الجمعة 21 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • قراءة في إشكالية هيمنة التفاهة وإزاحة النخبة في الزمن الرقمي..!

قراءة في إشكالية هيمنة التفاهة وإزاحة النخبة في الزمن الرقمي..!

يقف الفكر اليوم على أطراف أصابعه في ملكوت الضوء الزائل، يرقب بذهول ذلك الفضاء الزجاجي الأزرق، حيث تموج المحيطات الرقمية، وتتلاطم فيها الأشباح العابرة.

يقف الكاتب والمفكر أمام مفارقة شاحبة؛ جدران ثقيلة من النصوص المعتقة بماء الحبر والروح تتسلل بوقار هادئ عبر أوردة الشاشات، فيعبُر بها ملايين العابرين دون أن يتركوا خفقة زجاجية واحدة أو إيماءة ضوئية تُذكر.
إنها الفجوة الموحشة بين وصول شاسع ينسرب كالمطر في الرمل، وبين صمت رقمي حاد لا يُسمع فيه سوى صدى السرد المعزول.
ليس هذا الجفاف الرقمي زاهدًا في المعرفة ولا خلوةً للروح، بل هو طبيعة الفكر الحي حين ينزل على عقول تقتات على إيقاع العجلة.
إن النص التحليلي الرصين نهجًا بحثيًا، وعمقًا معرفيًا، وتأصيلًا علميًا يشبه إلى حد كبير جلمود صخر حطه السيل من أوج البلاغة؛ يتطلب من القارئ توقفًا تأمليًا، وجلوسًا في ظلال المعنى، وإعمالًا لشرارات الذهن المتعبة.
وحده القارئ الجاد فقط القادر على امتصاص الشهد في صمت، واختزال الفكرة في طيات ذاكرته دون استحضار رغبة غريزية في تفريغ انطباعه المعرفي داخل أزرار هشة تفوح بالزيف والتصنيع.
تتجذر هذه العزلة أيضًا في حذر أيديولوجي وسياسي يتوسد الخوف؛ فالقراء يمرون على المحتويات الرقمية بالسوشيال ميديا مرور الغرباء بين الطرقات، يستجدون الضوء من خلف نوافذ مغلقة، كثير منهم يفضل القراءة الخفية للسطور الحارقة تجنبًا لترك أثر ضوئي قد يتحول في غدٍ قريب إلى وثيقة إدانة أو بطاقة انتماء يجره إلى صحارى السجالات العقيمة.
يفضلون الاحتماء بالظل على أن يُشعلوا سراجًا يرشدهم إليه عسس الرقابة السياسية والاجتماعية.
وتشير الخرائط الرقمية المقفرة إلى أن السواد الأعظم من ساكني هذه المنصات البراقة ليسوا سوى أرواح صامتة، مشاة يكتفون بإلقاء النظر ثم يمضون نحو العتمة، بينما تتحرك أصابع التفاعل في مساحات ضيقة ومحسوبة، تُحركها دوافع غريزية أو تحالفات شبكية مكشوفة.
إن النص الرصين يولد غريبًا ويتغرب أكثر حين يُطرح في سوق المزاد اليومي مجاورًا للصراخ العاطفي والبوح العاري.
يهرع الجمهور بلهفة بدائية نحو المنشورات التي تنضح بالدمع الذاتي والحكايات العابرة، حيث تسكب الأرواح وجعها الخاص فتنهال عليها مئات الآلاف من الإعجابات والمشاهدات كالغيوم السخية، في حين تقف المقالة الفكرية كمنارة قديمة تلعق الريح على شاطئ مهجور.
وتتسرب إلى هذا المشهد أرتال من الغيرة المعرفية وضغائن النخبة؛ فالمعارض الفكري أو السياسي يقف أمام النص الرصين المكتنز بالبلاغة والحجة موقف المبهور المشدوه، لكنه يمارس البخل الإرادي ويحتجز إعجابه كي لا يمنح خصمه إكليلًا من الشرعية أو اعترافًا بتفوق طرحه.
إنه صراع صامت يُدار بأزرار المحو والإهمال.
