المواطن اليمني والأزمات... والموت جوعًا ومرضًا
يعيش المواطن اليمني في هذه الأيام، ومنذ سنوات، حياةً مثقلة بالأزمات والتأوهات والحسرات، حتى في منامه لا ينجو منها؛ ينام على أحلام مرعبة وكوابيس مفزعة، كابوسٌ يتبعه كابوس، وكلها ليست إلا انعكاسًا لما يعيشه ويعانيه في ساعات الصحو.
ومنذ الفجر، يبدأ المواطن مواجهة قائمة طويلة من النواقص التي لا تنتهي.
الكهرباء إما طافية أو منقطعة لساعات.
والمياه مقطوعة، والمواسير لا يخرج منها إلا الهواء، ومن أراد أن يشرب أو يوفر لأسرته حاجتها من الماء، فعليه أن يشتريه بأسعار تثقل كاهله من الوايتات ومحطات التكرير.
أما الأسعار، فهي في ارتفاع مستمر، بلا رقيب ولا حسيب، وكلما جاءت مناسبة أو حدث طارئ، وجد المواطن نفسه أمام موجة جديدة من الغلاء، وكأن جيبه هو الحلقة الأضعف التي يُحمَّل عليها كل شيء.
أما المرتبات، فقد أصبحت شبه مقطوعة أو غير منتظمة، وما يُصرف في بعض المحافظات لا يعكس القيمة الحقيقية للراتب مقارنة بما كان عليه في السنوات السابقة، في ظل انهيار القدرة الشرائية للعملة وارتفاع تكاليف الحياة.
ثم تأتي الأمراض، وهي حكاية أخرى؛ أمراض فيروسية ومزمنة ووبائية، وأمراض ناتجة عن سوء التغذية والفقر. مريضٌ يبحث عن دواء فلا يجده، أو يجده بسعر لا يستطيع دفعه، ومستشفى قد يدخله المريض بحثًا عن العلاج، فيخرج منه أهله وهم يحملون جثمانه، وفوق حزنهم فواتير لا ترحم.
أما المواطن الذي أصبح حيًا في جسده، ميتًا في قدرته على الحياة، فإنه يخرج من منزله هربًا من ضيق البيت، فيجد الأزمة في الشارع، ويذهب إلى السوق فيجد أزمة، ويحاول علاج طفله فيجد أزمة، ويسعى وراء لقمة العيش فيجد ألف حاجز وحاجز.
لقد أصبح المواطن اليمني ينتقل من أزمة إلى أزمة، ومن طابور إلى طابور، ومن وجع إلى وجع أكبر.
إنها معاناة شعب بأكمله؛ شعبٌ جائع ومريض ومتعب، يدق أبواب النجدة مرةً بعد مرة، ويدق ناقوس الخطر، لكن دقاته لا تجد من يسمعها.
وربما وصل الحال ببعض الأسر إلى ما يذكّرنا بما كان يفعله أجدادنا في سنوات القحط، حين كانوا يربطون الحجارة والقماش على بطونهم من شدة الجوع. لكن الفرق أن أجدادنا كانوا يواجهون قسوة الطبيعة، أما اليوم فالمواطن يواجه قسوة الظروف، وقسوة الفساد، وقسوة من جعلوا من معاناته وسيلةً للثراء.
وفي المقابل...
في الوقت الذي يعاني فيه المواطن من أجل توفير رغيف الخبز وجرعة الدواء، نشاهد ونسمع عن فئات فرضت نفسها متنفذة، في الداخل والخارج، وتعيش في بحبوحة من العيش لا تنتهي.
في الداخل، نرى حفلاتهم الباذخة، وسياراتهم الفارهة، وعمائرهم وقصورهم التي شُيد بعضها خلال سنوات الحرب، بينما هناك أسر لا تجد ما يكفيها ليومها.
ومن يقول: أنا جائع، قد لا يجد من يسمع صوته، بل قد يجد من يطالبه بالصمت، وكأن الجوع أصبح تهمة، والمطالبة بالحق أصبحت جريمة.
أما من هم في الخارج، فالصورة لا تقل إيلامًا. نسمع ونشاهد عبر وسائل التواصل أخبار حفلات وإنفاق وبذخ، لو وُجّه جزء منه إلى الداخل لكفى آلاف الأسر، ولخفف عن كثير من الفقراء والمحتاجين.
وتتحدث تقارير وبيانات من بلدان مختلفة عن أموال واستثمارات وعقارات يملكها بعض المتنفذين اليمنيين في الخارج. ولو استُثمر جزء من هذه الأموال داخل اليمن في مشاريع إنتاجية، لكان بالإمكان توفير فرص عمل، وإعالة أسر، وتحريك عجلة الاقتصاد بدلًا من استمرار المواطن في البحث عن لقمة العيش يومًا بيوم.
وفي الداخل أيضًا، نرى آلاف العمال البسطاء ينتشرون منذ الصباح الباكر في الشوارع والجولات، يحملون معاولهم وينتظرون من يستأجرهم ليعودوا في نهاية اليوم إلى أسرهم بما يكفي لشراء كيس من القمح أو ما يسد رمق أطفالهم.
هؤلاء هم الذين يحملون أثقال الحياة على أكتافهم، بينما غيرهم يعيش على ما ينتجونه من عرقهم وتعبهم.
ومع ذلك، فإن ما ذكرناه ليس إلا جزءًا يسيرًا من الأوجاع التي يعيشها المواطن اليمني؛ فهناك أزمات أخرى كثيرة سنتناولها في مقالات قادمة.
لكن أكثر ما يؤلمني ليس جوعي ولا صومي ولا ضيق حالي، وإنما أن أرى الجوع والمرض والعجز قد أصبح حالًا عامًا يطارد عامة الشعب المغلوب على أمره.
وفي النهاية، لا يملك المواطن البسيط إلا الدعاء والصبر.
فنحن شعبٌ عُرف بالصبر، وربما أصبح صبرنا جزءًا من شخصيتنا، نصبر على الجوع، ونصبر على المرض، ونصبر على انقطاع الكهرباء والماء، ونصبر على الغلاء وضيق الحال، حتى أصبح البعض يخشى أن يعجز الصابرين عن صبرهم أو أن يتحول الصبر من فضيله وحكمه الي وسيلة يستغلها الاخرون لإطالة معاناة الناس.
لكن للصبر حدودًا، وللظلم نهاية، والجوع ليس أمرًا بسيطًا يمكن تجاهله.
فهل يدرك المتنفذون ومن يساندهم أن الجوع قاتل؟ وأن استمرار الظلم والفقر والمرض لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية؟
وهل سيأتي اليوم الذي يُحاسَب فيه من دمّر ونهب وعاث في البلاد فسادًا، ويُسترد فيه حق المواطن، ويعود المال العام إلى أصحابه، وتصبح الدولة مسؤولة عن حماية الإنسان قبل أي شيء آخر؟
ذلك هو السؤال الذي ينتظر اليمني البسيط أن يجد له إجابة، لا بالكلام، وإنما بالعدل والمحاسبة والعمل.



