الأربعاء 19 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • "حول الطغيان".. حين تتحول الديمقراطيات إلى أنظمة شمولية

"حول الطغيان".. حين تتحول الديمقراطيات إلى أنظمة شمولية

يُعدُّ كتاب "حول الطغيان: عشرون درسًا من القرن العشرين"، من المؤلفات السياسية الحديثة التي أعقبت تولي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، العام 2016، وما رافق ذلك وما تبعه من تغيرات في التوجهات السياسية وأساليب الحكم، وما تمثله من تحديات تواجه الديمقراطيات في العصر الحديث.

كتاب
كتاب
قدَّم المؤرخ الأمريكي تيموثي سنايدر، في كتابه، أفكارًا سياسية مهمة بشكل مبسط ومباشر، ومن خلال تحليل تاريخي دقيق وسلس، مستندًا إلى أحداث القرن العشرين في أوروبا، مستخلصًا منها 20 درسًا في شكل نصائح فردية وجماعية. وقد صدر الكتاب باللغة الإنجليزية، في فبراير 2017، وتمت ترجمته إلى عدة لغات.
هدف الكتاب الذي ألَّفه سنايدر، في أعقاب انتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة، في نوفمبر 2016، إلى الكشف عن بؤر الحكم الاستبدادي التي يمكن أن تؤثر في مستقبل النظام السياسي الأمريكي، وبالتالي في النظام الدولي عمومًا، وتمكين الأفراد من ممارسة الأنشطة الكفيلة بحماية المؤسسات الديمقراطية.
الكتاب الذي ترجمه إلى العربية عبدالسلام المحمّدي، العام 2020، وجاء في 144 صفحة، تضمنت مقدمة و20 فصلًا، تكمن أهميته في رفع الوعي السياسي بأساليب وطرائق الاستبداد الساعية إلى التوسع والتمدد في مختلف أنحاء العالم. إذ يرى الكاتب أن التاريخ يقدم مرآة لفهم الحاضر، مستعرضًا أحداث القرن العشرين، مثل النظام النازي في ألمانيا، والنظام الشيوعي في الاتحاد السوفييتي، والتي استخلص منها 20 درسًا ملائمًا للظروف والملابسات التي نعيشها في وقتنا الراهن، مبينًا كيفية تحول الديمقراطيات إلى أنظمة طغيانية.

