثير من هذا السلوك هو سبب تخلفنا وتقوقعنا؛ لأنه يضع العقبات والتحديات أمام الدولة وأمام نضوج فكرتها ومشروعها الوطني.
أشعر أحيانًا بالأسف حينما يتم الحديث عن القوى الوطنية في البلاد ووصفها بهذا الوصف، بينما إذا ما راقبنا الأفعال والأقوال منذ زمن وليس من اليوم، سنجد أنها بعيدة، تلك القوى، عن الوطنية وعن كل ما يمت للوطن والدولة بصلة، ولكننا نكذب ونصدق ما نقول، بينما الواقع مغاير تمامًا. لقد دمرت هذه القوى الدولة في الواقع وفي أذهان الناس، وأصبحت مسؤولة مسؤولية كبيرة في إعادة الاعتبار للدولة بطريقة أو بأخرى.
نحن بحاجة للخلاص من ثقافة العصبية والمناطقية والطائفية، وخلق ثقافة وطنية بديلة هدفها الدولة الوطنية، وهذا لن يكون إلا بوجود دولة، والدولة لن تكون موجودة إلا بوجود رجال الدولة الذين يفهمون تطلعات شعوبهم ويترجمونها إلى مشاريع وبرامج نافعة وهادفة، لا التسابق على المناصب وتوزيعها على المقربين والعبث بالأموال والثروات، بينما البلاد والشعب يعيشان في أسوأ أزمة اجتماعية واقتصادية وإنسانية في التاريخ المعاصر.
إن الغربة التي يعيشها الجميع اليوم عن مفهوم الدولة وثقافة الدولة بحاجة إلى تصحيح، وإلى جهود مكثفة لإعادة الاعتبار للدولة، من شأن ذلك أن ينهي الانقسامات والعصبويات، ويرسخ مفهوم وثقافة الدولة من جديد في الواقع وأذهان الناس، ويجعل المصلحة العليا للوطن فوق كل اعتبار.



