الأربعاء 19 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • اليمن ومعضلة الحسم: لماذا لا تتحول شرعية الدولة إلى قدرة؟

اليمن ومعضلة الحسم: لماذا لا تتحول شرعية الدولة إلى قدرة؟

بعد ما يقارب اثني عشر عاما من الحرب، لم تعد المعضلة اليمنية الأساسية هي نقص السلاح أو الموارد، بقدر ما أصبحت سؤالاً عن القدرة على تحويل ما تملكه الدولة إلى قرار سيادي نافذ. فالحكومة المعترف بها دولياً تمتلك الاعتراف الخارجي، والتمثيل الدبلوماسي، وجغرافيا واسعة، وموانئ ومطارات، وعلاقات إقليمية ودولية، وقطاعات عسكرية كبيرة. ومع ذلك، ظل الحوثيون في محطات كثيرة أكثر قدرة على المبادرة، واختيار توقيت التصعيد ومكانه، وإجبار خصومهم على التفاعل مع الأحداث التي يصنعونها. ولذلك فإن السؤال الأدق لم يعد: من الأقوى في ميدان الحرب؟ بل: اي الطرفين نجح أكثر في تجميع عناصر السيادة وتحويلها إلى قرار؟

من هذه الزاوية، لا تبدو أزمة الحسم أزمة قيادة ضعيفة بالمعنى الشخصي أو الأخلاقي، فالدول لا تتخذ قراراتها الاستراتيجية الكبرى اعتمادا على شخصية الرئيس وحدها، وإنما من خلال مؤسسات تحدد مستويات القرار، وحدود الصلاحيات، ومن يملك حق الأمر، ومن ينفذ، ومن يتحمل المسؤولية. وكلما كانت هذه البنية أكثر استقرار، أصبح القرار أقل اعتمادا على الأشخاص وأكثر تعبيرا عن إرادة الدولة، واليمن عانى من ضعف هذه البنية قبل الحرب نفسها؛ إذ ظلت مؤسسات الدولة لعقود تتقاطع مع شبكات النفوذ والعلاقات الشخصية ومراكز القوة غير الرسمية، ثم جاءت الحرب بعد 2014 لتفكك ما كان ضعيفا اصلا، وتوزع جزءا مهما من وظائف السيادة بين مؤسسات ومكونات سياسية وعسكرية وقوى محلية وحلفاء خارجيين.
ومن هنا ينبغي فهم مجلس القيادة الرئاسي الذي تشكل في 2022، فقد جاء اساسا لجمع القوى المناهضة للحوثيين في إطار واحد ومنع المعسكر الحكومي من التفكك، وكان ذلك استجابة سياسية لمشكلة حقيقية، لكن المؤسسة التي صُممت لاستيعاب التعدد تواجه تحدياً مختلفاً عندما تنتقل من مهمة الحفاظ على الائتلاف إلى اتخاذ قرار استراتيجي مرتفع الكلفة. فالتوافق الذي يحمي الشرعية من الانقسام قد يتحول، إذا لم تحكمه قواعد مؤسسية واضحة، إلى قيد على قدرتها على الحسم.
وهذه النقطة ترتبط ايضا بالفراغ السياسي والدستوري الممتد. صحيح أن ترتيبات نقل السلطة وضعت آليات رسمية لاتخاذ القرار وحددت صلاحيات للمجلس ورئيسه، لكن وجود الصلاحية في النص لا يعني بالضرورة اكتمال شروط ممارستها. القرار السيادي الكبير يحتاج إلى شرعية معترف بها، واحتكار فعلي للقوة، وقدرة على تجاوز تعدد الاعتراضات بعد استنفاد قواعد التوافق، وهامش كافٍ من الاستقلال يسمح للدولة بتحمل كلفة قرارها أمام حلفائها وخصومها. والمشكلة أن هذه العناصر لم تجتمع حتى الآن بدرجة كافية داخل مركز مؤسسي واحد.
الحكومة تمتلك الشرعية القانونية والسياسية والاعتراف الدولي، لكن احتكار القوة لا يزال غير مكتمل، صحيح حدث خلال 2026 تقدم واضح في اتجاه توحيد القرار السياسي والعسكري وإعادة ترتيب بعض مراكز القوة، لكن هناك فرقا بين وجود تنسيق أكبر وبين اكتمال احتكار الدولة لأدوات القوة. فاحتكار القوة لا يعني فقط أن التشكيلات المختلفة تقاتل الحوثيين أو تعمل تحت مظلة الدولة، بل أن قرار تحريكها وتسليحها وتمويلها ومعلوماتها وعملياتها الكبرى يصدر في النهاية من سلسلة قيادة سيادية واحدة. فإذا اتفقت القوات على الخصم، لكنها ظلت مرتبطة بمرجعيات سياسية أو مصالح أو شبكات دعم مختلفة، فإن الدولة تملك قوة كبيرة حسابيا من دون أن تستطيع استخدامها دائماً كقوة سياسية وعسكرية واحدة.
ثم تأتي المشكلة الأعمق: الاتفاق على الخصم لا يعني الاتفاق على اليوم التالي له، فالحسم، أيا كان تعريفه، لا يغير خطوط الجبهات فقط، بل يعيد توزيع السلطة والموارد والنفوذ داخل معسكر الدولة نفسه، من سيدير المناطق المستعادة؟ ما موقع الجنوب؟ كيف تدمج التشكيلات المسلحة؟ كيف توزع الموارد؟ وما شكل الدولة بعد الحرب؟ هذه ليست أسئلة مؤجلة إلى ما بعد الانتصار، بل جزء من شروط اتخاذ القرار قبله، فمن لا يملك تصورا مشتركا لما يريد بناءه بعد الحرب، سيجد صعوبة في الاتفاق على حجم المخاطرة المطلوبة لخوضها.
