السلام يحتاج إلى ثقة لا إلى مبادرات غامضة
السلام ليس مجرد شعار يرفع عند اشتداد الأزمات، ولا مبادرة تعلن في مؤتمر أو عبر وسائل الإعلام، بل هو عملية وطنية شاقة تحتاج إلى إرادة حقيقية وشجاعة سياسية وثقة متبادلة بين الأطراف. وفي بلد أنهكته سنوات الحرب والانقسام، مثل اليمن، تصبح الدعوة إلى السلام مسؤولية كبيرة، لأن أية مبادرة لا تقوم على الوضوح والمصداقية قد تتحول من فرصة للحل إلى سبب جديد للشك والانقسام، فاليمنيون اليوم بحاجة إلى مسار سلام يعيد إليهم الأمل، لا إلى مبادرات تزيد من حيرتهم حول من يقف وراءها وما الأهداف التي تسعى إليها.
ومن الصعب بناء الثقة عندما نشاهد بين الحين والآخر أشخاصًا معروفين بمواقفهم وانحيازاتهم إلى أحد أطراف الصراع، ثم يظهرون فجأة بوصفهم أصحاب مبادرات للسلام أو وسطاء بين المتخاصمين، من دون توضيح كافٍ لطبيعة هذه المبادرات أو الجهات التي تقف خلفها أو الأهداف التي تريد تحقيقها، ومن حق الناس أن يتساءلوا عن مدى استقلالية مثل هذه التحركات، لأن الوساطة الحقيقية لا يكفي أن تحمل اسم السلام، بل يجب أن تكون واضحة في أهدافها ومصادرها وعلاقاتها، وأن تقف على مسافة تمكنها من كسب ثقة مختلف الأطراف.
السلام يحتاج إلى شخصيات تتمتع بالمصداقية، ولها تاريخ ومواقف واضحة وقادرة في الوقت نفسه على التواصل والحوار مع الجميع دون أن تتحول إلى أداة في يد هذا الطرف أو ذاك. فالوسيط الناجح ليس بالضرورة شخصًا بلا رأي أو موقف، ولكنه شخص يمتلك استقلالية القرار، ويحظى باحترام الأطراف، ويستطيع أن يسمع للجميع، وينقل المخاوف والمطالب بأمانة، وأن يبحث عن المساحات المشتركة بدلًا من تعميق الخلافات. والمصداقية هنا ليست صفة تمنحها البيانات الإعلامية، بل رصيد يبنى عبر المواقف والسلوك والقدرة على وضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الضيقة.
كما أن كثرة المبادرات غير الواضحة قد تضر بقضية السلام بدلًا من أن تخدمها، خصوصًا إذا أصبحت وسيلة لتحقيق حضور سياسي أو إعلامي أو لإعادة تقديم بعض الشخصيات والقوى في المشهد تحت عنوان جديد اليمن لا يحتاج إلى مزيد من المنابر والشعارات بقدر حاجته إلى حوار جاد يشارك فيه أصحاب المصلحة الحقيقيون، وتسانده شخصيات وطنية مستقلة ومقبولة، وتدعمه جهود إقليمية ودولية شفافة، وكل مبادرة جادة ينبغي أن تجيب بوضوح على أسئلة أساسية من يقف وراءها وما أهدافها ومن تمثل وكيف ستتواصل مع مختلف الأطراف دون استثناء أو إقصاء؟
إن الوصول إلى السلام في اليمن لن يكون سهلًا، لكنه يظل الطريق الوحيد لإنقاذ البلد من المزيد من الانهيار والمعاناة، ولذلك يجب حماية فكرة السلام نفسها من التوظيف السياسي والمصالح الشخصية والحسابات الضيقة، واختيار من يحملون رسالتها بعناية ومسؤولية. اليمن بحاجة إلى رجال ونساء يمتلكون الشجاعة للحديث مع الجميع، والمصداقية ليصدقهم الجميع، والاستقلالية ليضعوا مصلحة الوطن فوق مصالح الأطراف. فالسلام الحقيقي لا يصنعه الغموض ولا تبدل الأدوار، وإنما تصنعه الثقة والوضوح والحوار الصادق. وعندما تتوفر هذه الأسس يمكن أن تتحول المبادرات من مجرد عناوين إلى خطوات حقيقية نحو إنهاء الحرب وبناء مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا لليمنيين.



