الجمعة 21 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • الشرق الأوسط في دائرة التحول: قراءة في الجيوسياسيا والتاريخ وفلسفة المصير

الشرق الأوسط في دائرة التحول: قراءة في الجيوسياسيا والتاريخ وفلسفة المصير

تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولاتٍ سياسيةً مصيريةً صعبة، ومع كل حدثٍ نعيشه يأتي سؤال: لماذا هذه الدائرة من التحول؟ ولماذا الآن؟ ولم يكن إعداد هذا المقال لأني أملك أجوبةً جاهزةً لكل الأحداث الدائرة في الإقليم، بل لأن الأسئلة أثقلت كاهلي، وهي أسئلةٌ تبحث عما وراء الأكمة، فالسؤال في زمن التحولات الكبرى أصدق من الإجابة، لأن الإجابة قد تكون من بنات اللحظة، أما الأسئلة فإنها استمرارٌ لطبيعة التاريخ الذي يبحث عما وراء الحدث ومن يحركه، لا مجرد سرد أحداث.

وبالتالي فإن هذا العرض ليس عملية سرد أخبارٍ تم رصدها، لأن الأخبار تموت بانقضاء يومها، كما أنه ليس تعبيرًا عن تجلٍّ لموقفٍ سياسيٍّ يمكن أن يتبدل بتبدل التوجهات والاصطفافات، بل قراءات موضوعيةٌ تحليليةٌ للأحداث التي تمر بنا، وهنا لا بد من الاشارة أن القراءة في طبيعتها وجوهرها تختلف عن الرصد وتتبع مسار الأحداث من خلال الصورة التي ترصد الواقعة كخبر، تم عرضه في حينه ووقته، وهنا جوهر الاختلاف، لأن القراءةٌ تعمق موضوعي وتحليلي عميق للأحداث لا مجرد رصد والهدف الأشمل لها تبسيط مدلولات الأحداث وتسهيل فهم كل ما يدور في محيطنا من تحولات.
يعيش اليوم "الشرق الأوسط في دائرة التحول" بشكل شامل في مختلف مناحي الحياة وهناك مجموعة من الأفكار والموضوعات التحليلية للقضايا التي شكلت في مجملها حلقةً مترابطةً من الأحداث ساهمت في خلق دائرةٍ واسعةٍ من التحولات الجيوسياسية في المنطقة، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن البعد اليقيني حمل طابعاً فلسفيًا مقصودًا، لا صورةً بلاغية، فالمنطقة بطبيعة الحال ليست في مرحلة تحولٍ لأن ذلك يعني أن عملية التحول مجرد صدفةٍ عابرةٍ ستنتهي، بل جاءت الإشارة عن قصد إلى " دائرة التحول" لأن الدائرة هي الشكل الهندسي الوحيد الذي لا بداية له ولا نهاية، تعود فيه النقطة إلى ذاتها، وهذا بالضبط ما يحدث للإقليم، بل يمكن الذهاب أبعد من ذلك بتأثير الأحداث في الشرق الأوسط، من خلال تتبع ورصد المواقف المتباينة نحوها في أحداثٍ بعيدةٍ عن المنطقة، كما هو حال قضية اقتحام سبتة المدينة المغربية المحتلة من إسبانيا، وعلى كل حال فإن منطقة الشرق الأوسط لا تتقدم في خطٍ مستقيمٍ من التخلف إلى التقدم، كما أوهمتنا حركات التحرر الثوري التي رفعت شعار التحديث في الستينيات، بل إن الحقيقة التي لا نرغب في قولها أننا ندور في دائرةٍ مفرغة، نتغنى بتجربة الآخر المهيمن ونؤمن بتفوقه، ثم نقوم باستيراد الحماية منه لتحقيق الأمن والدفاع من الخارج الذي يخترقنا بتقنياته ومعداته ويستخدمنا طُعمًا لمصالحه، ولم نكتفِ بهذا النوع من الاختراق بل ركنّا عليه، حتى بلغنا ذروة فقدان السيادة، التي من المفترض أن تشكل لنا تحديًا يجعلنا نبحث عن وسائل تقودنا إلى خلق واقعٍ جديدٍ نعتمد من خلاله على جهودنا وقدراتنا الذاتية بعيدًا عن التبعية للآخر، وعوضًا عن ذلك تجدنا نعود مرةً أخرى نبحث عن حمايةٍ جديدةٍ من الخارج حتى أصبحنا في دائرةٍ مغلقةٍ من التيه، منذ خروج الاستعمار القديم ودخول الاستعمار الجديد بوجه الحماية.

