خطبة الجمعة بين ما ينبغي أن تكون وما هو كائن..
منذ الصغر ونحن نسمع أن الجمعة هي عيد المسلمين الأسبوعي، وأنها اجتماع لأهل الحي يتفقدون فيه أحوالهم، ويشد بعضهم أزر بعض، ويخرجون منها بقلوب ألين وبصائر أوضح لمواجهة الأسبوع الجديد. الجمعة في الأصل مدرسة إيمانية وأخلاقية، يرتقي فيها الخطيب بمنبره ليكون طبيباً يداوي أمراض المجتمع بالحكمة والموعظة الحسنة، يبشر قبل أن ينذر، ويرغب قبل أن يرهب، لأن رحمة الله سبقت غضبه ولأن القلوب لا تُفتح بالعصا.
لكن الواقع الذي عشته في الأسبوعين الماضيين كان مختلفاً تماماً. حضرت في مسجد يُنسب إلى أنصار الله وكان الخطيب شاباً صغيراً لا يتجاوز العشرين من عمره. لم تكن مشكلتي مع صغر سنه، فكم من شاب رفع الله به الدين، ولكن المشكلة أنه كان جاهلاً بأبجديات الخطابة نفسها. يقف على المنبر وبيده ورقة يقرأ منها بصعوبة، وكأنه يقرأ لأول مرة ما كُتب له. فلا روح في الكلام ولا معنى يصل إلى القلوب. كان جل ما أسمعه تهديداً ووعيداً، وكأن الدين كله اختزل في كلمة "من خالفنا فهو منافق وكافر". لم أجد ترغيباً يوازي الترهيب، ولا بشارة تفتح باب الأمل، ولا حديثاً عن رحمة الله التي وسعت كل شيء. خرجت من المسجد وأنا أتساءل: هل هذا هو المقصود من اجتماع الجمعة؟
الشيء الوحيد الذي كنت أستفيد منه هو أنني عندما يذكر اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أركز وأردد الصلاة عليه، فكان ذلك مكسبي الوحيد من حضوري. وكنت أنظر في وجوه الناس حولي فأرى فيها نفس الملل ونفس عدم الرضا، ومع ذلك الكل ساكت. فدار في ذهني سؤال موجع: لماذا يأتون إذن؟ هل هي عادة توارثوها؟ أم خوف من كلام الناس؟ أم لأنها فريضة فُرضت عليهم؟ وخيل إليّ أن المطلوب ليس فهماً ولا تدبراً، بل بيعة عمياء وصمت مطبق لأن من تحدث فقد رغاء ومن رغا فلا جمعة له.
وكنت قبل فتره احضر ولعدة جمع في جامع السنه يُنسب إلى أهل السنة. كنت لم أجد حتى مكاناً لأصلي فيه، فكنت أفترش الأرض في زقاقات السوق وتحت الشمس. واستمعت للخطبة ، ولم أفهم منها شيئاً أيضاً غير النجاسه واالطهاره لغة وشرعا. وفي أحد الأيام سألت جاراً لي ممن أراهم مواظبين: ماذا تفهم من هذه الخطب؟ فكان رده صادماً وبسيطاً في نفس الوقت، قال لي: "أنا أحضر درس الفقه، أما الخطبة فهي شيء آخر". وتذكرت أيضا خطباء الإخوان المسلمين الذين كانوا يخطبون وهم معارضه غير ما كانوا يخطبون وهم شركاء في السلطه.
وهنا أدركت أن المشكلة أكبر من اسم المسجد أو انتماء الخطيب. المشكلة أن المنبر الذي كان من المفترض أن يكون منبر هداية وبناء وتوحيد قد تحول في كثير من الأماكن إلى منبر سياسة وترهيب وتفريق ووعد ووعيد .
نسينا أن خطبة الجمعة هي اجتماع أسبوعي ينبغي أن يناقش ما استجد في حياة الناس خلال الأسبوع، أن يشجب الظواهر السيئة ويقدم لها العلاج من كتاب الله وسنة نبيه، أن يقوي الإيمان ويجمع الصف ويعالج الجراح لا أن يفتحها.
الدين الذي نعرفه يأمرنا بالحكمة والموعظة الحسنة، ويقول لنا "بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا". فإذا كان لابد من ذكر النار فليكن ذكر الجنة أضعافاً، وإذا كان لابد من التحذير من الذنب فليكن فتح باب التوبة أوسع. الناس اليوم متعبة ومثقلة بهموم المعيشة، وهي أحوج ما تكون إلى كلمة تربطها بالله وتطمئنها، لا إلى كلمة تزيدها بعداً ونفوراً.
لا أريد أن أترك الجمعة، ولا أريد أن أترك بيوت الله، ولكن أريد أن أذهب وأنا واثق أني سأخرج منها وقد ازددت إيماناً وعلماً وفهماً لدوري في مجتمعي. أريد خطيباً عالماً يعرف واقع الناس، وخطاباً جامعاً لا مفرقاً، ومنبراً يبني ولا يهدم. اللهم ردنا إلى دينك رداً جميلاً، وهيئ لهذه الأمة من أمرها رشداً.