وتتمدد هذه الخشية حين يدرك المتابع الدقيق قواعد المعالجة الآلية البرمجية؛ يعلم القارئ أن ضغطة زر واحدة على خيار الإعجاب ليست سوى نداء استغاثة سينتقل إلى خلاصات أصدقائه في أرجاء الشبكة، موجهاً بوصلتهم نحو النص الرصين لتتسع دائرة نفوذ الكاتب الفكري، فيلجأ المتابع إلى الكتمان الطوعي، وفي طويته أنه قد خنق الفكرة في مهدها وحال دون تدفق مياهها داخل مجرى انتشارها إلى ذوي الظمأ المعرفي الذين لا مناص أنهم سوف يدركون التمايز النوعي لمنتج الفكرة إن هي وصلت إليهم، وهذا الأمر هو ما لا يرغب فيه على وجه التحديد كل من الكاتب الغيور، والقارئ الأيديولوجي المعارض له.
وأحيانًا تكون طبيعة الجمهور النخبوي المستهدف بالمقالات الطويلة، تتسم بضيق الوقت وضعف الانتظام في استخدام المنصات، مما يجعل تواجد هذا القارئ لا يتقاطع دائمًا مع لحظة النشر، فتضيع المقالة تحت ركام التدفق الإخباري المزدحم والمستمر.
ومع هوان المعنى، يتجلى الاستهلاك اليومي في صور بالغة السطحية؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر ستجد صورة " هشة لأظافر مصبوغة تسأل صاحبتها عن اللون الأنسب أو أسئلة مجوفة عن أحوال الطقس" مجرةً تدور في فلكها آلاف التفاعلات والإعجابات اللحظية، لمجرد أنها محتوى خفيف ينزلق على السطح بلا عناء، متيحًا للجمهور استجابة عاطفية خاطفة لا تكلف الذهن شيئًا.
وتتسلل النفعية والمصلحة لتشكل الوجدان الرقمي؛ إذ تحولت الإعجابات إلى عملة اجتماعية تُستثمر للتقرب من مراكز السلطة، والمال.
يركض المتابعون نحو حسابات الشخصيات الاعتبارية وأصحاب النفوذ، يمطرون منشوراتهم الهزيلة بكلمات الثناء والتفخيم، لا تقديرًا لفكر أو أدب، بل طمعًا في خطوة تفتح أبواب الحظوة عند السلطة أو رباط المنفعة عند الأغنياء.
وفي الظلال المظلمة للتكتلات الحزبية والتنظيمية، يتبدى التفاعل كطقس تعبدي أعمى؛ حيث تمارس الكوادر المؤدلجة عمليات تحشيد لمساندة ودعم أبناء تنظيمها بكتل صلبة من الإعجابات والتعليقات، ليُرفع كتبة الجماعة على أسنة الضجيج وتُصدر نصوصهم وإن كانت غثاءً لا يسمن ولا يغني من جوع.
يمارس زر الإعجاب هنا كواجب تنظيمي حزبي صارم لا يدع مجالًا للذوق أو الحقيقة، بخاصة لدى التنظيمات الإسلاموية على أختلاف تنوعاتها السياسية.
غير أننا سنلاحظ أن هذه المنظومة ذاتها، المستعدة لرفع الموالين، هي ذاتها التي ستنقلب في لحظة خاطفة لتنهش الكاتب وتسقطه من علياء برج الثناء إن هو تجرأ على مغادرة السردية الحزبية أو انتقد الصنم الأيديولوجي.
إنها عقلية جمعية لا تطرب لصوت الحرية، بل تطالب الصدى بأن يكرر صوتها فقط.
وتمتد يد قواعد المعالجة الآلية البرمجية لتستكمل الخناق؛ فهذه المنظومات البرمجية العاتية صُممت بطبيعتها لمكافأة المحتوى البصري خاطف الأبصار واستفزاز الغرائز العابرة لضمان بقاء المستخدم أطول فترة داخل المصيدة الضوئية، بينما تنزل العقاب بالنصوص الممتدة العميقة التي توقف عجلة التصفح الشره، وتدعو القارئ للسكون.
إن أزمة الفكر في الزمن الرقمي ليست في نضوب القراء أو جفاف العقول، بل في استبداد "اقتصاد الانتباه" الذي يتوج الهشاشة ملكةً، ويطرد المعنى إلى منافي العزلة.
غير أن على الكاتب ألا يبتئس، فالمقال الرصين لا يطلب خلودًا زائفًا في عدادات الإعجاب الهشة، بل يغرس جمرته في وعي القارئ الصامت، وهناك فقط، بعيدًا عن ضجيج المنصات، يورق الفكر، وتكتمل الحقيقة.