أولًا: في الجيوسياسيا - من الجغرافيا إلى المصير:

بينت الأحداث أن الجيوسياسيا القديمة جعلتنا نعتقد أن الجغرافيا قدرٌ، لكن ما يحدث اليوم يقودنا ويعلمنا أن الجغرافيا لم تعد قدرًا، بل أصبحت لعنةً ووبالًا علينا، وكانت السبب في إضعاف الكيان العربي الذي يمتلك موقعًا جغرافيًا وثرواتٍ هائلةً تسيل لها لعاب العالم، وهذا قاد إلى خلق كياناتٍ سياسيةٍ ضعيفةٍ وهشةٍ لا تقوى على التحدي أو المواجهة في أول اختبار، فمضيق هرمز الذي كان نعمةً، صار فوهة بندقيةٍ مصوبةٍ نحو العالم جميعًا، والنفط الذي كان ثروةً، صار رهينةً في معادلة الردع، والقواعد التي جُلبت إلينا وقيل لنا إنها تحمينا، اكتشفنا في حرب 28 فبراير 2026م أنها أصبحت عبئًا علينا وتحتاج هي نفسها إلى الحماية، وبالتالي سقطت النظرية الأمريكية التي حكمت الخليج والشرق الأوسط لنصف قرن، المتضمنة "ادفع المال، واشترِ الحماية من واشنطن". هذه النظرية سقطت في ليلةٍ واحدة، حين رأى العالم أقوى قوةٍ في التاريخ تطلب وقف إطلاق النار من وسيطٍ إقليميٍّ بعد أن فشلت في حماية حلفائها وحماية قواعدها، وعليه فإن الحليف البعيد لم يعد قادرًا على حمايتنا، وأن الأخ القريب، مهما اختلفنا معه، هو القدر والجغرافيا.

ثانيًا: في التاريخ - الأصل والفرع:

لا يمكن فهم التحول دون العودة إلى الأصل. وهذه قاعدةٌ منهجيةٌ التزمتها في كل مقالاتي. فما يحدث اليوم في اليمن من محاولةٍ لإعادة إنتاج التشطير تحت مسمياتٍ جديدة، هو فرعٌ، والأصل هو الوحدة. وما يحدث من محاولةٍ لإعادة إنتاج التبعية تحت مسمى "التحالف الدولي الجديد" هو فرعٌ، والأصل هو السيادة، والتاريخ اليمني يعلمنا درسًا قاسيًا: كلما ابتعدنا عن الأصل الجامع، دفعنا الثمن دمًا وتمزقًا. ثورة 26 سبتمبر 1962م لم تكن مجرد انقلابٍ عسكريٍّ، كما يصورها السطحيون، بل كانت محاولةً للخروج من دائرة الإمامة المغلقة إلى فضاء الدولة، فشلت أو نجحت، تلك مسألةٌ أخرى، لكنها كانت محاولةً لكسر الدائرة المغلقة التي أحاطت باليمن لمدةٍ طويلة، واليوم نحن نحتاج إلى ثورةٍ أخرى بنفس الروح، ثورةٍ تكسر دائرة التبعية الأمنية للخارج فالتاريخ لا يتكرر، بل يمكن للفاعلين تغيير الأقنعة، فالإمام الذي كان يأخذ الزكاة بالقوة، لا يمكن أن يعود في صورة الحاكم الديني الرجعي المتخلف، الذي عاش معه اليمن في بئس وجوع ومرض، والمستعمر البريطاني الذي كان يحمي عدن بالبوارج، عاد في صورة حليفٍ يحمي النفط بالقواعد، ومن لا يقرأ التاريخ، سيظل يدور في دائرته إلى الأبد.

ثالثًا: في الإعلام - من التضليل إلى التبصير:

نعيش اليوم في حالة كبيرة من التضليل الإعلامي الممنهج تغذيه ايادي خفية تسعى إلى خلط الأوراق في منطقتنا وهذا الخطاب يحتاج إلى نقد جوهر رسالته الإعلامي، المضللة، لأن المعركة اليوم لم تعد معركة دباباتٍ، بل معركة تقنيةٍ وتكنولوجية، والإعلام لم يعد ناقلًا للحدث، بل صار صانعًا له، إذ لاحظت من خلال متابعتي للتحولات الأخيرة كيف تحول الإعلام من أداة تبصيرٍ إلى أداة تخدير، كيف تم تصوير حرب الإبادة في غزة كـ "حربٍ بين طرفين"، وكيف تم تصوير انكشاف الحماية الأمريكية كـ "إعادة تموضعٍ استراتيجيٍّ"، وكيف تم تصوير التبعية كـ "شراكةٍ استراتيجية"، وهذا تزويرٌ لغويٌّ قبل أن يكون تزويرًا سياسيًا. وهنا تكمن مهمة المثقف الناقد، كما أفهمها، فليست أن يردد ما يقوله البيت الأبيض أو ما تقوله الجزيرة أو العربية، بل أن يفكك اللغة والسرديات التي تُوجه للرأي العام، الذي يتعاطى معها دون وعيٍ ودون أن يسأل: من المستفيد من هذه التسمية؟ لماذا سُمي "انسحابًا تكتيكيًا" وليس "هزيمة"؟ ولماذا سُمي "تحالفًا" وليس "حماية"؟ وعليه فإن التحليل الإعلامي الناقد الذي اعتمدته هو محاولةٌ لنزع القناع عن الكلمات، لأن تحرير المصطلح هو الخطوة الأولى لتحرير العقل، وتحرير العقل هو الخطوة الأولى لتحرير الأرض. وبدونهما لا يمكن الفكاك من الخط المرسوم لنا اجتيازه بصورة اجبارية لتنفيذ المخطط المرسوم.