وتضاف إلى ذلك العلاقة بالخارج. فالدولة اليمنية لا تتحرك في فراغ، والسعودية لعبت وما تزال تلعب دوراً اساسيا في دعم الحكومة سياسيا واقتصاديا وعسكريا، كما أن لبعض القوى اليمنية علاقاتها الإقليمية الخاصة، ولا ينبغي اختزال ذلك في اتهام بالتبعية؛ فكل دولة تخوض حربا طويلة تحتاج إلى حلفاء. لكن السؤال السيادي هو: هل تمتلك الحكومة استراتيجية يمنية تجعل الدعم الخارجي امتدادا لأولوياتها، أم أن تعدد علاقات القوى المحلية بالخارج يضيف طبقة جديدة إلى تعدد مراكز القرار؟ الفارق كبير بين دولة تحدد أهدافها ثم تطلب من حلفائها مساندتها، وبين سلطة لا تستطيع تحديد سقف خياراتها قبل معرفة حدود ما يقبله كل حليف.
هنا تحديدا تفسير استراتيجية المبادرة الحوثية في إدارة الصراع، فهم لا يمتلكون شرعية الدولة، ولا الاعتراف الدولي، ولا الموارد التي تستطيع الحكومة الوصول إليها، كما أن ارتباطهم بإيران ينفي عنهم الاستقلال الكامل، لكنهم يتمتعون بدرجة أعلى من تكامل السلطة الفعلية: مركز قرار أكثر تركيزا، وأدوات عسكرية وأمنية أكثر خضوعا للمركز، وقدرة أكبر على تجاوز الاعتراض الداخلي، ومسافة أقصر بين القرار والتنفيذ. ولذلك فإن تفوقهم النسبي لا يكمن في أنهم يملكون أكثر، بل في أنهم يركزون ما يملكونه بدرجة أكبر.
وهذا يعيد تعريف "الحسم"، فالحسم ليس أمرا عسكريا يصدر في لحظة واحدة، ولا يعني بالضرورة إطلاق حرب شاملة أو دخول صنعاء غدا، بل معناه الاستراتيجي أن تعرف الدولة النتيجة التي تريدها، وتجمع أدواتها خلفها، وتتحمل كلفتها، وتجعل خصمها هو الطرف الذي يعيد حساباته أمام مبادراتها، هل الهدف ردع الحوثيين؟ أم إجبارهم على تسوية تنهي استقلال سلاحهم؟ أم استعادة مؤسسات الدولة كاملة؟ ما لم تُحسم هذه الغاية سياسيا، يمكن تحسين القدرات العسكرية وتحقيق انتصارات ميدانية من دون أن تنتج اتجاها استراتيجيا مستداما.
ولا يمر استكمال السيادة عبر الجيش وحده. فالشرعية الدولية لا تتحول إلى مشروعية داخلية إلا عندما يختبر المواطن الدولة في حياته اليومي، دفع الرواتب، واستقرار العملة، والكهرباء، والقضاء، ومحاربة الفساد ليست ملفات مؤجلة إلى ما بعد الحرب؛ إنها جزء من معركة الدولة نفسها. الحوثيون يستطيعون إنتاج الطاعة بالإكراه، أما الدولة فعليها أن تثبت أن القانون والمؤسسات والخدمات أكثر قدرة على إنتاج الأمن والاستقرار والكرامة.
هل يمكن تجاوز هذه الأزمة؟ نعم، لكن ليس بقرار مفاجئ. تبدأ الإمكانية عندما تتجمع عدة شروط في الوقت نفسه: اتفاق سياسي على معنى الحسم والنتيجة المطلوبة، استكمال وحدة القيادة والسيطرة على القوة المسلحة، قدرة اقتصادية تتحمل كلفة المواجهة، تفاهم داخلي على الحد الأدنى من ترتيبات اليوم التالي، وعلاقة واضحة مع السعودية والشركاء تجعل الدعم الخارجي جزءاً من استراتيجية يمنية. ويمكن قياس اقتراب القرار عندما تنتقل الدولة من الحديث العام عن الجاهزية إلى تحديد غاية سياسية واضحة، وتعيد توجيه مواردها العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية والإعلامية نحو اتجاه واحد.
ولهذا قد يبدأ الحسم قبل أن يُعلن. يبدأ عندما تصبح الدولة هي التي تحدد إيقاع التصعيد، وتختار ساحاته، وتفرض على الحوثيين إعادة حساب خياراتهم في ضوء ما تفعله هي، لا العكس. عندها لا يكون التحول مجرد انتقال من ضعف إلى قوة، بل من سلطة تدير الحرب وفق شروط خصمها إلى دولة قادرة على صناعة شروطها الخاصة.
إن أزمة الحسم في اليمن، في النهاية، ليست أزمة قرار ينتظر توقيعاً لم يصدر بعد، بل أزمة مركز سيادي لم تكتمل فيه بعد شروط القرار: الشرعية، واحتكار القوة، والقدرة على إلزام المكونات وفق قواعد مستقرة، وهامش الاستقلال في العلاقة مع الخارج. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق: «متى تتخذ الحكومة قرار الحسم؟» هو سؤال أكثر عمقاً: هل اكتملت الدولة التي تستطيع اتخاذه؟
فعندما تجتمع الشرعية مع القدرة، ويصبح التوافق إطاراً لبناء القرار لا حق نقض دائم، وتكتمل وحدة القيادة، وتتحول العلاقة بالحلفاء إلى شراكة داخل استراتيجية يمنية، لن يعود الحسم قراراً استثنائياً يبحث عن صاحبه، بل نتيجة طبيعية لدولة استعادت قدرتها على أن تقرر.