دروس ونصائح

ويقدم سنايدر عددًا من النصائح التي تتمثل، في مجملها، في عمل خطة مستقبلية يتم تدبيرها، بحيث تعمل على تغيير الأوضاع القائمة. ويتحدث عن نماذج من أشخاص عاشوا في كنف أنظمة استبدادية قمعية، وكان منهم أدوات خدمت تلك الأنظمة، أو استُخدمت من قبلها، وآخرون كانوا على الضد منها. ويستخلص من التجارب التاريخية دروسًا تتراوح بين نصائح فردية وتحذيرات جماعية، ضمّنها في فصول الكتاب.
وينصح كل فرد في المجتمع بأن يفهم الأمور الدائرة حوله بنفسه، وأن يكون واعيًا بالمفردات ودلالاتها؛ سواء التي يتفوَّه بها أو التي يسمعها، شجاعًا قدر الإمكان، بما في ذلك الاستعداد للموت من أجل الحرية، ومتميزًا عن التيار السائد من خلال معارضة الأفعال التي لا تتفق مع قناعاته، ويدعو إلى الإيمان بالحقيقة؛ فالحقائق أساس الفعل الحر، والتعلم من تجارب الآخرين والدول الأخرى، والحذر من القوى شبه العسكرية (المليشيات)، والتحوُّط من الوقوع في محظور الأعمال غير الطبيعية، ويحض الفرد على الإسهام في الأعمال الخيرية ودعم القضايا النبيلة؛ كالنشاط في المنظمات التي تعبر عن رؤيته للحياة، وممارسة السياسة بالفعل من خلال الاختلاط بالناس وتكوين علاقات وصداقات عديدة، وعدم الاقتصار على القول وإبداء الرأي، ويحث على التفكير النقدي والفعل الجماعي للحفاظ على الديمقراطية، والذود عن مؤسساتها، والتصدي للطغيان، وبناء مستقبل أكثر عدالة.
يتناول الكتاب بعض مظاهر الابتذال السياسي المعاصر، بالمعالجة والتحليل، ويشرح مسائل ونماذج متعلقة بالسعي إلى السلطة والطغيان، والموقف من تلك النماذج السلطوية، ومنها مشكلة الرضا بنماذج الطغيان، والتعامل مع الإنسان كجسدٍ له احتياجات حيوية فقط، وتجاهل الأبعاد القيمية كالحرية والإرادة والاستقلالية. ويشير إلى أن طلب السلطة يعتمد على بواعث وأدوات ملائمة وما يترتب عليه عمليًا على مستوى الواقع.
ويقول بأن السلطة تستمد قوتها من الأفراد، لذلك ينصحهم بألّا يمنحوها الطاعة مسبقًا، ولا يتصرفوا وفقًا لما يتوقعونه من الحكومة، مقدِّمًا أمثلة لذلك من أحداث حصلت سابقًا، مثلما حدث في النمسا عام 1938، إبان الحقبة النازية، متمثلًا في قيام النمساويين باضطهاد جيرانهم اليهود دونما انتظار الإذن بذلك من برلين.
ويؤكد سنايدر أن المؤسسات هي مجرد أوراق وقوانين لا قيمة لها ما لم يدافع عنها المواطنون، فالمؤسسات لا تحمي نفسها بنفسها، وإنما هي بحاجة إلى دعم الأشخاص لكي تصمد في وجه الحاكم المستبد الذي يتخذ أنماطًا متعددة لإضعاف المؤسسات وتهميشها، ومنها: شن حملات إعلامية لزعزعة الثقة في نزاهتها أو صدقها؛ الالتفاف على القواعد المؤسسية وتجاهلها؛ وتنصيب الموالين للنظام في المواقع الحساسة. وبذلك يتحول المجتمع إلى غابة يحكمها القائد أو الحزب الحاكم.
ويحذر من دولة الحزب الواحد؛ إذ يتمكن الحزب من الاستحواذ على السلطة عبر انتخابات أو في لحظات ضعف أو ارتباك تاريخية، وليس دائمًا عبر انقلاب، أو بواسطة وسائل عنيفة، ومن ثم يحوِّل الدولة إلى نظام شمولي، مثل الحزب النازي في ألمانيا، والحزب الشيوعي في تشيكوسلوفاكيا. ويعمد الطغاة -بدايةً- إلى إقناع الناس بأهمية الانتخابات، وبمجرد وصولهم إلى السلطة يبدؤون في تعديل القوانين لضمان بقائهم في الحكم، ويقومون بتشويه المعارضين، حتى يصعب التغيير، ويسيطر لون واحد على المشهد السياسي، فيبدأ بذلك زمن الطغيان. ويؤكد المؤلف أن التعددية هي الضمانة الوحيدة لعدم احتكار الحقيقة والقوة، ولتفادي تحول الدولة إلى النظام الشمولي.
ويرى سنايدر بأن صمت المجتمع تجاه رموز الكراهية والشعارات الإقصائية، يعد سماحًا بها وموافقة ضمنية عليها، وأن الاعتياد على رؤية رموز القمع وصور القائد في كل مكان، يجعلها جزءًا طبيعيًا من وجه الشارع. ويوضح أن النظام الدكتاتوري يطلب من الناس وضع شعارات أو شارات على ملابسهم أو في محلاتهم، بحيث يظهر للعالم أنهم مؤيدون للطغاة، وهم في الحقيقة خائفون، ولا يؤمنون بتلك الشعارات حقًا.
ويقول بأن الأنظمة الاستبدادية الدكتاتورية تلجأ إلى خبراء ومختصين لتسيير أمورها والقيام بالمهام التي تطلبها تلك الأنظمة، وإن كانت تتعارض مع أخلاقيات المهنة التي ينتمون إليها ويؤمنون بها، وبالتالي إذا تمسك المهنيون بأخلاقيات مهنتهم، فلن تتمكن الأنظمة الاستبدادية من السيطرة أبدًا.