رابعًا: في فلسفة المصير - سؤال الوجود الأكبر:

تمثل الفلسفة العمق المحوري في تحليل وتعليل الجزئيات وتساعد المهتمين على الخروج بنتائج كليةٍ جامعةٍ تمنح المحلل بعدًا ذاتيًا وعمقًا موضوعيًا في قراءة الأحداث وتتبع ما وراءها، وهذا هو أعمق جزئيةٍ يمكن تناولها في قراءة الأحداث من خلال تحليل كمية من المعلومات، فكل التحولات الجيوسياسية، وكل دروس التاريخ، وكل نقدٍ إعلاميٍّ، تصب في النهاية في سؤالٍ واحدٍ وجوديٍّ: ما مصيرنا؟ وإلى أين تبحر بنا السفينة التي تقلنا؟ ثم السؤال الملح: هل نحن أمةٌ لها مصيرٌ مشترك، أم مجرد كياناتٍ جغرافيةٍ مؤقتةٍ تنتظر من يرسم حدودها من جديد كما رسمها سايكس وبيكو قبل قرن؟
أما موضوع "فلسفة المصير المشترك" و"اللامصير" فهو تحليلٌ ينطلق من جوهر قناعةٍ راسخةٍ في فلسفةٍ واحدةٍ تقول: لا وجود لأمةٍ بلا مشروعٍ مصيريٍّ، ذلك المشروع الذي يجيب عن سؤال الوجود ويحول المصير إلى تحدٍّ يخلق تحولًا عميقًا لجماعةٍ من الناس يتحولون إلى شعبٍ ثم أمةٍ، تمنحهم الجغرافيا وطنًا، والتاريخ يصوغ الهوية والقدر، كما هو حال مشروع الوحدة اليمنية، رغم كل الأخطاء التي رافقت إنجازها، إلا أنها محاولةٌ جريئةٌ في إطار صناعة المصير العربي المشترك، كما أنها مشروعٌ جسد روح التضامن العربي كذلك. وعندما سقطت هذه المشاريع، لم نسقط في فراغ، بل سقطنا في "اللامصير"، وهي الحالة التي لا تعرف فيها إلى أين تمضي، ولا لماذا تمضي، فتصبح مجرد ورقةٍ في مهب رياح الآخرين.
إن عملية التحول الحالي، بكل ما فيها من مخاطر، تحمل في داخلها بذرة أملٍ حقيقيةٍ تجبرنا لأول مرةٍ منذ عقودٍ أن نسأل سؤال المصير بأنفسنا، لا أن نستورد جوابه، أن نسأل: إذا كانت أمريكا لن تحمينا، فمن يحمينا؟ الجواب الوحيد المنطقي هو: نحن نحمي بعضنا لأننا نعيش المصير نفسه، وهذا هو ميلاد فلسفة المصير المشترك من رحم الانكشاف.
إلى من يطلع على هذه القراءات التي كُتبت في أوقاتٍ متفرقةٍ، بروحٍ تسكنها الآلام والقهر والحرمان، لم أكتبها وأنا في برجٍ عاجيٍّ، بل كتبتها وأنا أرى وطني يتمزق، وإقليمي يحترق، وأمتي تعيش حالةً من التيه، وهنا ألتمس من القارئ الكريم العذر عن قسوة اللغة أحيانًا، فقسوة الجرح أشد، وألتمس العذر عن حدة النقد، فخطورة اللحظة لا تحتمل المجاملة، فالخطب جليل، والمهمة شاقة، ووعورة الشتات والانقسام في أبلغ صور الانكشاف والعري الفاضح، فإن كنت تبحث في هذا الكتاب عن حيادٍ زائفٍ، فلن تجده، فالحياد في معركة المصير خيانةٌ للفطرة الإنسانية وللعقل، فأنا منحازٌ لديني وأمتي، منحازٌ للحقيقة كما أراها، منحازٌ لليمن كأصل، وللوحدة كمصير، وللسيادة كشرطٍ للوجود، ولا يمكن بعد كل هذا العناء أن نجامل أو نحيد عن كلمة الحق وقولها في وجه الأدوات المرتهنة للخارج على حساب مصير شعبٍ وأمة.

رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار.