أرشيف الدولة يعود من المجهول: 16,871 وثيقة تبحث عن صاحبها
أعلنت وزيرة الشؤون القانونية إشراق المقطري استعادة الأرشيف القانوني للدولة الخاص بالقضايا الخارجية، بعد «جهود تفاوضية»، مشيرة إلى استلام 16,871 وثيقة قانونية تخص 30 قضية للفترة من 2004 حتى 2026.

خبر يستحق التقدير من حيث المبدأ، لكن بمجرد أن نسمع عبارة «استعادة أرشيف الدولة بعد جهود تفاوضية»، يتحول الفرح إلى تحقيق، وتبدأ الأسئلة التي لا تكفيها بيانات العلاقات العامة.
أين كان الأرشيف؟ ومن كان يحتفظ به؟ ولماذا احتاجت الدولة إلى التفاوض لاستعادة وثائقها؟
هل كانت هذه الوثائق في خزينة الدولة، أم في مكتب مسؤول، أم لدى جهة خارجية، أم في درج من الأدراج التي تمتلكها الدولة اليمنية بكثرة ولا تمتلك مفاتيحها؟
والسؤال الأكثر إزعاجاً: من المسؤول عن خروج أرشيف قانوني سيادي من حيازة الدولة أصلاً؟
الوزارة تقول إنها استلمت المرحلة الأولى من الأرشيف. ممتاز. لكن أين بقية الأرشيف؟ وما الذي تتضمنه هذه الـ16,871 وثيقة؟ هل هي ملفات تحكيم دولي؟ عقود واتفاقيات؟ نزاعات مالية وتجارية؟ قضايا نفط وغاز؟ أراضٍ وأملاك؟ أم ملفات تتعلق بحقوق الدولة أمام جهات ودول ومحاكم دولية؟
نحن لا نتحدث هنا عن أرشيف صور حفلات أو محاضر اجتماعات يمكن أن نقول عنها: «ضاع منها الأصل ونحتفظ بصورة على الواتساب». نحن نتحدث عن ذاكرة قانونية للدولة؛ أي وثائق قد تكون مرتبطة بحقوق مالية وسيادية وقضايا قد تكلف اليمن ملايين أو مليارات.
والأغرب أن الأرشيف يمتد من 2004 إلى 2026. أي أكثر من عقدين من التاريخ القانوني. عقدان مرّا على اليمن بحروب واتفاقيات ونزاعات وتغييرات سياسية وانقسامات ومؤسسات متنازعة. وفي نهاية المطاف اكتشفنا أن جزءاً من ذاكرة الدولة يحتاج إلى «استعادة».
يا سلام!
حتى الوثائق في اليمن أصبحت مهاجرة، وتحتاج إلى مفاوضات للعودة إلى وطنها!
لكن السؤال الجاد ليس فقط: كيف استعادتها الوزير؟ بل: كيف استطاعت استعادتها؟
من الطرف الذي كان يحتفظ بها؟ ما أساس حيازته لها؟ هل توجد محاضر تسليم وتسلم؟ هل جرى جرد الوثائق ومطابقتها مع السجلات السابقة؟ هل هناك وثائق ناقصة؟ وهل تمتلك الوزارة نسخة كاملة من كل قضية؟
والأهم: هل ستكشف الوزارة للرأي العام أسماء القضايا الثلاثين وطبيعتها وحالتها القانونية، مع استثناء ما يفرض القانون أو سرية التقاضي عدم نشره؟
فالشفافية لا تعني نشر أسرار الدولة، لكنها تعني ألا يتحول كل شيء إلى سر حتى السؤال عن السر.
إذا كانت الوزارة قد أنجزت عملاً قانونياً مهماً، فالأفضل أن تستكمل الإنجاز بكشف الحقيقة كاملة:
أين كان الأرشيف؟ لماذا خرج؟ من المسؤول؟ ماذا يحتوي؟ ماذا فُقد؟ وهل تسبب فقدانه أو احتجازه في خسارة أي حق من حقوق اليمن؟
استعادة الوثائق خطوة جيدة، لكن استعادة المسؤولية أهم من استعادة الورق.
فالدولة التي تستعيد أوراقها ثم تنسى أن تسأل من أضاعها، تكون قد استعادت الأرشيف وتركت القصة نفسها في المفقودات.
وفي بلد اعتاد أن تضيع فيه الرواتب، والحقوق، والموارد، والقرارات، أصبح لدينا الآن إنجاز جديد:
استعدنا الوثائق... وبقي أن نستعيد الدولة التي كانت تلك الوثائق تخصها.



