الإثنين 24 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • من الصمت إلى البوح... نبحث عن وطن آمن مزدهر

من الصمت إلى البوح... نبحث عن وطن آمن مزدهر

صمتنا طويلًا.
صمتنا والراتب انقطع، والكهرباء انطفأت، والدواء صار رفاهية، ولقمة العيش صارت حلمًا.
قلنا "نصبر" و"الله كريم".
لكن الجوع لا يصمت، فاضطررنا للبوح.
بوح الحاجة.

خرجت الأمهات تقول "أريد كسرة خبز لأولادي".
وخرج الخريج يقول "أريد وظيفة بشهادتي".
هنا كان البوح رحمة، لأن صمتنا كان سيقتلنا.
والأصعب كان صمت الشباب. شباب جدّوا واجتهد وتخرجوا من الجامعات، وأقاموا لأنفسهم حفلات تخرج وخيل إليهم أنهم بتخرجهم ضمنوا مستقبلًا زاهرًا، ثم جلسوا على الرصيف فصمتوا. شهاداتهم ورق على الجدار، وحلمهم في صندوق مغلق. وشباب باعت أسرهم أغلى ما تملك: البيت والذهب والأرض والماشية، وكل ما يملكون، من أجل تأشيرة عمل في المملكة ودول الخليج، فاكتشفوا أنها مضروبة، ومن نصبهم من السماسرة اختفوا. فصمتوا وبكوا في غرفهم وعزبهم، بكوا وحدهم خجلًا وندمًا وحسرة.
ومنهم من مات غرقًا في البحر بحثًا عن وطن آمن. ومنهم من ضاع في غابات أوروبا بردًا وجوعًا... كل هذا من أجل وطن جديد وأرض جديدة ينعمون بها أمنًا واستقرارًا.
ومنهم من دفن حلمه في صحارى رمال السبعتين، وهو يريد الدخول إلى المملكة تهريبًا. وهم صامتون.. أليس هذا صمتًا أشبه بـ"صندوق مغلق ليس له مفتاح"؟ مات البعض منهم موتًا أشبه بموت وضاح اليمن... الذي قتل بصندوق بلا ثمن، ومات معه الحلم والحب والأمل.
وظل بعضهم يبوح من الجوع والفقر والمرض، والبعض باح بالصراخ، وبحنا بالكتابة على الجدران وبمنشورات سرية أيام كان لا صوت يعلو فوق صوت الحاكم: وصار الآن بوحنا هو "نريد وطنًا آمنًا مزدهرًا نعيش فيه بكرامة".
لن نصمت، ولن ننصت ونستمع لمن يقول لنا "اصاو" لمن يريدنا أن نصمت، لأن صمت الجائع والمريض والمظلوم يصبح جريمة. عندما يمارس علينا التجويع والتجهيل والظلم ونسكت ونصمت ونعمل بـ"أضعف الإيمان".
وعندما نرى الفساد ونقول "مش شغلي" أو "مشي حالك". وعندما نرى أحلامنا تُدفن ونصفق لقاهرها. وفي المقابل، البوح أحيانًا يصبح فتنة. عندما نشتم ونجرح ونفرق، وعندما نحول الوجع إلى سبّ والغضب إلى فوضى.
لكننا شعب تعلم الحكمة. مازلنا نعقد قراناتنا رغم الغلاء. ومازلنا نفرح بتخرج أولادنا رغم البطالة. ومازلنا نزرع الأرض رغم الجفاف، ونبني رغم القصف، ونعلم رغم الانقطاع. هذا بوح فرح، وبوح أمل، وبوح صمود.
وهناك بوح آخر لا يقل شرفًا. بوح الفلاح بترديده المهاجل وهو يحرث لينسى معاناته، وبوح المعلم وهو يشرح، وبوح الطبيب وهو يداوي. بوح يبني ولا يهدم.
نعلم يقينًا أن لا ليل يدوم، ولا ظلم يدوم، ولا حرب تدوم. ونحن أمة عظيمة لا تُقاس بعدد نكساتها، بل بعدد المرات التي نهضت فيها. ونحن اليوم ننتقل من الصمت إلى البوح... لأننا نبحث عن وطن آمن مزدهر.
لذلك سنظل ننادي ونقول للجميع: لن نصمت على كرامتنا، ولا على حقوقنا، ولا على حلم أبنائنا. ونبُوح... لكن نبُوح بالبناء، وبالعلم، وبالعمل، وبالأمل.
وسيأتي اليوم الذي نحكي فيه لأولادنا: "عندما انتقلنا من الصمت إلى البوح... بنينا وطننا الآمن المزدهر ببوحنا وحوارنا، ونصحنا وبالتي هي أحسن. وافترضنا الخير في أنفسنا وفي غيرنا. وبأيدينا عمرنا ما هدمته الحرب".
وسوف نحمد الله بأن الدمار والحرب والجوع كان واقعًا جاثمًا... ومضى. وبقينا نحن. نطعم أنفسنا من جوع، ونؤمنها من خوف، ونعبد الله رب البيت وحده لا شريك له.